رأس المال: الفصل السادس/ رأس المال الثابت ورأس المال المتغير


كارل ماركس
الحوار المتمدن - العدد: 6456 - 2020 / 1 / 5 - 18:34
المحور: الارشيف الماركسي
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


إن مختلف عناصر عملية العمل تلعب أدواراً متباينة في تكوين قيمة المنتوج.
فالعامل يضيف قيمة جديدة إلى موضوع العمل بإنفاقه قدراً معيناً من العمل الإضافي على هذا الموضوع، مهما كان محتوى هذا العمل وأياً كان هدفه وطابعه التقني. ومن جهة أخرى نجد ثانية أن قيم وسائل الإنتاج المستهلكة في العملية ماثلة في المنتوج كعناصر في تركيب قيمته؛ فقيمة القطن والمغزل، على سبيل المثال، تعاود الظهور ثانية في قيمة الخيوط. إن انتقال قيمة وسائل الإنتاج إلى المنتوج يؤدي إلى حفظ قيمتها.
ويقع هذا الانتقال خلال تحول وسائل الإنتاج إلى منتوج، أي خلال عملية العمل. إذن يتحقق ذلك بواسطة العمل. ولكن بأية صورة؟
لا يؤدي العامل عمليتين اثنتين في الوقت الواحد نفسه، واحدة لإضافة قيمة إلى القطن بعمله، وواحدة أخرى لحفظ قيمة وسائل الإنتاج أو – وهو ما يضارع الشيء ذاته – لكي ينقل إلى المنتوج، وهو خيوط الغزل، قيمة القطن الذي يغزله، وجزءا من قيمة المغزل الذي يغزل به. إن العامل إنما يصون القيمة القديمة لهذه الأشياء بما يضيفه لها من قيمة جديدة تحديدا. وبما أن إضافة قيمة جديدة إلى موضوع العمل وحفظ القيمة القديمة لهذا الموضوع، هما نتیجتان مختلفتان تمام الاختلاف يولدهما العامل في وقت واحد معا، رغم أنه لا يعمل خلال هذا الوقت سوى مرة واحدة، فمن الواضح أن هذه النتيجة المزدوجة من حيث الطابع لا يمكن إلا أن تنجم عن الطابع المزدوج لعمله. فلا بد من أن هذا العمل في خاصية معينة يخلق القيمة، وفي خاصية أخرى يحفظ القيمة أو ينقلها، في وقت واحد معا.
ولكن على أي نحو يضيف كل عامل وقت عمل جديدة وبالتالي قيمة جديدة؟ بداهة، ليس إلا بنمط عمل إنتاجي يؤدّى في شكل خاص. فالغازل لا يضيف وقت عمل إلا بالغزل، والنسّاج بالنسج، والحداد بالحدادة. وعلى حين أن إضافة العمل، وبالتالي القيمة الجديدة، هي إضافة ذات شكل عام، فإن الغزل والنسج والحدادة، على التوالي، أي الشكل الخاص الهادف بالذات الذي أنفق به العمل هو الذي يحول وسائل الإنتاج، كالقطن والمغزل، الخيوط والنول، الحديد والسندان، إلى عناصر مكونة للمنتوج، لقيمة استعمالية جديدة (1). ولا يزول شكل القيمة الاستعمالية القديم إلا ليعاود الظهور تحت شكل جديد لقيمة استعمالية جديدة. ولكننا رأينا عند بحث عملية تكوين القيمة، أنه إذا استهلكت قيمة استعمالية معينة بكفاءة، في إنتاج قيمة استعمالية جديدة، فإن كمية العمل المنفقة في إنتاج القيمة الاستعمالية المستهلكة تؤلف جزءا من وقت العمل الضروري لإنتاج القيمة الاستعمالية الجديدة، وعليه فإن هذا الجزء هو وقت عمل منقول من وسائل الإنتاج المستهلكة إلى المنتوج الجديد. فالعامل إذن يحفظ قيمة وسائل الإنتاج المستهلكة، أي ينقلها إلى المنتوج لتؤلف جزءا من قيمته، لا بفضل ما يضيفه من عمل عام مجرد، بل بفضل الطابع النافع الخاص، أي بفضل الشكل الإنتاجي الخاص لهذا العمل المضاف. إن العمل، من حيث هو نشاط إنتاجي هادف، من حيث هو غزل أو نسج أو حدادة، يوقظ وسائل الإنتاج من رقدة الموتى بمجرد أن يلامسها، ويحيلها إلى عناصر حية في عملية العمل، ويتحد معها لتكوين منتوجات.
ولو لم يكن العمل الإنتاجي الخاص للعامل هو الغزل، لما أمكنه تحويل القطن إلى خيوط، ولما استطاع بالتالي نقل قيمة القطن والمغزل إلى الخيوط. وحتى لو غير العامل نفسه مهنته وأصبح نجاراً، فهو مع ذلك يضيف، خلال يوم من العمل، قيمة إلى المادة التي يصنعها، كما هو الحال من قبل. ونرى هنا، بالتالي، أولا إنه يضيف قيمة جديدة لا لكون عمله هو غزل على وجه الخصوص، أو نجارة على وجه الخصوص، وإنما لأنه عمل اجتماعي مجرد وعام، ونرى ثانية إن القيمة التي يضيفها ذات كمية محددة، لا لأنه عمل له محتوی نافع من نوع خاص وإنما لأنه أُنفق لفترة معينة من الزمن. إذن فالطابع العام المجرد لعمل الغازل، بصفته إنفاقا لقوة العمل البشرية، يضيف قيمة جديدة لقيمة القطن والمغزل من ناحية، أما طابعه الخاص الملموس، بصفته عملا نافعا، فإن عمل الغازل نفسه ينقل قيمة وسائل الإنتاج هذه إلى المنتوج ويصونها فيه في آن واحد معاً، من ناحية أخرى. من هنا تنبع النتيجة المزدوجة التي يولدها في اللحظة الزمنية نفسها.
