عزيزي المسلم 2: تجربة فكرية


سامي الذيب
الحوار المتمدن - العدد: 6555 - 2020 / 5 / 5 - 03:19
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

هذا هو الفصل الثالث من ملحق كتاب
عزيزي الله: رحلتي من الإيمان الى الشك
لكاتب سعودي نشرت كتابًا له تحت اسم: مواطن مجهول

ويمكن الحصول على النص الكامل للكتاب ورقيا: https://bit.ly/2y5Z5Jm
كما يمكن تحميله ضمن كتبي العربية
https://www.sami-aldeeb.com/livres-books/

------------------
عزيزي المسلم،
لنجرب سويا هذه التجربة الفكرية البسيطة. لو قيل لك أنّ بوذا قبل قرون عديدة استيقظ ذات ليلة من مرقده وأعدّ راحلته، بغلاً أو جملا أو ربما حمارا، ثم ركبها لتسير به قليلا في الصحراء وما لبث بعدها أن همزها بطرف كاحله لتقفز به من الأرض وتطير به في الهواء تسابق الريح ليقطع بها الاف الأميال في ساعة أو ساعتين أو أكثر أو أقل قليلا، ثم أكمل رحلته في عنان السماء ولكن هذه المرة ليصعد بدابته الى الفضاء الخارجي، خارج كوكب الأرض وهبط أخيرا بعد أن أخذ جولة سريعة في سديم المجهول وعاد الى فراشه قبل ظهور الفجر بقليل ليلتحف غطائه ويكمل نومه بعد رحلة فانتازية بين الأجرام السماوية من النجوم والكواكب وعبر الغبار الكوني على ظهر حمار أو دابة. ما هو موقفك حين تسمع هذه القصة؟ أتصدق بها مثل ما يصدق الصغار برحلات بابا نويل الى القطب الشمالي على مزلاجه التي تجرها الإيل ليحضر لهم الهدايا أو القصص التي تروى لهم قبل النوم أو تلك التي تخوّفهم من فئة العفاريت، أم أنك تضعها في مكانها اللائق بها بين قصص الأساطير والخيال، تُحكى وتقصّ للتسلية والمتعة؟ حسنا، لنستبدل الآن اسم بوذا بمحمد ونعيد رواية نفس القصة كما هي. كيف سيبدو حكمك الآن؟ ما الذي حدث وتغير، ما الذي اختلف وتبدّل. والقصة هيَ هيَ نفسها لم تتغير؟ لنفترض مرة أخرى أن رجلا مثل كونفوشيوس سأله قومه قبل الفين وخمسمائة سنة أن يريهم آية، فأراهم الشمس في السماء وقد انفصلت الى فلقتين، نعمْ، الشمس التي تشكّلت قبل بضع مليارات من السنين، انفصلت قبل ألف أو الفين عام الى نصفين وكل قطعة في جهة مقابلة للأخرى حتى شاهد أتباع كونفوشيوس رؤوس الشجر والجبل بينهما لساعة أو ساعتين ثم التحمت مجددا والتصقت وعاد كل شي لحاله. أتصدّق بهكذا حدث؟ حسنا ماذا لو غيرنا اسم كونفوشيوس الى محمد وبدلنا الشمس بالقمر وغيرنا شذرات كونفوشيوس وكتبه بالقران ومحاوراته مع مريديه باقتربت الساعة وانشق القمر. كيف سيبدو حكمك الآن؟

حين تغيّرَ اسم راوي القصة من بوذا أو كونفوشيوس الى محمد، تغيّر معها فجأة طريقة تفكيرك ووزنك للأمور وحكمك على الأحداث وتعاطيك مع الأحوال وكأن شيئا ما قد انطفأ في قدراتك العقلية أو تم حجبه خلف موروثات عشّشت في تلافيف دماغك! ألا يثير ذلك لديك أدنى تساؤل عن كيف ترفضُ شيئا بسبب تصادمه مع عقلك الطبيعي ومنطقك السليم، لكن في اللحظة التي يرد فيها اسم نبيك قبلها يتحول اللامعقول الى معقول والخارق للعادة الى ما جرت به العادة والقصص الخيالية الى حقائق ربانية والمرويات الصبيانية الى جمل ونصوص عظيمة. ثم تستتر خلف المعجزات. أذكر في طفولتي من حكايا الجدات التي ترويها لنا قصص الحيوانات ومنها تلك البقرة التي ضحكت حين تحدثت مع صاحبها فتعجبْ عقولنا الصغيرة الغضة آنذاك وتندهش. ثم كبرنا على تلك القصص وكبرت معنا عقولنا ونمى وعينا وعرفنا أنّ تلك الحكايات إنما هي للصبية تُسلّيهم قبل نومهم. لكن حين يروي تلك القصص أبو هريرة بدلا من الجدة نقلا عن نبيك محمد من أنّ بقرة كلّمت صاحبها بعد أن تعب فركبها إذ قالت له إنما خُلقنا للحرث ولم نخلق لهذا. حينها تصبح قصة موثوقة مٌستيقنة ومُصدقة لا تقبل الشك، كيف لا وقد وردت في البخاري، أصح الكتب بعد القرآن! أي شخص ذاك الذي تسمح له بأن يؤثر في قدرتك العقلية للحكم على أبسط الأمور سوى نبي أو رسول من عند الله وهو محمد عندك أو ربما بوذا أو كونفوشيوس عند غيرك، وهم كلهم سيان لا فرق بين هذا وأولئك، سوى في الجغرافيا التي وضعتك هنا ووضعت غيرك هناك خلف سور الصين العظيم.

