لطائفية المذهبية وتناقضات بنيتها السياسية


لطفي حاتم
2019 / 11 / 6 - 14:59     

تعيش الدولة العراقية ومنظومتها السياسية أزمة وطنية كبرى تؤطرها الانتفاضة الوطنية الشعبية الرافضة للطائفية السياسية.
-- يشير فحص شعارات الطائفة السياسية المعلنة الى تصادم مفهومين فكريين كبيرين أحدهما يتمثل بفكر الوطنية العراقية التي اعتمدته الانتفاضة الشعبية المباركة وثانيهما فكر الطائفية السياسية المتحصنة بمراكز الدولة الوطنية.
لتدقيق محتوى هذان الشعاران الفكريان يشترط تفكيك مضامينهما السياسية -الاجتماعية تاريخيا المرتكزة على العناوين التالية –
العنوان الأول – الدولة العراقية وتطور بنيتها الطائفية
العنوان الثاني - الطائفية السياسية وايديولوجيتها الانعزالية.
على أساس تلك العناوين المنهجية نحاول تحليل مضامينها الفكرية – السياسية انطلاقاً من التلازم بين نشوء الدولة العراقية وتطور بنيتها الطائفية.
أولا - الدولة العراقية وتطور بنيتها الطائفية
تترابط الطائفية السياسية وتطور بناء الدولة العراقية وبهذا المعنى يمكن تحديد ذلك الترابط من خلال المفاصل التالية -
1 – نشأت الدولة العراقية بمساعدة خارجية بالتعاون مع سيادة الطبقات الفرعية في التكوين الطبقي الاول لتشكيلة العراق الاجتماعية- السياسية المتكونة من الطبقة الكمبورادورية والشرائح الربوية المالية المنبثقة من رحم الطائفة السنية واحتفاظ الشريحة الكمبرادورية الشيعية بالتجارة الحرة التي أنتجتها المزارات الدينية وما يتطلبه ذلك من هيمنة الطقوس الدينية ونذور الاولياء ووسائل العبادة.... الخ من الشعائر الدينية في الحياة الاجتماعية.
2- لقد وسم هذا التقسيم الطبقي – الطائفي تطور الدولة العراقية عبر مسار تاريخها الوطني حيث احتفظت الطائفة السنية بسيطرتها السياسية على الدولة العراقية من خلال هيمنتها على السلطة السياسية وركائزها الأساسية مثل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية -الإدارية بينما ابتعدت الطائفة الشيعية عن المراكز الحكومية فارضة هيمنتها على تجارة المزارات الدينية ومتطلباتها التراثية ذات الطابع الكمبرادوري.
3-- امتد تقاسم الهيمنة السياسية -الاقتصادية بين الطائفتين السنية والشيعية حتى انتصار ثورة 14 تموز الوطنية.

2 -- ثورة تموز الوطنية والتوازنات الطائفية
-عملت ثورة الرابع عشر من تموز الوطنية على إعادة بناء التوازنات السياسية بين الطبقات الاجتماعية وقواها السياسية فأحدثت تعديلا طبقيا في تشكيلتها الاجتماعية عبر فتح الأبواب امام القوى السياسية العابرة للمذهبية الدينية لقيادة الدولة وسلطتها السياسية وبهذا المسار يمكن القول على ان الثورة الوطنية احدثت توازنات بين الطبقات الاجتماعية والمذاهب الطائفية.
-- ساهمت حكومة تموز الوطنية بانحياز القوى الطبقية الفاعلة في تشكيلة العراق الوطنية حيث تمركزت القوى الكادحة والفقيرة في التنظيمات السياسية اليسارية. واستمرت هيمنة الطائفة السنية على اجهزة الدولة ومؤسساتها العسكرية وأجهزتها الإدارية.
- لقد سعت سلطة تموز الوطنية الى تحجيم الاختلالات الطائفية في التشكيلة الاجتماعية – السياسية الوطنية الا ان القوى السنية المتمركزة في القوات المسلحة واجهزت الدولة السيادية اجهضت تلك المساعي عبر سيطرتها على السلطة السياسية في انقلابات عسكرية متتالية.
-- لقد اشاعت القوى العسكرية الجديدة المهينة على السلطة السياسية الإرهاب السلطوي بهدف تعديل البنية الطبقية – السياسية للتشكيلة العراقية الاجتماعية من خلال أساليب إرهابية عدة أهمها –
أولا – الاعتقال السياسي والابادة الجسدية للكثير من نشطاء الحزب الشيوعي والتيار الوطني الديمقراطي بهدف التضيق على توجهاتهم الوطنية.
ثانيا – اعتماد الحروب العسكرية ضد الشعب الكردي في محاولة لتكريس الطابع القومي العربي على التشكيلة الاجتماعية العراقية بالضد من مساعي ثورة تموز الوطنية.
ثالثا – إبعاد وتهجير الأكراد الفيلية وانتزاع ملكياتهم الخاصة وتأميم انشطتهم التجارية.