إن قيمة جديدة تضاف بمجرد إضافة كمية معينة من العمل، وبفضل نوعية العمل المضاف تصان في المنتوج القيم الأصلية القديمة لوسائل الإنتاج. وهذه النتيجة المزدوجة، الناجمة عن الطابع المزدوج للعمل، تتجلى آثارها في ظاهرات شتّی.
دعونا نفترض أن اختراعا معينا يتيح للغازل أن يغزل في 6 ساعات مقداراً من القطن كان يغزله من قبل في 36 ساعة. إن قوة عمله، کنشاط إنتاجي، نافع، هادف، قد تضاعفت 6 مرات. فمنتوج 6 ساعات من العمل قد ازداد 6 أضعاف، من 6 باونات إلى 36 باوناً. بيد أن الست والثلاثين باوناً من القطن لا تمتص الآن غير نفس المقدار من وقت العمل الذي كانت تمتصه 6 باونات من القطن في الحالة الأولى. فهي تمتص عملا جديداً يقل بستة أمثال عما كانت تمتصه في ظل الطريقة القديمة، وبالتالي فإن القيمة الجديدة التي يضيفها العمل هي سُدس القيمة التي كان يضيفها قديماً. من جهة أخرى، فالقيمة المنقولة من القطن إلى المنتوج، إلى ال 36 باوناً من الخيوط، تتضاعف ست مرات عما كانت عليه. ففي 6 ساعات من الغزل نجد أن قيمة المواد الأولية التي تحفظ وتنقل إلى المنتوج أكبر ست مرات عن الأول، بالرغم من أن القيمة الجديدة التي يضيفها عمل الغازل إلى كل باون من هذه المادة الأولية عينها تهبط إلى سدس ما كانت عليه.
وهذا يبين أن خاصية العمل الأولى، التي يستطيع بفضلها حفظ القيمة، وخاصية العمل الثانية التي يتمكن بفضلها من خلق القيمة، وذلك في مجرى عملية واحدة متصلة، هما خاصيتان مختلفتان جوهرياً. فكلما ازداد وقت العمل الضروري لغزل كمية معينة من القطن إلى خيوط، كبرت القيمة الجديدة المضافة إلى القطن، وكلما ازدادت كمية القطن المغزول في نفس وقت العمل، كبرت القيمة القديمة المحفوظة والمنقولة إلى المنتوج.
دعونا نفترض، على العكس، أن إنتاجية عمل الغازل تظل ثابتة، وأنه بالتالي يلزم الغازل نفس المدة الزمنية لتحويل باون من القطن إلى خيوط كما من قبل. ولكن لنفرض أن القيمة التبادلية لباون القطن تتغير، فإما أن ترتفع إلى 6 أضعاف قيمتها السابقة، أو أن تهبط إلى سُدس هذه القيمة. في كلتا هاتين الحالتين، يضيف الغازل نفس الكمية من وقت العمل إلى باون القطن، وعليه فهو يضيف نفس الكمية من القيمة التي كان يضيفها سابقاً قبل تبدل قيمة القطن، وهو ينتج خلال المدة ذاتها الكمية نفسها من الخيوط كما من قبل. مع ذلك فالقيمة التي ينقلها من القطن إلى الخيوط تكون إما سُدس ما كانته سابقا، أو ستة أضعاف قيمتها قبل التغيير. وتتكرر النتيجة ذاتها حين ترتفع قيمة وسائل العمل أو تهبط، مع بقاء كفاءتها في عملية العمل على حالها. وإذا بقيت الشروط التقنية لعملية الغزل كما هي من دون تبدل، ولم يقع تغير في قيمة وسائل الإنتاج، فالغازل، الآن كما من قبل، يظل يستهلك في أوقات عمل متساوية كميات متساوية من المواد الأولية والآلات بقيمة ثابتة. وحينذاك تتناسب القيمة التي يحفظها في المنتوج بصورة طردية مع القيمة الجديدة التي يضيفها إلى المنتوج. ففي غضون أسبوعين، يضيف من العمل، وبالتالي من القيمة، ضعف ما يضيفه في أسبوع واحد، ويستهلك خلال هذه المدة عينها ضعف المواد الأولية بضعف القيمة ويبلي الضعف من الآلات، بضعف القيمة في كل حالة، ولذلك يحفظ في منتوج أسبوعين ضعف القيمة التي يحفظها في منتوج أسبوع واحد. وعند ثبات شروط الإنتاج المعطاة، تزداد القيمة التي ينقلها العامل ويحفظها، كلما ازداد ما يضيفه من عمل جديد، ولكنه لا يحفظ قيمة أكبر لأنه يضيف قيمة جديدة أكبر، بل لأنه يضيف القيمة في ظل ظروف ثابتة ومستقلة عن عمله الخاص.
