نحو أممية ماركسية جديدة

معاد الجحري
2019 / 11 / 1 - 11:19     



1) لمحة تاريخية:
بحلول شتنبر 2019، تكون قد مرت 155 سنة على تأسيس الأممية الأولى أو الجمعية الدولية للشغالين في 28 شتنبر من سنة 1864 في مؤتمر لندن.

جاء تأسيس الأممية الأولى بمثابة رد على التداعيات السلبية للثورة المضادة، التي عقبت ثورات 1848 التي شهدتها العديد من بلدان أوروبا (ربيع الشعوب)، على الطبقة العاملة وتطلعاتها نحو الاشتراكية والشيوعية، والتي عبرت عنها الثورات المذكورة.

وقد كان هذا التنظيم محصورا في الجزء الشمالي الغربي لأوروبا وذلك بسبب ضعف مستوى نمو التراكم الرأسمالي وضم مكونات مختلفة:أحزاب سياسية ناشئة، نقابات وتعاونيات، جمعيات مدنية وشخصيات واطر مناضلة من بينها ماركس وبرودون وباكونين…
لقد لعب كارل ماركس الدور المؤثر والأبرز على مستوى مجلسها العام وهو من حرر وثائقها التنظيمية وأرضيتها التأسيسية. واعتمدت الأممية الأولى في عملها بنية تنظيمية مبسطة تتمثل في المؤتمر الذي ينعقد مرة في السنة والمجلس العام والفروع. وكان ماركس يدافع عن فكرة استقلالية الفروع مع ضرورة حد أدنى من المركزية لحماية الأممية من التآكل والاندثار في وجه تيار الفوضوية.

ورغم توصل كل من الاتجاه الفوضوي والاتجاه الشيوعي إلى صياغة برنامج متقدم ينص على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، فان الصراع كان السمة الرئيسية التي طبعت العلاقة بينهما مما أدى إلى حل هذه الأممية في شتنبر من سنة 1872 بسب الخلافات العميقة بينهما خلال مؤتمر لاهاي.

ولم تفعل السنين والأحداث التي تلت سوى تكريس تلك الخلافات الجوهرية وصحة الأطروحات الماركسية. وان انتعاش الأفكار الفوضوية والعفوية في العقود الأخيرة وانتشارها الملحوظ بالخصوص في الحركات المناهضة للعولمة وتأثيرها حتى وسط بعض مكونات الحركة الشيوعية يعود في نظرنا إلى انهيار تجارب البناء الاشتراكي في كل من الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية وتراجعها في الصين الشعبية وما ترتب عن ذلك من خيبات أمل وفوضى واضطراب في التفكير من جراء ما حدث.

تكمن أهمية الأممية الأولى في كونها جسدت لأول مرة في التاريخ وبشكل واعي ومنظم التضامن بين العمال على صعيد دولي وساهمت في ترسيخ الوعي الطبقي لديهم كما ساهمت في توجيه نضالات الشغيلة محليا وإعطائها أفقا أمميا. كما تكمن أهميتها في كونها أسست فكرة الأممية البروليتارية التي تجد جذورها العميقة في كون الطابع المعولم للرأسمالية يعني أن ضحايا هذا النظام الهمجي لا يمكن لهم مواجهته بشكل فعال إلا إذا انتظموا أيضا على مستوى عالمي.