لو قلت لأحدهم أن بوذا صعد الى السماء لربما ضحك مما تقول، لكن لو استبدلت بوذا ب "محمد" لهلّل وكبّر! أحسبك تقول الآن أن تلك الأحداث التي لم أصدّق بها ابتداء قبل أن يأتي ذكر محمد قبلها إنما قد أتى بها القرآن، وهي فعلا كذلك، لكن أليس لبوذا وكونفوشيوس وغيرهم كتبهم المقدسة أيضا عند أتباعهم وبها قصص تتقاطع مع ما في كتابك عزيزي المسلم؟ كيف إذن أصبحت تلك الخوارق للطبيعة معجزات عندك أنت، فقط لأنها وردت في كتابك المقدس بينما هي أساطير وخرافات إذا وردت في كتب غيرك؟ تصدّق بما يرفض العقل تصديقه لأنه صدر من بيئتك وكُتب بلغتك وتناقله من حولك وآمن به أسلافك بينما ترفض تصديق ما يرفضه عقلك حين يصبح المعجز من خارج موطنك وبغير لغتك! لعلك تقول ولكني قد سلّمت أمري لنبيي فهو الهادي ويكفيني من العقل أن عرّفني صدق نبيي ثم يُخلي بيني وبينه، فمتى ما قبلت به وصدّقته ابتداءً فأنا قابل ومصدّق بكل ما سيأتي به لاحقا. حسناً، متى سلّمت أمرك لنبيك وقبلت به ابتداءً؟ وهل سلّمته بنفسك أم أن أحدا قبلك قد سلّم أمره له وأنت بالتالي تتّبع من قبلك؟ ثم منذ متى عرفت صدق نبيك وتيقّنته؟ أتذكرُ وقتا محددا لذلك التسليم؟ أم هو أمرٌ وجدت نفسك فيه، نشأت عليه وتربيت بين جنباته، على فترة من الزمن؟ دعني أسألك مرة أخرى: ولمَ لمْ تُسلّم أمرك لبوذا؟ هل استخدمت عقلك في الحكم عليه وعلى كونفوشيوس وعلى محمد وبقية أصحاب الديانات والعقائد ثم اخترت من ذلك كله نبيك وانتقيت منه كتابك المقدس بعد بحث وتمحيص ومقارنة؟ أليس الجواب الواضح وضوح الشمس أنّ انقيادك لنبيك، غالبا إنما هو لأنك وُلدتَ في هذه البقعة من الأرض؟ وأن ما تؤمن به اليوم من غيبيات ومرويات إنما هو تحصيل حاصل؟ وأن ما تعتقده مقدسا إنما هو نتيجة طبيعية لمكان نشأتك وتربية أهلك وبيئتك ومجتمعك الذي تتفاعل معه؟

أليس من دينك أنه ما من مولود إلا ويولد على الفطرة وأن الأصل في كل مولود أنه يولد مسلما وأن أبواه هم اللذان يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّساه، ما بال أولئك الذين يعيشون في مجتمعات حرة لم يُفرض عليهم اعتناق يهودية أو نصرانية أو مجوسية، ما بالهم لا يختارون الإسلام دينا لهم إن كان هو الفطرة التي ولدوا عليها؟ بل ما بال المسلمين أنفسهم يحتاجون الى دعاة في المساجد وخطباء على المنابر يصدحون ليلا ونهارا لحث الناس على التمسك بدينهم إن كانوا مفطورين على ذلك؟ أليس من الظلم والإجحاف غرس معتقدات غيبية وطقوس مقدسة وآيات يختلط فيها الرعب بالفانتازيا في عقول غضّة صغيرة لأطفالٍ أبرياء وإجبارهم على اعتناقها وتصديقها وتلقينهم إياها وترديدهم لها ليلا ونهارا؟ لنتخيل معاً طفلا وُلد في أحد حواري مدينة الرياض (السويدي أو منفوحة مثلا) وتصادف أنّ أهله يشجعون ناديا معينا وليكن النصر مثلا. كل ما في البيت من ألوان وشعارات تُشير الى هذا النادي وكل صور الشخصيات المعلقة هي للاعبي هذا النادي ورموزه من هدافين ونجوم. تمّ فرض حب مؤسس النادي وكل ما يتعلق به من شخوص وأماكن ومباريات على ذلك الطفل الصغير وتلقينه شعارات النادي وأناشيده وترديد أهازيجه والتعلق به والتغني بماضيه وإخفاء هزائمه ومحو إخفاقاته والويل كل الويل لو تساهل في ذلك. لم يكتفِ أهله بذلك بل تمّ تلقينه أن حب أي نادٍ آخر هو من الهرطقة، خاصة النادي المنافس (الهلال في هذه الحالة) والويل كل الويل لو شعر بميول للهلال أو أظهر تعاطفا معه أو أبدى اعجابه به. أماّ لو قرر أنه لا يحب الكرة من الأساس وليس له أي ميول رياضية فتلك ردة عقوبتها الموت. ما تقول في ذلك، أليس هذا هو الجنون بعينه؟ لاحظ أن ما نتكلم عنه هنا إنما هي أشياء مادية محسوسة يراها الصغير بعينيه ويلمسها بيديه بل ويلعبها برجله فما بالك إذا كانت أشياء مجردة وأمور غيبية زُرعت في عقله وسُكبت في وعيه على فترة من الزمن؟


مدير مركز القانون العربي والإسلامي http://www.sami-aldeeb.com
طبعتي العربية وترجمتي الفرنسية والإنكليزية والإيطالية للقرآن بالتسلسل التاريخي وكتابي الأخطاء اللغوية في القرآن وكتبي الأخرى: https://sami-aldeeb.com/livres-books