سياسيو العصر ليسوا إلا كذبة منافقين وزائفين


فؤاد النمري
2019 / 11 / 2 - 21:40     

خلصت في مقالي الأخير إلى التأكيد إلى أن مختلف السياسيين اليوم هم كذبة منافقون وزائفون . لم يكن مفاجئاً لي أن أحداً من هؤلاء السياسيين أو الأحرى المُتَسيّسين لم يعترض على اتهامه بالكذب والخداع، وحافظ جميعهم على الصمت المطبق صمت القبور . سكوتهم لم يكن علامة الرضا كما عادة يتم تفسيره، بل كان علامة العجز، عجزهم عن تبرير وتفسير سياساتهم بشتى دعاواها .
لئن أعذرنا قصورهم في تحديد استراتيجية دعاواهم السياسية فليس لنا أن نغض الطرف عن دعواهم بخصوص النظام العالمي القائم اليوم والذي في ظله قصراً يترسّمون مشاريعهم الوطنية الزائفة . يُسأل جميعهم عن طبيعة النظام العالمي الماثل اليوم، فيجيبون بأنه النظام الرأسمالي المتغوًل في أميركا التي غدت، كما يرون، القطب الوحيد في العالم بعد انهيار الإتحاد السوفياتي .
السؤال الحدّي الذي من شأنه أن يفضح القصور الفكري لهؤلاء المتسيّسين ويؤكد زيف دعاواهم وأنهم ليسوا إلا منافقين كذبه هو .. ما عساها تكون أحوال النظام في أميركا لو قرر الحزب الشيوعي الصيني شراء الذهب من العالم بما يوازي 5 ترليونات من الدولارات هي اليوم مراكمة في احتياطياته !؟
لن يدهشنا هؤلاء المتَسيّسون إن لم يتعرّفوا على نتيجة ذلك !؟
النتيجة الحتمية والتي لا مراء فيها هي أن تحويل كامل الإحتياطي الصيني من الدولار إلى الذهب ستكون الإنهيار التام لنظام الإنتاج الهش أصلاً في أميركا إلى ما دون الصفر . فأي نظام رأسمالي هو ذلك النظام الأميركي الذي روحه في قبضة الحزب الشيوعي الصيني !!؟

العام 1970 كان العام الأخير من عمر النظام الرأسمالي وكان الدولار الأميركي يعادل 50 سنتيغرام من الذهب . وكان المؤشر الحقيقي لانهيار النظام الرأسمالي هو تدهور قيمة الدولار حتى باتت في العام 2012 لا تزيد على 2 سنتيغرام دون أن يشفع لها إعلان رامبوييه 1975 يؤكد كفالة سعر صرف الدولار في الأسواق المالية . بعد أن تشتري الصين الذهب من أسواق العالم بـ 2 ترليون دولار ستنحط القيمة التبادلية للدولار لتصل لقيمة 2 مللغرام من الذهب ؛ أما بعد شراء الذهب بـ 5 ترليونات فالسوق العالمية لن تتحمل مثل هذا العرض الفائق على قدراتها وسيفقد الدولار آخر قيمة فيه وسيتوقف الإنتاج الأميركي على الأقل عن العمل . فأي رأسمالية هي تلك التي في أميركا والتي لا توفر الغطاء لنقدها !!؟
فلماذا يقبل هؤلاء المتسيسون لأنفسهم أن يكونوا بمثل هذا التغابي ؟ - نقول التغابي حيث لا يمكننا أن نفترض أنهم في الحقيقة أغبياء حتى الإفتراض بأن أكبر دولة في العالم من حيث استيراد البضائع ورؤوس الأموال هي بذات الوقت دولة رأسمالية إمبريالية بينما ألفباء علم الإقتصاد السياسي تقول أن نظام الإنتاج الرأسمالي هو النظام الذي ينتج فيضاً من البضائع ورؤوس الأموال !!
يصر هؤلاء المتسيسون على التغابي - وليس الغباء - لأن مشاريعهم السياسية تفقد كل معنى لها بغياب الرأسمالية الإمبريالية في العالم .
كان الكومنتيرن وبتوصية من لينين قد طالب الأحزاب الشيوعية في المستعمرات والبلدان التابعة أن تكرس نضالها ضد الإستعمار حتى وإن تم ذلك بقيادة البورجوازية الوطنية وليس لتطبيق الإشتراكية في بلدانها، وبغير ذلك لن تقبل تلك الأحزاب أعضاء في الكومنتيرن . لذلك كان تكريس الأحزاب الشيوعية العربية نضالها ضد الاستعمار خلف البورجوازية الوطنية هو علامة إلتحامها بالثورة الإشتراكية العالمية بقيادة البلاشفة السوفييت .
اليوم لم يعد هناك ثورة اشتراكية ولم يعد هناك كومنتيرن ؛ والنضال ضد الإستعمار – إن وجد – لم يعد مشاركة فعلية في الإنتصار للثورة الإشتراكية، ولم يعد هناك اشتراكية . فما عساه يكون البديل لبرنامج الأحزاب الشيوعية العربية !؟
الأحزاب الشيوعية العربية تجيب .. نعم كنا كقوى اشتراكية نناضل ضد الإستعمار، واليوم بعد أن لم نعد قوى اشتراكية فلماذا نتوقف عن النضال ضد الإستعمار ؟؟
بافتراض أنه ما زال هناك استعمار في العالم – رغم أن الأمم المتحدة كانت قد أعلنت في العام 1972 إنتهاء الإستعمار في العالم وحلت لجنة تصفية الإستعمار التابعة لها – فما عساه يكون هدف الأحزاب الشيوعية، التي لم تعد شيوعية، من النضال ضد الإستعمار ؟
لا يمكن للأحزاب الشيوعية العربية الإدعاء أن الاستعمار يحول دون تطورها . صحيح أن الاستعمار حال دون مشاركة الأحزاب الشيوعية العربية في الإلتحام بالثورة الإشتراكية العالمية إلا أن حقائق التاريخ تقول أن البلدان العربية لم تعرف التطور والبنى السياسية والإقتصادية الحديثة قبل احتلالها من قبل قوى الإستعمار . لألف عام منذ العام 947 وحتى العام 1917خضعت البلدان العربية لحكم قبائل أعجمية وتركية متخلفة من أواسط آسيا . في القرن التاسع عشر كانت حياة الشعوب العربية أكثر تخلفاً منها في القرن العاشر . قبل اتفاقية سايكس – بيكو الإستعمارية لم يكن للإنسان شرق المتوسط حتى الهوية الوطنية . بأثر الإتفاقية الإستعمارية، ورغم أن البورجوازية الشامية كانت قدعقرت بثورتها، غدا هناك المواطن السوري ومثله اللبناني والأردني والفلسطيني والعراقي، والمواطن من هؤلاء يفتدي هويته الوطنية بدمه وبروحه . وغدا لهذه الدول علم ودستور ومجلس أمة لم يعرفها العرب منذ بدء التاريخ .
الماركسيون الحقيقيون الأصلاء وفي طليعتهم لينين اعتبروا الإمبريالية التي استولت على العالم خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر مرحلة تقدمية في التاريخ حيث أنها عاظمت قوى الإنتاج الرأسمالي واستعجلت بالتالي انفجار الثورة الشيوعية وهو ما حدث في روسيا في العام 1917 .
الإمبريالية التي انهارت تماماً في السبعينيات بفعل الثورة الشيوعية البلشفية كانت عامل تقدم إجتماعي بغياب الثورة الشيوعية التي تغيب اليوم عن سطح الأحداث .

