رأس المال: الفصل الثاني عشر ج 2 (46)


كارل ماركس
الحوار المتمدن - العدد: 6537 - 2020 / 4 / 14 - 09:06
المحور: الارشيف الماركسي
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


تقسيم العمل والمانيفاكتورة
ثانياً – العامل الجزئي وأدواته
إذا عاينا التفاصيل عن كثب، لرأينا بجلاء أن العامل الذي ينفذ طيلة حياته عملية بسيطة واحدة بالذات يحول جسده بالكامل إلى عضو أوتوماتيكي أحادي لهذه العملية، وينفق فيها وقتا أقل من الحرفي الذي يقوم بسلسلة كاملة من العمليات على التوالي. ولكن العامل الكلي الموحد الذي يؤلف الآلية الحية للمانيفاکتورة، إنما يتكون أصلا من مثل هؤلاء العمال الجزئيين الأحاديين. وبالمقارنة مع الحرفة المستقلة يجري هنا إنتاج المزيد بزمن أقل، أي رفع القدرة الإنتاجية للعمل (1). كما أن العمل الجزئي يتطور حين يستقل هذا الجزء ويغدو وظيفة محصورة بشخص واحد. وإن التكرار الدائم لهذا العمل الجزئي المحدود وتركيز الانتباه عليه يعمقان التجربة لبلوغ النتيجة النافعة المتوخاة ببذل أقل الجهد. ولما كانت هناك أجيال مختلفة من العمال تعيش معا وتعمل معا في المانيفاکتورات ذاتها، فإن المهارة التكنیكية، اليدوية، المكتسبة، تترسخ، وتتراكم، وتنتقل من جيل إلى آخر(2).

الواقع أن المانيفاکتورة هي التي تخلق براعة العامل الجزئي بمجرد أن تعيد إنتاج التمايز العفوي للحرف الذي تجده في المجتمع، فتطور هذا التمايز تطويراً منهجياً إلى حدوده القصوى داخل ورشة العمل. ومن جهة أخرى، فإن تحويل العمل الجزئي إلى مهنة شخص طوال العمر يتطابق مع سعي المجتمعات السابقة لأن تجعل الحرف وراثية، بأن تدعها تتحجر في طبقات مغلقة (Kasten)، أو – عندما تؤدي ظروف تاريخية معينة إلى ميل الأفراد للتغير بما لا يتناقض مع وجود الطبقات المغلقة – في النقابات الحرفية.
وإن الطبقات المغلقة والنقابات الحرفية تنشأ بفعل ذات القانون الطبيعي الناظم لتمايز الأنواع والفصائل في عالم الحيوان والنبات، مع فارق واحد فقط هو أن وراثة الطبقات المغلقة وخصوصية النقابات الحرفية المغلقة تتوطدان عند درجة معينة من التطور كقانون اجتماعي (3).

“لا شيء يضاهي موسلین دگا رقة، ولا خام کورومانديل ومنسوجاتها الأخرى روعة وثبات ألوان. ومع ذلك فهي تنتج بدون رأسمال، أو آلات أو تقسيم عمل، وبلا أي وسيلة من الوسائل التي تضفي الكثير من المزايا على الصناعة الأوروبية. فالنتاج فرد معزول ينسج حسب طلب المستهلك، ويعمل على نول فظ التركيب يتألف أحيانا من أغصان أو عوارض خشبية جمعت جمعاً أخرق. ولا يتوافر على عتلة لشد السداة، ولذلك يجب أن يبقى النول ممدوداً بكامل طوله؛ فيشغل حيزا من المكان لا يتسع له كوخ النسّاج، لذا يزاول صنعته في الهواء الطلق، حيث تنقطع مع كل تقلب في الطقس” (4).
إن المهارة الخاصة التي تتراكم من جيل إلى جيل والتي يورثها الآباء إلى الأبناء هي وحدها التي تكسب الهندي، كما العنكبوت، براعته. ومع ذلك، ينفذ هذا النسّاج الهندي عملا معقدة تماما إن قورن بعمل غالبية عمال المانيفاکتورات.
إن الحرفي الذي يقوم بعمليات جزئية مختلفة، الواحدة تلو الأخرى، عند إنتاج مصنوع کامل، ينبغي أن ينتقل من مكان إلى مكان طوراً، وأن يستبدل الأدوات طورا آخر. وهذا الانتقال من عملية إلى أخرى يقطع مجرى عمله ويشكل نوعا من المسامات فيه. وتضيق هذه المسامات إذا راح ينفذ العملية نفسها بصورة متواصلة طوال اليوم، بل إنها تزول بمقدار ما يقل تبدل العمليات. وتنجم زيادة إنتاجية العمل هنا إما عن ازدياد إنفاق قوة العمل في فترة معينة من الزمن، أي عن تنامي شدة العمل، أو عن تناقص الاستهلاك غير الإنتاجي لقوة العمل. فالزيادة في إنفاق القوة، مثلا، الناشئة عن كل انتقال من السكون إلى الحركة، يجري التعويض عنها بزيادة أمد العمل بالسرعة الاعتيادية المتحققة. ومن جهة أخرى فإن العمل المتكرر الرتيب يثلم يقظة وتدفق طاقة الروح الحية التي تجد في تغير النشاط بذاته راحة ومسرة.

