تشي جيفارا البطل والأسطورة (2)


خليل اندراوس
2019 / 11 / 2 - 13:04     

في اعقاب الثورة الكوبية قام جيفارا باداء عدد من الادوار الرئيسية لحكومة الثورة برئاسة فيدل كاسترو، حيث اسس قوانين الاصلاح الزراعي عندما كان وزيرا للزراعة، وعمل ايضا كرئيسا ومديرا للبنك الوطني ورئيسا تنفيذيا للقوات المسلحة الكوبية، كما جاب العالم كدبلوماسي باسم الاشتراكية الكوبية، مثل هذه المواقف سمحت له ان يلعب دورا رئيسيا في تدريب قوات الميليشيات التي صدت غزو خليج الخنازير من قبل الولايات المتحدة ومرتزقتها
في عام 1953 سافر جيفارا عندما كان طالبا في للطب في كلية الطب ببوينس أيرس التي تخرج منها عام 1953، الى جميع انحاء امريكا اللاتينية مع صديقه البيرتو غرانادو على متن دراجة نارية وهو في السنة الاخيرة من الكلية وكونت تلك الرحلة شخصيته واحساسه بوحدة امريكا الجنوبية وبالظلم الكبير الواقع من الامبرياليين على شعوب امريكا اللاتينية.

ادت تجاربه وملاحظاته خلال هذه الرحلة الى استنتاج بان التفاوتات الاقتصادية متأصلة في امريكا اللاتينية وهي نتيجة الرأسمالية الاحتكارية والاستعمار الجديد والامبريالية، رأى جيفارا ان العلاج الوحيد هو الثورة العالمية بينما كان جيفارا يعيش في مدينة مكسيكو في المكسيك التقى هناك براؤول كاسترو اخ فيدل كاسترو المنفي مع اصدقاءه الذين كانوا يجهزون للثورة وينتظرون خروج فيدل كاسترو من سجنه في كوبا. ما ان خرج فيدل كاسترو من سجنه حتى قرر جيفارا الانضمام للثورة الكوبية (خاصة بعد ان اصبح هو وفيدل كاسترو اقرب الاصدقاء كما جاء في الحلقة الاولى من المقال). وكذلك رأى فيدل كاسترو انهم، أي رجال الثورة الكوبية في امس الحاجة اليه كثائر وكطبيب، وانضم لهم في حركة 26 يوليو، التي غزت كوبا على متن غرانما بغية الاطاحة بالنظام الدكتاتوري المدعوم من قبل الولايات المتحدة، نظام فولغينسيو باتيستا. وسرعان ما برز جيفارا بين الثوار وتمت ترقيته الى مكانة الرجل الثاني في القيادة بعد فيدل كاسترو، حيث لعب دورا محوريا في نجاح الحملة على مدار عامين من الثورة المسلحة التي اطاحت بنظام باتيستا.

في اعقاب الثورة الكوبية قام جيفارا باداء عدد من الادوار الرئيسية لحكومة الثورة برئاسة فيدل كاسترو، حيث اسس قوانين الاصلاح الزراعي عندما كان وزيرا للزراعة، وعمل ايضا كرئيسا ومديرا للبنك الوطني ورئيسا تنفيذيا للقوات المسلحة الكوبية، كما جاب العالم كدبلوماسي باسم الاشتراكية الكوبية، مثل هذه المواقف سمحت له ان يلعب دورا رئيسيا في تدريب قوات الميليشيات التي صدت غزو خليج الخنازير من قبل الولايات المتحدة ومرتزقتها، كما جلبت الى كوبا الصواريخ البالستية المسلحة نوويا من الاتحاد السوفييتي عام 1962 والتي ادت الى بداية ازمة الصواريخ الكوبية بالاضافة الى ذلك، كان جيفارا كاتبا يكتب يومياته، كما ألف ما يشبه الكتيب لحياة حرب العصابات وكذلك ألف مذكراته الاكثر مبيعا في جميع انحاء امريكا الجنوبية – رحلة شاب على دراجة نارية.

غادر جيفارا كوبا عام 1965 من اجل التحريض على الثورات الاولى الفاشلة في الكونغو كينشاسا ومن ثم تلتها محاولة اخرى في بوليفيا حيث تم القاء القبض عليه من قبل وكالة الاستخبارات المركزية بمساعدة القوات البوليفية العميلة وتم اعدامه.