وبالطبع يمكن القول، بمعنى من المعاني، إن العامل يحفظ القيمة القديمة دائماً بما يتناسب وكمية القيمة الجديدة التي يضيفها. وسواء ارتفعت قيمة القطن من شلن واحد إلى شلنين، أو هبطت إلى 6 بنسات، فالعامل لا يحفظ، أبدأ، في منتوج ساعة واحدة غير نصف مقدار القيمة التي تحفظ في منتوج ساعتين. وعلى غرار ذلك، لو تغيرت إنتاجية عمله الخاص، بأن ترتفع أو تهبط، فهو يغزل في ساعة واحدة قطناً أكثر أو أقل مما كان يفعل سابقة، حسب الحالة، وبالتالي سيحفظ في منتوج ساعة واحدة، قيمة موازية من القطن أكبر أو أقل، ولكن مهما كانت الحالة فإنه سيحفظ في ساعتين من العمل ضعف ما يحفظه من القيمة في ساعة واحدة.
لا وجود للقيمة إلا في قيم استعمالية، في أشياء نافعة، هذا إذا استثنينا التعبير الرمزي المحض عن القيمة في رموز. (فالإنسان ذاته من حيث إنه وجود متعين لقوة العمل، هو موضوع طبيعي، شيء، رغم أنه شيء حُبي بالحياة والوعي الذاتي، وما العمل إلا تجلٍّ شيئي لهذه القوة التي تسكن فيه). وعليه إذا فقد الشيء قيمته الاستعمالية فقد قيمته أيضا. أما وسائل الإنتاج فهي إذ تفقد قيمتها الاستعمالية، لا تفقد قيمتها في الوقت نفسه، ومرد ذلك هو هذا: في مجرى عملية العمل تنزع الشكل الأصلي لقيمتها الاستعمالية لا لشيء إلا لترتدي في المنتوج شکل قيمة استعمالية جديدة. ولكن مهما كانت أهمية عثور القيمة على شيء نافع معين كي تحل فيه، فلا أهمية البتة لما يكون عليه هذا الشيء الذي تحل فيه، وهو ما رأيناه في استحالة السلع. يترتب على ذلك أن وسيلة الإنتاج لا تنقل قيمتها إلى المنتوج، في مجرى عملية العمل، إلا بقدر ما تفقد من قيمة تبادلية سوية مع ما تفقده من قيمة استعمالية. إنها لا تنقل إلى المنتوج غير تلك القيمة التي تفقدها بصفتها وسيلة إنتاج. بيد أن العناصر الشيئية لعملية العمل لا تسلك، في هذا الخصوص، سلوكا متماثلا.
إن الفحم الذي يرقد تحت المراجل يتلاشى دون أثر، كذلك شأن الزيت الذي تُشحّم به محاور العجلات. كما أن الأصباغ وغيرها من المواد المساعدة تزول جميعاً، لكنها تعود إلى الظهور في خواص المنتوج. إن المادة الأولية تؤلف جوهر المنتوج، ولكن بعد أن يتغير شكلها. إذن فالمادة الأولية والمواد المساعدة تفقد الشكل المستقل الذي كان يميزها كقيم استعمالية قبل دخولها عملية العمل. ولكن الأمر بخلاف ذلك مع وسائل العمل بالذات. فالأدوات، والآلات، ومباني الورش والحاويات لا تكون نافعة في عملية العمل إلا إذا بقيت تحتفظ بشكلها الأصلي، وتكون على أهبة الاستعداد، كل صباح، لتكرار العملية، كما بالأمس، دون أن يطرأ أي تبدل على هيئتها. وكما أنها خلال أمد حياتها، نعني خلال عملية العمل المتواصلة التي تخدم فيها، تحتفظ بشكلها الخاص المستقل عن المنتوج، كذلك تفعل بعد موتها أيضا. فأشلاء الآلات والأدوات والورش، إلخ، تبقى دوماً منفصلة ومتميزة عن المنتوج الذي اسهمت في صنعه. ولو تأملنا حالة وسيلة من وسائل العمل على مدى الفترة الكلية التي تخدم خلالها، منذ أول يوم دخولها الورشة حتى يوم تُرمى فيه في مخزن الخردوات، نجد أن قيمتها الاستعمالية، في أثناء ذلك، تستهلك بالكامل، وأن قيمتها التبادلية، بالتالي، ننتقل برمتها إلى المنتوج. ولو أن آلة غزل تدوم عشر سنوات، على سبيل المثال، فمن الجلي أن قيمتها الكلية تنتقل بالتدريج، خلال فترة عملية العمل تلك، إلى منتوج عشر سنوات. إذن فوسيلة العمل تقضي فترة حياتها في تكرار عمليات متماثلة، يزيد عددها أو ينقص بهذا القدر أو ذاك.
وحياة الآلة شأن حياة الكائن البشري. فكل يوم يمضي يقربه 24 ساعة من القبر. ولكن يستحيل على أي أمريء أن يعرف على وجه الدقة من مجرد النظر إلى سحنته، كم يوما بقي له من المسير على هذا الطريق. بيد أن هذه العقبة لا تمنع شركات التأمين على الحياة من أن تستخلص، من متوسط الأعمار، استنتاجات دقيقة للغاية، والأهم من ذلك أنها استنتاجات تدر أرباحا وفيرة. كذلك شأن وسائل العمل. فنحن نعرف، بالتجربة، متوسط الزمن الذي تعمره آلة من صنف معين. لنفترض أن قيمتها الاستعمالية في مجرى عملية العمل لا تدوم أكثر من 6 أيام. إذن فهي تفقد كل يوم، بالمتوسط، سُدس قيمتها الاستعمالية، وبالتالي ينتقل سُدس قيمتها إلى المنتوج اليومي، على هذا النحو يُحسب اندثار جميع وسائل العمل، نعني ما تفقده يوميا من قيمة استعمالية وما يقابل ذلك من كمية القيمة التي تنقلها يومياً أيضا إلى المنتوج ويتجلى هنا بوضوح ساطع، أن وسيلة الإنتاج لا تنقل أبدا إلى المنتوج قيمة أكبر مما تفقده هي خلال عملية العمل بدمار قیمتها الاستعمالية الخاصة. وإذا لم تكن وسيلة الإنتاج تفقد أي قيمة، أي إذا لم تكن نتاج عمل بشري، فإنها لن تنقل أي قيمة إلى المنتوج. فإن لم تكن نتاج عمل بشري، يقتصر دورها على إسداء العون في خلق قيم استعمالية من دون أن تسهم في تكوين القيمة التبادلية. وتندرج ضمن هذا النوع جميع وسائل الإنتاج التي تأتي هبة من الطبيعة دون تدخل الإنسان، کالأرض والرياح والمياه وخامات الحديد والخشب في الغابات العذراء، وهلمجرا.