أرهاط واسعة من الشيوعيين سابقاً لم تعد تدعي أن الإمبريالية هي ما يدعوها للنضال السياسي حيث لم يعد للإمبريالية أي أثر فعلي في الحياة الدولية ؛ فانثنى هؤلاء القوم المفلسون أيضاً، بعد أن شاركوا بدفع الثورة الإشتراكية إلى الإنهيار، إلى دعاوى الإصلاح، إصلاح مجتمعاتهم القائمة، بعد أن سُدّت بوجوههم كل آفاق الثورة .
ليس غريباً أن يتحوّل مثل هؤلاء الشيوعيين الذين كانوا قد خانوا الثورة الشيوعية البلشفية إلى إصلاحيين فيقبلوا لأنفسهم وللمضللين من أتباعهم مثل هذه المهانة كالعيش المستقر في مجتمعات متخلفة يلزمها بعض الإصلاح . ما يؤكد كذب هؤلاء المنافقين وخداعهم هو ادعاؤهم بأن الإصلاح بالديموقراطية هو ما يدعوهم للعمل السياسي .
الديموقراطية تعني أولاً وأخيراً توزيع السلطة والثروة توزيعاً عادلاً بين سائر مواطني الدولة . ذلك يتطلب جهة ما تحدد حدود العدل في التوزيع . في المجتمعات الطبقية حيث ينقسم كامل الشعب إلى طبقات متصارعة دون توقف لا يمكن إيجاد مثل هذه الجهة التي تحكم بالعدل بين الطبقات المتناحرة . ذلك ما يؤكد زيف دعوى الديموقراطية التي يدعيها مثل هؤلاء "الشيوعيين" الخونة . ويستذكر في هذا السياق تصريح لينين يقول في خطابه يفتتح الإجتماع التأسيسي للأممية الشيوعية في 6 مارس آذار 1919 .. "الصراخ عاليا دفاعاً عن الديموقراطية هو بصورة عامة دفاع عن البورجوازية وامتيازاتها" .

المجتمعات التي بدأت ثورة التحرر الوطني وقطعت جميعها روابطها مع مراكز الرأسمالية الإمبريالية لم تتقدم بعدئذٍ قيد شعرة فالإتحاد السوفياتي الذي كان من المفترض أن يساعد الدول المستقلة حديثاً في التنمية وبناء اقتصاداتها المستقلة لم يعد إذاك ينتج غير الأسلحة التي لا تساعد في التنمية . ظلت تلك الدول على تخلفها وإصلاح الأنظمة المتخلفة يبقي على تخلفها في مختلف الأحوال .
الشيوعيون الذين خانوا الثورة البلشفية باتوا اليوم ليسوا كذابين منافقين ومخادعين وحسب بل باتوا أيضاً من أبرز قادة التخلف .
المتسيسون الآخرون ليسوا أقل بِدَعاً من الشيوعيين الخونة .



تعليقات الفيسبوك