ولكن إنتاجية العمل لا تتوقف على براءة العامل فحسب، بل على متانة أدواته أيضاً. فالأدوات المتماثلة، مثل السكاكين والمثاقب والمخارز والمطارق وإلخ، قد تخدم في عمليات عمل مختلفة، كما يمكن لأداة معينة أن تخدم أغراض مختلفة في عملية العمل الواحدة ذاتها. ولكن ما إن تنفصل العمليات المختلفة في عملية العمل عن بعضها بعضا وتتخذ كل عملية جزئية على يدي العامل الجزئي الشكل الأنسب، وبالتالي الشكل الخاص، حتى تنشأ ضرورة تغيير الأدوات التي كانت في السابق تصلح لأغراض شتى. وإن اتجاه هذا التغيير في أشكال الأدوات ينشا من مواجهة الصعوبات الخاصة التي يسفر عنها استخدام الأدوات بشكلها القديم. وتتميز المانیفاكتورة بتنويع أدوات العمل، وهو تنويع تكتسب بفضله أدوات من نوع معين أشكالا ثابتة مميزة تلائم تطبيقات خاصة، كما تتميز المانیفاكتورة بتخصص هذه الأدوات الذي يتيح لكل أداة خاصة أن تعمل بمداها الكامل على يدي العامل الجزئي المعين. وفي برمنغهام وحدها يجري صنع قرابة خمسمائة صنف من المطارق، ولا يقتصر على أن كل مطرقة تخدم عملية إنتاجية خاصة، بل غالبا ما تستخدم عدة مطارق مختلفة لأعمال متفرقة في عملية واحدة بعينها. وإن

مرحلة المانيفاکتورة تبسّط وتحسّن وتنوّع أدوات العمل عن طريق تكييف هذه الأدوات للوظائف الخاصة المميزة للعمال الجزئيين (5). وهي بهذا تخلق الشروط المادية لظهور الآلات، التي تتألف من تركيب أدوات بسيطة.
إن العامل الجزئي وأداته يؤلفان عنصرین بسيطين للمانيفاکتورة. فلننظر الآن في المانيفاکتورة بكاملها.

______________

(1) “كلما جرى تقسيم العمل بصورة متشعبة وتوزيعه على مختلف الحرفيين، فلا بد للعمل أن يكون أكثر اتقانا وأسرع وتيرة، وأن يكون مشفوعاً بهدر أقل للوقت والعمل”. (مزايا تجارة الهند الشرقية، 1720، ص 71.
(2) العمل السهل مهارة موروثة. (ت. هودجسکین، الاقتصاد السياسي الشعبي، لندن، 1827، ص 48).
(Th. Hodgskin, Popular Political Economy, London, 1827, p. 48).

(3) “بلغت الحِرف في مصر، هي الأخرى… درجة كبرى من الكمال. فمصر هي البلد الوحيد الذي لا يسمح للحرفيين، بأي حال، التدخل في شؤون الطبقات الأخرى من المواطنين، بل يوجب عليهم مزاولة مهنة قبيلتهم الوراثية بموجب القانون… ونجد حرفيي الأقوام الأخرى يوزعون انتباههم على مواضيع شتى. فحينا يزاولون الزراعة وحين يمارسون التجارة، وحينما يمتهنون صنعتین أو ثلاثة في آن واحد. أما في البلدان الحرة فإنهم يأمّون الجمعيات العامة … وأما في مصر فإن الحرفي يعاقب بصرامة إن سولت له نفسه التدخل في شؤون الدولة، أو مارس عدة حِرف في آن واحد. لذا، ليس ثمة ما يصرف الحرفيين عن مهنتهم… زد على ذلك، أنهم يرثون عن الأسلاف قواعد عديدة تحكم حِرفتهم، ويتوقون إلى اكتشاف المزيد من السبل المثمرة لممارسة الحرفة”. (دیودورس الصقلي، المكتبة التاريخية، المجلد الأول، الفصل 74، [ص 117-118]).
(Diodor[us] Siculus), Historische Bibliothek, Buch I, Cap 74, [S 117-118]))

(4) سرد تاريخي وصفي للهند البريطانية، تأليف هيو موراي، وجيمس ويلسون، إلخ، إدنبرة، 1832، المجلد الثاني، ص 449-450.
إن النول الهندي منتصب، أي أن خيوط السداة تمتد عمودياً.
(5) يقول داروين في كتابه “أصل الأنواع”، الذي يؤلف عهداً تاريخية كاملا، مشيراً إلى الأعضاء الطبيعية للنبات والحيوان: “طالما بقي العضو نفسه يؤدي أعمالا متنوعة، فإننا نرى في ذلك سبب وجوب أن يبقى العضو متغيراً، نعني أن نرى السبب الذي يمنع الاصطفاء الطبيعي من قبول أو رفض اي انحراف طفيف في الشكل بمثل تلك العناية التي يوليها للعضو الذي يخدم غرضاً خاصاً واحداً. وعلى الغرار نفسه فإن السكين التي نستخدم لقطع شتى الأغراض قد تكون بأي شكل کان؛ أما الأداة المكرسة لغرض خاص فينبغي أن تكتسب شكلا خاصا”.. [تشارلز داروین، أصل الأنواع، الفصل الخامس، قوانين التغير. ن. ع].