مع ذلك ثمة ظاهرة أخرى هامة تبرز هنا للعيان. هَبْ أن آلة تساوي قيمتها 1000 جنيه، تندثر كلية في ألف يوم. في هذه الحالة ينتقل من قيمة الآلة كل يوم إلى المنتوج اليومي. بيد أن الآلة، بالرغم من تناقص حيويتها، تواصل الاشتراك، بكاملها، في عملية العمل. وهكذا يتضح أن أحد عناصر عملية العمل ونعني به وسيلة الإنتاج، يدخل باستمرار في تلك العملية بكامله، بينما لا يدخل عملية تكوين القيمة إلا على أجزاء. إن الفرق بين عملية العمل وعملية إنماء القيمة ينعكس في العناصر الشيئية، إذ إن نفس أداة الإنتاج تشارك بكاملها في عملية العمل، في حين أنها كعنصر من عناصر تكوين القيمة، لا تدخل إلا على أجزاء (2).
من جهة ثانية يمكن لوسيلة إنتاج أن تدخل بكاملها في إنماء القيمة، رغم أنها لا تدخل في عملية العمل إلا على أجزاء. لنفترض أنه عند غزل القطن، يتبدد من أصل 115 باونا، بهيئة ضياعات، ما يساوي 15 باوناً، حيث لا تتحول هذه إلى خيوط بل إلى «غبار الشيطان» (devil’s dust)(*). إن هذه الباونات ال 15 من القطن، لا تصبح البتة، عنصراً في تركيب الخيوط، مع ذلك فإذا كان ضياع هذه الكمية من القطن أمراً طبيعياً ومحتوماً في ظل الشروط الوسطية لعملية الغزل، فإن قيمة القطن الضائع تنتقل إلى قيمة الخيوط شأنها في ذلك شأن قيمة المائة باون التي تؤلف جوهر الخيوط. إن القيمة الاستعمالية للخمسة عشر باوناً من القطن ينبغي أن تتبدد إلى غبار لكي يكون بالوسع صنع 100 باون من الخيوط. إن دمار هذا القطن هو، إذن، شرط ضروري لإنتاج الخيوط. فقيمة القطن المفقود تنتقل إلى المنتوج لهذا السبب دون غيره. ويحدث الشيء نفسه لجميع أنواع النفايات المتخلفة عن عملية العمل، ولكن بقدر ما تكف عن النفع كوسيلة لإنتاج قيم استعمالية مستقلة، جديدة. ونرى مثل هذا الاستخدام للنفايات في مصانع بناء الآلات الكبرى في مانشيستر، حيث نقل جبال من ركام الحديد في المساء إلى المصهر لتعود صباح اليوم الثاني إلى الورش بهيئة كتل من الحديد الصلب.
لقد رأينا أن وسائل الإنتاج لا تنقل من قيمة إلى المنتوج الجديد إلا بقدر ما تفقده، في مجرى عملية العمل، من قيمة في أشكالها الاستعمالية القديمة. وأقصى ما يمكن أن تفقده من قيمة في عملية العمل لا يتجاوز، بداهة، مقدار القيمة الأصلية التي كانت تملكها قبل دخول العملية، أو بتعبير آخر، لا يتجاوز حدود وقت العمل اللازم لإنتاجها تحديدا. إذن فوسائل الإنتاج لا تستطيع، قط، أن تضيف إلى المنتوج قيمة أكبر مما تملكه هي نفسها بصورة مستقلة عن عملية العمل التي تخدم خلالها. ومهما كانت المنفعة التي تملكها مادة أولية أو آلة معينة أو أي وسيلة إنتاج أخرى، سواء كانت تكلف 150 جنيها أو 500 يوم عمل، فإنها لا تستطيع، رغم ذلك، وأيا كانت الظروف، أن تضيف إلى قيمة المنتوج الكلي الذي تخدم في تكوينه، أكثر من 150 جنيها. فقيمتها لا تتقرر بعملية العمل التي تدخل فيها كوسيلة إنتاج، وإنما تتقرر هذه القيمة بعملية العمل التي تخرج هي منها بصفة منتوج، وهي لا تخدم في عملية العمل إلا بمثابة قيمة استعمالية، بمثابة شيء يمتلك خصائص نافعة، ولا تستطيع لذلك أن تنقل إلى المنتوج ذرة قيمة، ما لم تكن تملك هذه القيمة قبل دخول العملية (3).