هكذا تم تأسيس الأممية الثانية بإسهام أساسي من إنجلز سنة 1889، التي انهارت بدورها سنة 1914 بسبب الانقسام حول الموقف من الحرب العالمية الأولى، بين اتجاه يساند برجوازية بلده في الحرب وصوت لفائدة ميزانيتها في البرلمان واتجاه يتزعمه لينين يفضح هذا التوجه الانتهازي والشوفيني يرفض هذه الحرب ويعري أسسها ويعتبرها حربا امبريالية لصوصية يجب مواجهتها بثورة عالمية. وهكذا تم تأسيس الأممية الثالثة بقيادة لينين في 2 مارس من سنة 1919 كأممية ثورية مناهضة للإمبريالية والاستعمار ستلعب دورا هاما في توجيه الثورات العمالية وفي مساندة الشعوب المضطهدة لكن سيتم حلها من طرف الاتحاد السوفياتي سنة 1943. وأسس تروتسكي سنة 1938 الأممية الرابعة تنسق عمل الاتجاه الذي يحمل اسمه على صعيد عالمي ولكن دون أثر ملموس على مجريات الصراع على أرض الواقع. وهناك منذ مدة غير قصيرة، نقاش عالمي حول ضرورة أممية جديدة.

1) موقفنا:
أكد النهج الديمقراطي منذ تأسيسه، إيمانه بالأممية البروليتارية، وجاء في وثيقة الإطار المرجعي الصادرة عن مؤتمره الوطني الثالث”اعتبارا للطابع الأممي للصراع ضد الرأسمالية فإن النهج الديمقراطي يعمل، إلى جانب باقي الماركسيين في العالم، على بناء أممية ماركسية تتجاوز حالة الشتات الذي يعيشونها حاليا، وتوحد نضالهم في مواجهة الرأسمالية المعولمة، بهدف تجاوزها وبناء الاشتراكية”. واعتبرت ذات الوثيقة أن النضال من اجل هذا الهدف يشكل سيرورة نضالية مترابطة ومتزامنة مع سيرورات النضال الأخرى. وهذا يعني أيضا أن مجهود النهج الديمقراطي فيما يتعلق بالعلاقات الدولية يجب أن يخضع إلى استراتيجية بناء أممية من هذا الطراز وهو هدف ممكن التحقيق ويستحق التضحية من أجله. ولا شك أن هذا العمل الشاق يجب أن يستفيد من التراكم الحاصل في هذا المجال أي من قرن ونصف من تجارب بناء الأممية، من نجاحاتها وإخفاقاتها، وهو مجهود يعني جميع الاتجاهات الماركسية بعيدا عن أي حلقية أو عصبية.

وعكست وثيقة المنظور التنظيمي للنهج الديمقراطي الصادرة عن المؤتمر نفسه تلك الفكرة الرائعة التي ختم بها ماركس الأرضية التأسيسية للأممية الأولى”إن تحرر الشغالين سيكون من صنع الشغالين أنفسهم” والتي تعني مفهوما معينا للطليعة يستبعد مفهوم الإنابة عن الجماهير.

2) أي سبيل لبناء أممية ماركسية؟
لا توجد وصفة جاهزة للوصول إلى هذا الهدف العظيم سوى فتح نقاش سياسي وفكري وخوض النضال المشترك بين مختلف مكونات تجارب البناء والتكتلات وعلى رأسها:

– القمة العالمية للشعوب:

بدأت هذه الأممية الناشئة في التبلور في 2015 وتعرف نفسها الآن على أنها إطار اشتراكي مناهض للامبريالية والصهيونية والباترياركا، يضم عددا هاما من القوى السياسية (أحزاب ومنظمات وتيارات) ماركسية متنوعة من بينها النهج الديمقراطي (ما عدا الاتجاهات التروتسكية التي وضعت نفسها خارج مسار هذا البناء الجماعي) ومن القوى الاجتماعية المتحالفة معها (نقابات، جمعيات وحركات اجتماعية) من القارات الثلاث وأوروبا أيضا.