لا تزال شخصية جيفارا التاريخية ملهمة ومحترمة شخصية ثوري أممي، مستقطبة للمخيلة الجماعية في هذا الخصوص والعديد من السير الذاتية والمذكرات والمقالات والافلام الوثائقية والاغاني والافلام، بل وضمنته مجلة التايم من بين المائة شخص الاكثر تأثيرا في القرن العشرين، في حين ان صورته المأخوذة من طرف البرتو كوردا والمسماة غيريليرو هيروويكو (ويعني بالعربية بطل حرب العصابات)، قد اعتبرت الصورة الاكثر شهرة في العالم.

كان تشي جيفارا يمتاز بالثقة بالنفس ولكن ابدا لم يصل الى حد الغرور والتكبر، لقد كان الجمهور يشعر بان جيفارا واحدا منهم يعاني مثلهم ويحلم مثلهم. وخلال الثورة المسلحة في كوبا شكل تشي جيفارا تحالفا قويا مع الحزب الاجتماعي الشعبي (وهو الحزب الشيوعي في كوبا) وكان ذلك عاملا من العوامل المهمة التي ادت الى تحول نظام كاسترو الى الشيوعية
بعد مضي اكثر من ستين عاما على اعدامه لا يزال تراث تشي جيفارا وحياته رمزا للبطل اليساري الثوري، وهنا اذكر ما قاله نلسون مانديلا عن جيفارا بانه "مصدر الهام لكل انسان يحب الحرية"، في حين وصفه جان بول سارتر بانه "ليس فقط مثقفا ولكنه ايضا أكمل انسان في عصرنا"، ومن الذين ابدوا اعجابهم بجيفارا ايضا الكاتب غراهام غرين الذي لاحظ ان تشي "يمثل فكرة الشهامة والفروسية والمغامرة". وسوزان سونتاغ التي شرحت ان "هدف تشي ليس اقل من القضية الانسانية نفسها". واعلن الفيلسوف فرانز فانون قائلا "جيفارا رمز للعالم عن امكانيات رجل واحد". في حين اعلن رئيس حزب الفهود السود ستوكلي كارمايكل قائلا "تشي جيفارا لم يمت، افكاره لا تزال معنا"، حتى المنظّر للرأسمالية موراي روثبارد مجد جيفارا بانه شخصية "بطولية" معربا عن اسفه لوفاته وبانه "اكثر من أي رجل في عصرنا او حتى في قرننا هذا، تشي كان تجسيدا حيا لمبدأ الثورة" لا يزال جيفارا البطل المحبب للكوبيين ولشعوب امريكا اللاتينية ولكل الشعوب المضطهَدة، وما زالت صورته تزين البيزو الكوبي وطلاب المدارس يتعهدون في كوبا كل صباح قائلين "سنكون مثل تشي"، في وطنه الاصلي الارجنتين تحمل مدارس اسمه، والعديد من المتاحف المنتشرة في البلاد تحمل اسمه. في عام 2008 تم كشف النقاب عن تمثال لتشي جيفارا من البرونز بطول 12 قدما في مدينة روزاريو مدينة ولادته، بالاضافة الى ذلك تم تنصيبه كقديس من قبل بعض الفلاحين البوليفيين باسم "سانت ارنستو" الذين يستشفعون به من اجل المساعدة.

ارتبط تشي جيفارا ارتباطا وثيقا بالماركسية اللينينية في شبابه حيث كان عضوا في الشبيبة الشيوعية الارجنتينية اممية وثورية، تشي جيفارا وارتباطه المميز بالفقراء والمنبوذين في كل مكان ورفضه الاعتراف بقداسة الحدود القومية في الحرب ضد امبريالية الولايات المتحدة، ألهمت الحركات الثورية في العالم اجمع.

نادى تشي الثوريين: "لنحول انفسنا الى شيء جديد، ان نكون اشتراكيين قبل الثورة، هذا اذا كان مقدرا لنا ان يكون لدينا امل في ان نحقق فعلا الحياة التي نستحق ان نعيشها". نداؤه "بان نبدأ العيش بطريقة لها معنى الآن"، ولقد فتح ذراعيه لاحقا ايضا الى ثورية ماو تسي تونغ ومن ناحية اخرى ممتدا ومعمقا ارتباطه بالماركسية.