وحين يقوم العمل بتحويل وسائل الإنتاج إلى عناصر مکونة لمنتوج جدید، فإن قيمتها تخضع لنوع من تناسخ الأرواح. إنها تهجر الجسم المستهلك وتحل في الجسم المخلوق حديثاً. لكن هذا التناسخ يقع من وراء ظهر العمل الفعلي. فالعامل يعجز عن إضافة عمل جديد، أي خلق قيمة جديدة، من دون أن يحفظ القيم القديمة في الوقت نفسه، ذلك لأن العمل الذي يضيفه ينبغي أن يكون في شكل عمل نافع معين، ولكنه لا يستطيع أن ينجز العمل في شكل نافع من دون أن يستخدم منتوجات معينة بمثابة وسائل إنتاج لمنتوج جديد، ينقل إليه قيمة هذه الوسائل. إن قوة العمل الفاعلة، أو العمل الحي يملك خاصية حفظ القيمة في أثناء قيامه بإضافة القيمة، وهذه هبة من الطبيعة لا تكلف العامل شيئا، ولكنها تعود على الرأسمالي بنفع عظيم، فهي تحفظ القيمة الحالية لرأسماله (4).
وطالما بقيت الأعمال مزدهرة، فإن الرأسمالي يكون مستغرقا على أشده في جني الربح دون أن يلاحظ هذه الهبة المجانية للعمل. ولكن انقطاعاً عنيفاً لسير العمل، بفعل اندلاع أزمة، يوقظ حواسه، ويرغمه على التنبه لذلك (5).
إن ما يستهلك من وسائل الإنتاج حقا، إنما هو قيمتها الاستعمالية، ويؤول استهلاك هذه القيمة الاستعمالية بواسطة العمل إلى خلق المنتوج. أما قيمتها فهي في الواقع لا تستهلك (6)، وعليه لا يمكن إعادة إنتاج هذه القيمة. فهي بالأحرى تحفظ، ولكن ليس بفعل عملية تخضع لها في مجرى عملية العمل، وإنما لأن القيمة الاستعمالية التي كانت توجد فيها بالأصل تتلاشى فعلا، ولكنها تتلاشى في قيمة استعمالية أخرى. لذا فإن قيمة وسائل الإنتاج تعود إلى الظهور مجددا في قيمة المنتوج، وليست هنا، إن توخينا الدقة، أي إعادة إنتاج لهذه القيمة. فالشيء الذي جرى إنتاجه إنما هو قيمة استعمالية جديدة تظهر فيها القيمة التبادلية القديمة ثانية (7).
والأمر على خلاف ذلك مع العنصر الذاتي لعملية العمل، نعني قوة العمل الذاتية الحركة. فعلى حين أن العمل، بفضل شكله الهادف، يحفظ قيمة وسائل الإنتاج وينقلها إلى المنتوج، فإن كل لحظة من حركته تخلق قيمة إضافية، أي جديدة. لنفرض أن عملية الإنتاج تنقطع بالضبط عند النقطة التي يكون فيها العامل قد أنتج ما يعادل قيمة قوة عمله الخاصة، تنقطع، مثلا، عندما يكون قد أضاف بعمل ست ساعات قيمة تبلغ 3 شلنات. إن هذه القيمة تشكل، من بين أجزاء القيمة الكلية للمنتوج، فضلة تزيد على ذلك الجزء من قيمة المنتوج الذي تدين به إلى وسائل الإنتاج. وهذه الفضلة هي الجزء الجديد الوحيد من القيمة الذي نشأ خلال العملية، وهي الجزء الوحيد من قيمة المنتوج الذي خلقته هذه العملية. وبالطبع، إن هذه القيمة الجديدة لا تعوض إلا عن النقد الذي دفعه الرأسمالي في شراء قوة العمل، وقد أنفق العامل هذا النقد على ضروريات العيش. إن القيمة الجديدة التي خلقها العامل تشكل إعادة إنتاج للنقد الذي أنفقه، ولكنها إعادة إنتاج فعلا ظاهراً، كما هو الحال مع قيمة وسائل الإنتاج. إن هذا التعويض عن القيمة بقيمة أخرى، يجري عبر خلق قيمة جديدة.
بيد أننا نعرف مما سبق أن عملية العمل تستمر لتجاوز الوقت الضروري لمجرد إعادة إنتاج مُعادل لقيمة قوة العمل، ودمج هذا المُعادل في موضوع العمل. وعوضا عن استمرار العملية ست ساعات، وهي تكفي لذلك الغرض، فإنها تستمر 12 ساعة على سبيل المثال. وبذلك فإن نشاط قوة العمل، لا يعيد إنتاج قيمتها الخاصة، فقط، وإنما ينتج قيمة إضافية تفوق ذلك. إن فائض القيمة يؤلف فضلة في قيمة المنتوج تتجاوز قيمة ما استهلك لخلق المنتوج من عناصر، أي من وسائل الإنتاج وقوة العمل.
لقد قمنا، هاهنا، بعرض مختلف الأدوار التي تلعبها مختلف عناصر عملية العمل في تكوين قيمة المنتوج، فكشفنا بذلك، في الواقع، النقاب عن خصائص مختلف الوظائف التي تؤديها مختلف العناصر المكونة لرأس المال في عملية نمائه الذاتي. إن الزيادة في القيمة الكلية للمنتوج والتي تفوق مجموع قيم عناصره المكونة، هي الزيادة التي حققها رأس المال المتنامي ذاتياً على قيمة رأس المال المدفوع في الأصل. إن وسائل العمل من جهة، وقوة العمل من جهة أخرى، ما هي إلا أشكال الوجود المختلفة التي تتخذها قيمة رأس المال الأصلي عندما تخلع شكلها النقدي وتنقلب إلى عناصر عملية العمل.
إذن، فذلك الجزء من رأس المال، الذي يتحول إلى وسائل إنتاج، أي يتحول إلى مواد أولية ومواد مساعدة ووسائل عمل، لا تتعرض قيمته، خلال عملية الإنتاج، إلى أي تغير کمي. ولهذا نسميه الجزء الثابت من رأس المال، أو بتعبير أكثر إيجازاً: رأس المال الثابت.