رابعا – ابعاد وتهجير العرب الشيعة بحجة اصولهم الفارسية.
-- ان التغيرات الطبقية- الطائفية في تشكيلة العراق الاجتماعية أشرت الى نهوض مرحلة جديدة في حياة البلاد السياسية قوامها هيمنة الفكر القومي اليميني الإرهابي على سلطة البلاد السياسية وتجذر الانقسام الطبقي – المذهبي في تشكيلة العراق الاجتماعية.
3 –سلطة البعث العربي الإرهابية.
أحدثت الانقلاب البعثي 1968 كثرة من التغيرات في البنية السياسية والاجتماعية للدولة العراقية يمكن تأشيرها بالمحددات التالية-
أ – هيمنة الفكر اليميني الإرهابي متمثلا بسيطرة حزب البعث العربي الاشتراكي على الدولة والمجتمع.
ب-- تلازم الفكر اليمني الإرهابي وروحه الاقصائية بسيادة العنف السلطوي ضد المكونات السياسية الأخرى خاصة التنظيمات اليسارية منها.
ج-- اعتماد الحكم الإرهابي سياسة معادية للقوميات الأخرى خاصة القومية الكردية بسبب ادعائه بتمثيل القومية العربية.
- ترابطت هيمنة الحكم التسلطي على الدولة العراقية وتهجير القوى القومية الأخرى بنشوء طبقة طفلية تشكلت ملكيتها من-
--مصادرتها لملكية القوى الطبقية – القومية المهجرة.
-- هيمنة القوى الطبقية الجديدة المتنفذة في الجهاز الإداري على ملكية الدولة العامة.
--ترابط القوى الطبقية الناهضة مع أجهزة السلطة السياسية.
العنوان الثاني - الطائفية السياسية وايديولوجيتها الانعزالية.
أدت السياسة الإرهابية لسلطة البعث على الصعيدين الداخلي والخارجي الى اندلاع الحرب العراقية الايرانية وبعد سنين من الكوارث المادية والبشرية انتهت بخسائر سياسية – اقتصادية كبيرة مهدت الطريق لاحتلال عسكري أمريكي للدولة العراقية.
-- افضى الاحتلال الأمريكي للعراق الى قيام حكومة (وطنية) تحت الحماية الامريكية وبهذا المسار برزت القوى الشيعية في الدولة العراقية بمساعدة الجمهورية الإيرانية الإسلامية متلحفة بأيديولوجية طائفية تتسم بالصفات التالية –
- تشكلت أيديولوجيا الطائفة السياسية من أحداث وروايات تاريخية دينية ورؤى غيبية محاطة بهالة مقدسة لشخصيات تاريخية تتمتع بمكانة رمزية عبر التبرك بها وتمجيدها لغرض حبس الوعي الاجتماعي في إطارات سلفية.
- عززت أيديولوجيا الطائفة السياسية من ركود التشكيلات الاجتماعية -الطبقية وتعثر تطور بنيتها الاقتصادية وما أنتجه ذلك من تحجيم وعيها السياسي وتحويله الى مسارات طائفية فرعية.
-- عكست أيديولوجيا الطائفية السياسية مصالح - الشرائح الكمبورادورية وفئات البرجوازية الطفلية والبرجوازية المالية - المسندة من فتاوى وتعاليم وشعائر المؤسسة الدينية.
-- تهدف أيديولوجيا الطائفية السياسية الى منع تطور البنية الاقتصادية -الاجتماعية وحبس النزاعات الوطنية في الأطر الطائفية وذلك لغياب مصلحتها الطبقية في تجديد الدورة الإنتاجية واعتمادها على انتاج السلع التراثية.
-- ان الموضوعات المشار اليها تتجلى نتائجها في الحياة السياسية للبلد استناداً الى العناوين التالية--
العنوان الأول – تسعى الطائفية السياسية الى تحجيم بناء وتطور الدولة الوطنية وتشكيلتها الاجتماعية اعتماداً على تفتيت الطبقات الاجتماعية وتحويل نزاعاتها الطبقية الى صراعات طائفية.
العنوان الثاني – تهدف الطائفية السياسية الى تشظية طبقات التشكيلة الاجتماعية الوطنية وتوزيع ولاءاتها الطبقية والوطنية الى ولاءات طائفية.
العنوان الثالث – تتلحف أيديولوجيا الطائفية السياسية بنزعتي الانعزال ومناهضة الديمقراطية مستندة بذلك الى احتكارها وتفسيرها النصوص الدينية المقدسة بما يتناسب وهيمنتها الطائفية.
العنوان الرابع – تفضي الولاءات الطائفية الى تشظية الوعي الوطني وتعريض البلاد الى التبعية والالحاق لدول الهيمنة الدولية.