حب تشي للناس اخذه اولا الى كوبا ثم الى الكونغو ثم الى بوليفيا، ولم ينس ان يمر بمصر والجزائر في طريقه ليلتقي الزعيم والبطل جمال عبد الناصر والرئيس الجزائري احمد بن بله اللذان كانا رموزا للثورة العربية في الستينيات من القرن الماضي.



من كتب وكتابات جيفارا:

حرب العصابات عام 1961، الانسان والاشتراكية في كوبا، وكتاب "ذكريات الحرب الثورية الكوبية". وكتاب "الاسفار تكوّن الشباب.. والوعي" وكتاب "الانسان الجديد" وكتاب "لم أنس".

اقتباسات من اقوال تشي جيفارا:

"كن واقعيا واطلب المستحيل"،

"إذا لم يجد الانسان شيئا في الحياة يموت من اجله، فانه اغلب الظن لن يجد شيئا يعيش من اجله"،

"إذا كنت تسخط على كل ظالم فانت رفيقي"،

"أنا لا املك وطنا لأحارب من اجله، فوطني هو الحق"،

"لو طبقنا مبدأ العين بالعين، والسن بالسن، وظللنا نهتف بالثأر، سنصل لمراحل نأكل فيها قلوب بعضنا البعض"،

"لا تصمت عن الحق وسترى كيف سيكرهك الجميع"،

"قد يكون من السهل نقل الانسان من وطنه، ولكن من الصعب نقل وطنه منه"،

"لا يهمني شكلك ولا اهلك ولا اموالك ولا منصبك، تهمني شخصيتك، عقليتك، اخلاقك وضميرك وعلى هذا الاساس سأحترمك"،

"لا يقاس الوفاء بما تراه امام عينيك، بل بما يحدث وراء ظهرك"،

"انا لا اغالط روحي، ولا أتملق أحدا، الفقراء هم الذين يعانون معاناة المناضل الحقيقي"، (البقية ص 10)

"الدموع لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات.. كل دموع الارض لا تستطيع ان تحمل زورقا صغيرا يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود".

"لا تبكي علي إن مت، افعل ما كنت سأفعله أنا لو كنت حيا، عندها سأعيش في قلبك"،

"عندما يحكم العالم حمقى، فمن واجب الاذكياء عدم الطاعة"،

"إن الحياة كلمة وموقف، الجبناء لا يكتبون التاريخ، التاريخ يكتبه من عشق الوطن وقاد ثورة الحق وأحب الفقراء"،

"الأمم التي لا تقرأ يسهل خداعها"،

"مثل الذي باع بلاده وخان وطنه، مثل الذي يسرق من بيت أبيه ليطعم اللصوص، فلا أبوه يسامحه ولا اللص يكافئه"،

"لا يهمني أين ومتى سأموت بقدر ما يهمني ان يبقى الثوار يملؤون العالم ضجيجا كي لا ينام العالم بثقله على اجساد الفقراء"،

"ان الطريق مظلم وحالك، فإذا لم تحترق انت وأنا فمن سينير الطريق"،

"علموا اولادكم ان الانثى هي الرفيقة هي الوطن وهي الحياة"،

"من يقتلك ليس من يطلق عليك رصاصة، بل من يقتل احلامك"،

"الأقربون طعناتهم أشد لأنها تأتي من مسافات قصيرة"،

"أحلامي لا تعرف الحدود"،



من المعروف عن تشي جيفارا بانه كان يعمل متطوعا في المناجم والمصانع وحقول القصب ليزود بحضوره العمال بدفعة معنوية هائلة كانت تدفعه الى العمل بروح اخلاص شديد.

على الرغم من كره تشي جيفارا الشديد للظهور تحت الاضواء فقد كان كاسترو الذي يدرك بان تشي خطيب ملهم لا يضارع في قوة حجته وفصاحة بيانه يضغط عليه لخطاب الجماهير كلما امكنه ذلك. ومثله مثل كاسترو، كان تشي يرتدي دائما الزي العسكري المميز الذي كان يرتديه ايام القتال في جبال سييرا مايسترا.