وبعكس ذلك نجد أن ذلك الجزء من رأس المال الذي تحول إلى قوة عمل يخضع، في عملية الإنتاج، إلى تغير في القيمة. فهو يعيد إنتاج مُعادل قيمته الخاصة، كما ينتج بالإضافة إلى ذلك، فضلة، أو فائض قيمة، تتباين هي الأخرى فتكون بهذا القدر او ذاك حسب الظروف. وهذا الجزء من رأس المال يتحول باستمرار من مقدار ثابت إلى مقدار متغير. ولهذا نسميه الجزء المتغير من رأس المال، أو نسميه بإيجاز رأس المال المتغير.
إن عناصر رأس المال هذه التي تتمایز من وجهة نظر عملية العمل، إلى عنصر موضوعي وعنصر ذاتي على التوالي، أي إلى وسائل إنتاج وقوة عمل، تتمايز بدورها، من وجهة نظر عملية خلق فائض القيمة، إلى رأسمال ثابت ورأسمال متغير.
إن مفهوم رأس المال الثابت الذي أوردناه آنفا لا يستبعد، باي حال من الأحوال، إمكانية حدوث ثورة في قيمة عناصره المكونة. لنفرض أن سعر باون من القطن يبلغ اليوم نصف شلن ويرتفع غداً، في أعقاب هبوط محصول القطن، إلى شلن واحد. إن باون القطن القديم الذي جرى شراؤه بنصف شلن، ثم غزل بعد ارتفاع القيمة، ينقل الآن إلى المنتوج قيمة شلن واحد، أما القطن الذي تم غزله قبل الارتفاع، بل والذي قد يكون قيد التداول في السوق بهيئة خيوط، فإنه يضيف هو الآخر إلى المنتوج ضعف قيمته الأصلية.
لكن من الواضح أن هذه التغيرات في القيمة مستقلة عن نمو قيمة القطن بفعل عملية الغزل ذاتها. وإذا لم يكن القطن القديم قد غزل بعد، فبالوسع، بعد ارتفاع القيمة، بيعه مجدداً بشلن بدلا من نصف شلن للباون الواحد. وعلى العكس من ذلك كلما كان عدد عمليات تصنيعه أقل، كانت هذه النتيجة مضمونة أكثر. ولذلك فإن من قوانين المضاربة، عند حدوث ثورة فجائية في القيمة كهذه، أن تجري المتاجرة بتلك المادة الأولية التي لم يُنفق عليها غير أدنى كمية ممكنة من العمل: المضاربة بالغزول بدلا من النسيج، والمضاربة بالقطن بدلا من خيوط الغزل. إن تغير القيمة في هذه الحالة لا ينشأ من العملية التي يخدم القطن خلالها كوسيلة إنتاج، ويقوم فيها بالتالي بوظيفة رأسمال ثابت، وإنما ينبثق من العملية التي تنتج القطن ذاته. صحيح أن قيمة سلعة من السلع تتحدد بكمية العمل المتبلورة فيها، غير أن هذه الكمية نفسها تتحدد بالشروط الاجتماعية. فإذا تغير وقت العمل الاجتماعي الضروري لإنتاج سلعة من السلع – وبانت كمية معينة من القطن مثلا، بعد موسم سيئ، تمثل كمية من العمل أكبر مما كانت تمثله بعد موسم وفير- فإن السلعة القديمة من الصنف نفسه تتأثر على الفور، لأنها تعد بمثابة فرد من جنس واحد (8)، وقيمتها تقاس، على الدوام، بالعمل الضروري اجتماعياً، نعني العمل الضروري لإنتاجها في الشروط الاجتماعية السائدة حالياً.
إن قيمة وسائل العمل، كالآلات وغيرها، التي تستخدم في عملية الإنتاج عرضة للتغيير شأنها في ذلك شأن قيمة المواد الأولية، وعليه فإن ذلك الجزء من القيمة الذي تنقله إلى المنتوج يتغير تبعا لذلك. فلو أن آلة من نوع معين، إثر اختراع جديد، يمكن إعادة إنتاجها بإنفاق كمية من العمل أقل، فإن الآلة القديمة تفقد جزءا من قيمتها بهذا القدر أو ذاك، وتنقل إلى المنتوج، بالتالي، قيمة أقل تبعا لذلك. ولكن في هذه الحالة أيضا، كما من قبل، ينشأ التغير في القيمة خارج العملية التي تعمل فيها الآلة كوسيلة إنتاج. فما أن تدخل هذه العملية، حتى يتعذر عليها تماما أن تنقل قيمة أكبر مما تملكه هي، بمعزل عن هذه العملية.
وكما أن تغيراً في قيمة وسائل الإنتاج، حتى لو وقع تأثيره المرتد بعد دخولها في عملية العمل، لا يغير شيئا من طابعها كرأسمال ثابت، فكذلك التغير في النسبة بين رأس المال الثابت وراس المال المتغير لا يمس بشيء اختلاف وظيفة هذين النوعين من رأس المال. ومن الجائز أن الشروط التقنية لعملية العمل تنقلب انقلابا كبيرة بحيث أن رجلا واحداً يصبح قادراً، باستعمال آلة غالية الثمن، على معالجة كمية من المواد الأولية تفوق مائة مرة ما كان عشرة رجال يعالجونه من قبل باستعمال أدوات أقل قيمة. وفي هذه الحالة تطرأ زيادة كبيرة على رأس المال الثابت، الذي يتمثل بالقيمة الإجمالية لوسائل الإنتاج قيد الاستعمال، وهبوط كبير في قيمة رأس المال المتغير، المدفوع لقاء قوة العمل. بيد أن انقلاب كهذا لا يغير سوى العلاقة الكمية بين رأس المال الثابت ورأس المال المتغير، أو النسبة التي ينقسم رأس المال الإجمالي بموجبها إلى عنصر ثابت وعنصر متغير، ولكنه لا يمس أدنى مساس اختلافهما الجوهري.