العنوان الخامس-افضت الطائفية السياسية وروحها الانعزالية وانحسار دور الدولة الوطنية الى الانتفاضة الجماهيرية المناهضة للروح الطائفية والمتركزة على الروح الوطنية التي تتغذى من أسباب كثيرة أهمها —
-- عجز الدولة الوطنية
تمثل عجز الدولة الوطنية بانهيار التنمية الوطنية وشيوع الفساد الإداري المستشري في مراكزها القيادية وتقاسم الأجهزة الإدارية بين طوائفها السياسية وما نتج عن ذلك من حماية علنية للفساد الإداري.
ان عجز الدولة المشار اليه وضع الدولة العراقية وتشكيلتها الاجتماعية امام خطرين الأول منهما تحويل منظومتها السياسية -الإدارية الى اقطاعيات حزبية وما يتضمنه ذلك من تقاسم السلطة السياسية وأبنيتها السيادية بين الأحزاب الطائفية وما يعنيه ذلك من سيادة المحسوبية والرشوة عند تنفيذ المشاريع الاقتصادية. وثانيهما يفضي عجز الدولة الى هيمنة الصراعات السياسية والعسكرية على مكامن النفوذ والقوة السياسية.
-- التفاوت الطبقي المتنامي في تشكيلة العراق الوطنية
ان عجز الدولة في ضمان استقرار بنيتها السياسية الأمنية وتنفيذ خططها الاقتصادية افضى الى انحسار البنية الطبقية لتشكيلة العراق الاجتماعية وما حمله ذلك من تراجع مساهمة الطبقات الاجتماعية الفاعلة في النزاعات الوطنية ناهيك عن نمو وتطور الطبقات الفرعية.
- هيمنة الطبقات الفرعية
ان سيطرة الطبقات الفرعية على الدولة الوطنية وبنيتها الاقتصادية تتأتى من انحسار مواقع الطبقات المنتجة بسبب التراجعات الكبيرة في بناء الاقتصاد الوطني.
- ساهم اعتماد الاقتصاد الوطني على الواردات المالية الناتجة من تصدير الثروة النفطية في نمو البرجوازية الكمبورادورية والفئات الربوية في بنية الرأسمال الوطني واما أنتجه ذلك من تدني القدرة الشرائية للطبقات الكادحة ودفعها الى مستوى الفقر الشامل.
- انقسام الطائفة الشيعية
ان التغيرات الطبقية وافقار اقسام كبيرة من القوى الطبقية ذات الأغلبية الشيعية القى بظلاله على الوحدة السياسية لقوى الطائفة الشيعية حيث انقسمت الى تيارين أساسيين أولهما التيار الشيعي الحامل للوطنية العراقية والمناهض للهيمنة الخارجية وتيار أخر مرتكز على الوحدة مع المذهبية مع ولاية الفقيه والتحالف مع الجارة إيران الإسلامية.
ان انقسام الطائفة الشيعية المهيمنة في الحياة السياسية في الدولة العراقية الى تيارين متعارضين يحمل في طياته مخاطر النزاعات الأهلية وينذر بخطر التدخلات الأجنبية في شؤون العراق الوطنية.
اعتمادا على بنية المقال التحليلية ورؤاه السياسية -الاجتماعية لابد من تثبيت الاستنتاجات التالية--
أولا – ترافق بناء الدولة العراقية وهيمنة الطائفية السياسية حيث اتسمت الدولة العراقية منذ تأسيسها بسيادة الطائفة السنية ومحاولتها اقصاء الطوائف الأخرى.
ثانيا ً-- لم تكن الأحزاب السياسية الفاعلة في تشكيلة العراق الاجتماعية بمعزل عن البنية الطائفية حيث مثلت أحزاب اليسار الاشتراكي الطبقات الفقيرة من الطوائف المذهبية الفاعلة في التشكيلة الاجتماعية العراقية.
ثالثا ً – كسرت ثورة تموز الوطنية الهيمنة الاحتكارية للطائفة السنية على السلطة السياسية في محاولة منها لبناء تشكيلة اجتماعية عراقية تعتمد التوازن الطائفي في بنيتها الوطنية.
رابعا – حاولت الطائفة الشيعية بعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية التدخل في السياسية الهادفة الى الغاء الاحتكار الطائفي السني على السلطة السياسية وإقامة الموازنة الطائفية في بناء الدولة العراقية.
خامسا – افضى الاحتلال الأمريكي للعراق الى سيادة الطائفة الشيعية على البلاد وحمايتها من قبل الأجهزة العسكرية المنتشرة لدى الأحزاب الطائفة السياسية.
سادسا -رغم عدم علنية الصراع بين أوساط الطائفة الشيعية الا ان هناك تباينات منهجية بين تيارين اولهما تيار الوطنية العراقية الهادف الى بناء الدولة العراقية استناداً الى مصالح تشكيلتها الاجتماعية. وثانيهما تيار التبعية الطائفية عبر الترابط مع دولة ولاية الفقيه بغض النظر عن مصالح البلاد الوطنية.
سادسا—ان النزاع بين التيارين الشيعيين ربما يفضي الى اندلاع مواجهات عسكرية تكتوي بنارها كل أطراف التشكيلة الاجتماعية العراقية.



تعليقات الفيسبوك