كان تشي جيفارا يمتاز بالثقة بالنفس ولكن ابدا لم يصل الى حد الغرور والتكبر، لقد كان الجمهور يشعر بان جيفارا واحدا منهم يعاني مثلهم ويحلم مثلهم. وخلال الثورة المسلحة في كوبا شكل تشي جيفارا تحالفا قويا مع الحزب الاجتماعي الشعبي (وهو الحزب الشيوعي في كوبا) وكان ذلك عاملا من العوامل المهمة التي ادت الى تحول نظام كاسترو الى الشيوعية، ولذلك نراه يقول في عام 1964 في الامم المتحدة وتعبيرا عن اخلاصه لمبادئه حين لم يتورع عن الاعتراف امام جمهور مستمعيه بانه: "كماركسي، حافظت ان لا تشمل التعايش السلمي بين الدول، التعايش بين المستغِلين والمستغَلين".

في خطاب جيفارا الى اطفاله كتب ما يلي:

"إذا حدث وقرأتم هذا الخطاب فسيعني ذلك انني لم أعد موجودا معكم مرة اخرى، ربما لن تتذكروني جيدا ولا سيما الاصغر منكم، فلن يتذكرني بالمرة. لقد كان ابوكم رجلا تصرف حسب معتقداته وظل بكل تأكيد وفيا لكل ما آمن به. اكبروا ثوريين صالحين. استذكروا دروسكم جيدا واجتهدوا لكي تتقنوا التكنولوجيا التي تمكننا من السيطرة على الطبيعة. تذكروا ان الثورة هي المهمة وان كل منا بمفرده غير مهم. وفوق كل شيء كونوا قادرين دوما على الاحساس بالظلم الذي يتعرض له أي انسان مهما كان حجم هذا الظلم وأيا كان مكان هذا الانسان. هذا هو أجمل ما يتصف به الثوري".

برأي كاتب هذا المقال هذه الرسالة يجب ان تكون الصورة الايقونة في كل بيت مؤمن بالفكر الثوري ويمارسه ومخلص له، رغم ان هناك كثيرين من قادة ثورات التحرر الوطني في العالم الثالث الذين اشتهروا في بداية النصف الثاني من القرن الماضي، الا ان اسم تشي جيفارا ارتبط بالثورة، ليس فقط ضد الاستعمار والامبريالية، ولكن من اجل الحرية بشكل عام. وبالنسبة لسكان البلدان التي حارب فيها، يعتبر تشي قديسا، فتقول احدى الممرضات اللاتي كن آخر من رأى جثته بعد اعدامه وتدعى سوزانا اوسيناغا: "ما اصابنا بالصدمة نحن الممرضات، كان عينيه المفتوحتين، كان شعره طويلا ولحيته مُرسلة، كان يشبه المسيح، كنا نقلبه على جنب، فتنظر عيناه الينا، ونقلبه على جنب آخر، وتظل عينيه مثبتتين علينا. كان ذلك صادما لنا".

وهنا اتذكر زيارتي للمكسيك قبل عامين حيث تم صدفة في ذلك الوقت افتتاح متحف على اسم تشي جيفارا، ولم نستطع الوصول الى مكان افتتاح المتحف بسبب توافد مئات الآلاف من سكان المكسيك لزيارته، واذكر بأني اشتريت كتاب تشي جيفارا من احدى كاتدرائيات المكسيك – كاتدرائية جوارا لاخارا (وهذا الاسم تحريف لاسم وادي الحجارة بالعربية)، وقد فوجئت لوجود هذا الكتاب في مكتبة الكاتدرائية ويعرض للبيع، وهذا الكتاب اقتنيته وفيه مجموعة كبيرة من الصورة عن حياة تشي جيفارا، احدى الشخصيات المشهورة في تاريخ البشرية إذ يرتبط اسمه بالثورة والنضال والشجاعة، واصبح ايقونة شبابية وقدوة للشعوب المقهورة.

تأثر جيفارا بالفكر الماركسي وبأفكار الزعيم الصيني الشيوعي ماو تسي تونغ وقد ظهر ذلك بوضوح على معالم شخصيته وافكاره خاصة على نظريته التي تتعلق بالثورة، فقد كان يعتقد ان الثورة يجب ان تنبعث من الجبال والارياف، ثم تنطلق بعد ذلك الى المدن، وهذه النظرية جرى تطبيقها في الثورة الكوبية.



تعليقات الفيسبوك