______________________

(1) – “يخلق العمل منتوجاً جديداً لقاء منتوج آخر يتلاشى”. (بحث في الاقتصاد السياسي للأمم، لندن،1821 ، ص 13).
(An Essay on the polit. econ. of Nations, London, 1821, p. 13).
(2) – إن موضوع إصلاح وسائل العمل، الآلات، المباني، لا يعنينا، هنا، في هذا المجال. فالآلة، في أثناء إصلاحها، لا تعود وسيلة عمل، بل موضوعاً للعمل. فالعمل لم يعد ينجز بواسطتها، بل صار ينفق عليها لإصلاح قيمتها الاستعمالية. ويسعنا أن نعتبر، لأغراض البحث، أن العمل المنفق على إصلاح الأدوات يشكل جزء من العمل الضروري لإنتاج وسيلة العمل في الأصل.
غير أن الاندثار الذي يرد في هذا الموضع من الكتاب هو تلف وبلى الآلات الذي لا يستطيع أي طبيب علاجه، والذي يفضي إلى الموت شيئا فشيئا، إنه يتعلق بـ “ذلك النوع من التأكل الذي لا يمكن إصلاحه من آن لآخر، والذي يفضي بالسكين مثلا، في خاتمة المطاف، إلى حال يقول عنها صانع السكاكين إنها لا تستحق عناء صنع نصل جديد”. وقد بينا في متن النص أعلاه أن آلة من الآلات تدخل برمتها في كل عملية عمل، ولكنها لا تدخل في عملية إنماء القيمة، التي تجري في الوقت نفسه، إلا على دفعات، جزءا بعد جزء. أما إلى أي مدى يبلغ تشوش الأفكار
حول هذه الظاهرة فهذا ما يظهره المقتطف التالي! “يقول السيد ریکاردو إن جزءا من عمل المهندس المبذول في بناء آلة لصناعة الجوارب، يدخل على سبيل المثال في قيمة زوج من الجوارب. لكن العمل الكلي الذي أنتج كل زوج من الجوارب… يتضمن عمل المهندس كله، وليس جزءاً منه، لأن آلة واحدة هي التي تصنع عدة أزواج، وليس ثمة زوج منها يمكن صنعه دون استخدام جميع اجزاء الآلة”. (ملاحظات حول خلافات لفظية معينة في الاقتصاد السياسي، وخصوصا ما يتعلق بالقيمة والعرض والطلب، لندن، 1821، ص 54)
(Observations on Certain Verbal Disputes in Pol. Econ., Particularly Relating to Value and to Demand and Supply, London, 1821, p. 54).
إلا أن مؤلف هذا الكتاب، وهو مغرور، (Wiseacre) ومتعالي إلى حد بغيض، معذور في اضطراب وتشوش فكره، وبالتالي فهو محق في جدله، ولكن بمعنى واحد لا غير، وهو أنه لا ریکاردو، ولا أي اقتصادي آخر، لا قبله ولا بعده، استطاع أن يميز على وجه الدقة بين خاصّيتي العمل، وأن يحتل بالتالي الدور الذي تلعبه كل خاصية في تكوين القيمة.
(*) – نسالة مبددة تتطاير من آلة غزل كان العمال يسمونها “غبار الشيطان”. [ن. ع].
(3) – نستطيع من هذا أن نحكم على سخف رأي ج. ب. ساي الذي يدعي تعليل انبثاق فائض القيمة (الفائدة، الربح، الريع) من الخدمات الإنتاجية (Services productifs) التي تسديها وسائل الإنتاج، كالأرض ووسائل العمل والمواد الأولية، في عملية العمل، بما تملكه من قیمة استعمالية. أما السيد فيلهلم روشر، وهو قلما يدع فرصة تفوته كي يدون، بالأسود والأبيض، تبريرات بارعة من ابتكار الخيال، فيسجل العينة التالية: “يبدي ج. ب. ساي، أطروحة في الاقتصاد السياسي، الجزء الأول، الفصل الرابع، ملاحظة صائبة تماما بقوله: إن القيمة التي تنتجها معصرة الزيت، بعد حسم جميع التكاليف، هي شيء جديد، شيء يختلف تماما عن العمل الذي شيدت به المعصرة نفسها”. ([روشر، أسس الاقتصاد القومي، الطبعة الثالثة، 1858]، حاشية م 82).
صحيح تماما! … “فالزيت”، الذي تنتجه المعصرة، حقاً، هو شيء يختلف تماما عن العمل المبذول في بناء المعصرة. ويفهم السيد روشر من القيمة أنها أشياء من قبيل “الزيت”، لأن “الزيت”، قيمة، مع أن الطبيعة، تنتج زيت البترول، وإن يكن “بكميات ضئيلة” نسبياً. ويبدو أنه يقصد هذه الحقيقة حين يشير فيما بعد فيقول: “إنها (يقصد الطبيعة) يندر أن تنتج أية قيمة تبادلية”، [المرجع السابق، ص 79].