إن هذا الالتقاء بين قوى سياسية واجتماعية من الطراز المذكور يجد جذوره في السمات الأساسية التي تطبع هذه الفترة والمتميزة ب:

أ- اندحار أغلبية الأحزاب الشيوعية التي كانت مرتبطة بالاتحاد السوفياتي سابقا وكذا الأحزاب الاجتماعية- الديمقراطية وحركة التحرر الوطني في البلدان التابعة.
ب- تآكل المنتديات الاجتماعية العالمية والجهوية التي طرحت نفسها منذ التسعينات كبديل للقوى السالفة الذكر، هي التي كانت ترفع شعار “عالم آخر ممكن”، حيث اخترقتها الإمبريالية العالمية وأفسدتها سلطة المال كما أفسدت الأغلبية الساحقة من المنظمات غير الحكومية.
ج- احتداد الصراعات الطبقية في مختلف بلدان المعمور نتيجة زحف النيوليبرالية وما نتج عنها من تنامي لمظاهر الإقصاء والهشاشة والفقر وتراجع الديمقراطية البرجوازية في بلدان المركز الرأسمالي نفسها.

النموذج الأسطع لهذا الالتقاء هو الجبهة الموحدة في البرازيل والتي تضم في المجموع حوالي 60 تنظيما منها الحزب الشيوعي البرازيلي وحزب العمال البرازيلي وأبرز المركزيات النقابية وجمعيات وحركات اجتماعية متنوعة أبرزها حركة الفلاحين بدون أرض وهذا بتزامن مع بناء تيار”الاستشارة الشعبية” كتيار سياسي ماركسي مقرب من هذه الأخيرة.
وفي إفريقيا يحاول الحزب الاشتراكي الزامبي بناء جبهة من هذا الطراز كما تأسس حزب العمال الاشتراكي الثوري لجنوب إفريقيا بعد خروج نقابة المعادن نومسا من مركزية الكوساتو وتأسيس مركزية نقابية جديدة الفوساتو. ولعل هذه التطورات تعبر عن فرز طبقي يجد أسبابه المباشرة في تضرر أجزاء واسعة من الطبقة العاملة في هذا البلد من السياسات المتبعة من طرف هذا التحالف الثلاثي (الكوساتو والحزب الشيوعي والمؤتمر الوطني الإفريقي ) وتعري حدودالانتقال الديمقراطي لسنة 1995وتبرز الحاجة إلى ثورة ذات طابع اجتماعي.

محاولات النقابات والحركات الاجتماعية بناء تعبيرات سياسية مقربة منها، نجد أمثلة أخرى لها في
الجزائر والسنيغال وزيمبابوي والكونغو الديمقراطية وغيرها. وتلعبالتربية الشعبية والتكوين السياسي الموجه لطلائع النضال في هذه التنظيمات أدوارا حيوية لإحداث هذا التحول حيث تتوفر على مدارس للتكوين الشعبي في تونس وجنوب إفريقيا والبرازيل والنيبال. كما شرعت منذ مدة في اتخاذ العديد من المبادرات النضالية كالتضامن مع فنيزويلا وأسبوع لمناهضة الامبريالية (الأسبوع الأخير من ماي كل سنة).

– الندوة الدولية للأحزاب والمنظمات الماركسية-اللينينية:

تأسس هذا التحالف سنة 1994 من بين التنظيمات السياسية التي سبق أن تموقعت إلى جانب التيار الألباني على اثر الخلاف الصيني-الألباني ولازال يحافظ على اجتماعات أجهزته ويصدر مجلة الوحدة والنضال. مكونات الندوة الدولية لها وجود وتأثير متفاوت من بلد لآخر والبعض منها عضو في القمة العالمية للشعوب مثل حزب العمال التونسي كما قد ينضم إليها قريبا الحزب الشيوعي لكل من البنين وساحل العاج وبوركينا فاسو. أما النهج الديمقراطي فهو مجرد عضو ملاحظ في التحالف المذكور وذلك للأسباب مرجعية.

– تكتلات أخرى: وهناك تكتلات أخرى أقل تنظيما حول حزب العمل البلجيكي والحزب الشيوعي بالفلبين وغيرها.

على أن الحوار والعمل المشترك لن يثمر إلا إذا تم التخلص من الدغمائية ومن التموقع والاصطفاف على أساس إشكالات طوتها حركة التاريخ.



تعليقات الفيسبوك