إن “الطبيعة” والقيمة التبادلية التي تنتجها، هما عند السيد روشر، أشبه بالعذراء الساذجة التي اعترفت بأنها قد أنجبت طفلا، ولكنها بررت ذلك بانه “طفل صغير جدا”. ويقول هذا “العالم الرصين (savant serieux) في إشارة أخرى: “إن مدرسة ریکاردو قد اعتادت إدراج رأس المال ضمن مفهوم العمل، معتبرة رأس المال بمثابة “عمل مدّخر”. وهذا رأي غير بارع! لأن مالك رأس المال، مع ذلك يفعل! حقا! شيئا أكثر؟! من مجردا إنتاجه؟ والحفاظ عليه نفسه (أي نفس؟؟): نعني أنه يحجم عن التمتع به، ولقاء ذلك يطلب على سبيل المثال !!! فائدة، (المرجع نفسه، [ص 82]). ألا ما “أبرع”! هذه الطريقة التشريحية الفيزيولوجية للاقتصاد السياسي، فهي “حقاً”، تحول “رغبة” بسيطة إلى منبع للقيمة [التعابير المبرزة اردفها مارکس بعلامات التعجب أو الاستفهام، على سبيل التهكم، ثم اقتبس في تعقيبه بعض هذه التعابير للغرض نفسه. ن.ع].
(4) – “من بين جميع الأدوات التي يستخدمها مالك المزرعة يشكل العمل البشري… الشيء الذي يعتمد عليه هذا المزارع أكبر الاعتماد في استعادة رأسماله. والأداتان الأخريان وهما دواب الجر… والعربات والمحاريث والمساحي، وما إلى ذلك، فهما لا تساويان شيئا على الإطلاق من غير نسبة معينة من الأداة الأولى: العمل البشري”. (إدموند بورك، أفكار وتفاصيل عن الشحة، قُدّمت في الأصل إلى معالي وليم بيت في تشرين الثاني / نوفمبر 1795، طبعة لندن، 1800، ص 10).
(5) – في صحيفة تایمز Times، عدد 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 1862، ثمة صناعي يشغل معمله 800 عامل ويستهلك أسبوعياً (150) باله من نطن الهند الشرقية أو (130) بالة من القطن الأميركي كمعدل وسطي، يشتكي ويولول من المصاريف الجارية التي يتكبدها عند توقف العمل في مصنعه.
ويقدر التكاليف ب 6000 جنيه سنوية. ونجد بين هذه النفقات عددا من البنود لا تعنينا في هذا المجال، كبدل الإيجار والرسوم والضرائب، والتأمين، والرواتب السنوية للمدير والمحاسب والمهندس، وآخرين، لكنه بحسب 150 جنيها ثمن الفحم لتدفئة المصنع في أوقات معينة وتشغيل المحرك بين حين وآخر. ويضيف إلى ذلك أجرة العمال الذين يستخدمون في أوقات الحاجة لإدامة الآلات جاهزة للعمل. وأخيراً ثمة 1200 جنيه لاندثار الآلات ذلك لأن المناخ وعوامل التلف الطبيعية لا توقف عملها بسبب توقف المحرك البخاري عن الدوران”. ويقول، بإصرار، إنه إذا كان لا يقدر الاندثار بما يفوق هذا المبلغ الضئيل، وقدره 1200 جنيه، فذلك لأن آلاته توشك أن تتلف على وجه التقريب.
(6) – “يكون الاستهلاك منتجاً … حين يشكل استهلاك السلعة جزءاً من عملية الإنتاج … والقيمة في أحوال كهذه، لا تستهلك”. (ص. ف. نيومان، المرجع المذكور نفسه، ص 296). (S.P. Newman, 1.6, p. 296).
(7) – في موجز أميركي شمالي ربما طبع للمرة العشرين، ترد هذه الفقرة: “لا يهم أبدا في أي شكل يعود رأس المال إلى الظهور مجددا.. ثم بعد سرد ممل لجميع عناصر الإنتاج الممكنة التي تعود قيمتها إلى الظهور مجددة في المنتوج، تخلص الفقرة إلى الآتي: “إن مختلف أنواع الأغذية والألبسة والمأوى الضرورية لوجود الكائن البشري وراحته تتحول على غرار ذلك. فهي تستهلك من آن لآخر، وتظهر قيمتها مجددة على شكل طاقة جديدة تنتقل إلى جسد وعقل الكائن البشري فيتشكل منها رأسمال يستخدم ثانية في عملية الإنتاج”. ف. وایلاند، المرجع المذكور نفسه، ص 31-32.
وبصرف النظر عن الغرائب الأخرى، حسبنا القول إن ما يعود إلى الظهور في الطاقة المتجددة عند الإنسان، ليس ثمن الخبز، بل مواده المكونة للدم. أما ما يظهر مجددا فقيمة تلك الطاقة، فليست وسائل العيش، وإنما قيمة هذه الوسائل. إن نفس ضروريات العيش هذه، حتى لو تدنّت إلى نصف سعرها، تنتج القدر نفسه من العضلات والعظام، القدر نفسه من الطاقة، ولكنها لا تنتج طاقة تملك نفس القدر من القيمة. إن هذا الخلط بين القيمة، والطاقة، مقروناً بالغموض المرائي الذي يشيعه المؤلف، يستران محاولة عقيمة لاستنباط تفسير يعلل انبثاق فائض القيمة على أنه ليس إلا عودة القيم القديمة الموجودة أصلا إلى الظهور من جديد.
(8) – “إن جميع المنتوجات التي هي من نوع واحد، لا تشكل غير كتلة يتحدد سعرها بصورة عامة، دون اعتبار للظروف الخاصة”. (لو ترون، المرجع المذكور نفسه، ص 893).