إنتفاء العمل السياسي (2)


فؤاد النمري
2019 / 10 / 27 - 18:24     

إنتفاء العمل السياسي (2)

الشيوعيون بعامتهم والمراجعون الأغبياء لم يصدقوا أن القيادة السوفياتية قد انقلبت على الإشتراكية في الخمسينيات وغدت معادية للشيوعية في الستينيات حتى وصلت خيانتها إلى أن تعلن في مؤتمر الحزب في العام 1961 إلغاء دولة دكتاتورية البروليتاريا وهي دمغة ماركس للإشتراكية واستبدالها بالبدعة البورجوازية "دولة الشعب كله". بسبب ولائها للقيادة السوفياتية التي انقلبت علانية على المبادئ الأولية للماركسية رفضت قيادة الحزب الشيوعي الأردني أن أستمر عضواً في منظمة شيوعية أولية بعد خروجي من السجن في نيسان ابريل 65 إلا إذا تبنيت خط خروشتشوف الخياني وتسميتي إذاك قائداً للحزب في شمال الأردن .خلال الأعوام الثلاث 65 - 68 شاركت قيادة الحزب السلطة في عزلي وتجويعي وعائلتي ومنها دخولي السجن في 21 يونيو حزيران 66 وخروجي منه في 16 يونيو حزيران 67 وقد صعقتني الدهشة وأنا أرى الأمين العام المساعد للحزب الراحل فهمي السلفيتي يفاجئ العشرات من أعضاء الحزب في قاعة المخابرات المركزية في عمان يهتف ثلاثاً .. "يعيش جلالة المعظم !!" ويردد معه الهتاف عشرات الشيوعيين السجناء من حولي .

كنت أفسر غباء المراجعين وقادة الأحزاب الشيوعية في العالم بالغباء الموروث عن غواية السلطة، حيث من العبث أن تقنع أحداً من قادة الأحزاب الشيوعية بأن الإتحاد السوفياتي وهو الدولة الأعظم في العالم لم يعد صديقاً للشيوعيين ما بين العام 63 حين أكدت لرفاقي في السجن بعد قراءتي لتقرير خروشتشوف للمؤتمر الثاني والعشرين للحزب في العام 61، أكدت لهم أن الإتحاد السوفياتي سينهار في العام 90 ، وبين انهياره الفعلي والرسمي في العام 91 .
لئن كانت غواية السلطة هي ما اورثت غباء المراجعين وقادة الأحزاب الشيوعية خلال العقود الثلاثة المشار إليها، فما عساها تكون علة الغباء المستشري اليوم بين المراجعين والشيوعيين بعد أن لم يكن هناك من سلطة تغوي قوم الإنتهازيين !؟
الشيوعيون الذين تم إغواؤهم لثلاثين عاماً مع بداية تفتح الوعي فيهم من الصعوبة بمكان أن تطالبهم بإنكار تاريخهم الشخصي المضمخ بتضحياتهم النبيلة كما يفترض ؛ سيدافع هؤلاء عن تاريخهم الغبي حتى الموت . من هنا يشط الغباء بالكثيرين منهم للإدعاء أن المخابرات الأميركية هي التي دست ميخائيل عورباتشوف في صفوف الحزب الشيوعي لتدمير الإتحاد السوفياتي . طبعاً هم يقولون ذلك دفاعاً عن أنفسهم وعن تاريخهم فهم كانوا مع خروشتشوف يلغي دولة دكتاتورية البروليتاريا ومع بريجينيف يتوسل لقادة الرأسمالية في العالم ملاقاته في منتصف الطريق كي يتمكن من رعاية مصالحهم !! بل ومع غورباتشوف بادعاء إعادة بناء الإشتراكية . وتصل بهم الوقاحة للإدعاء بجرائم ستالين وبيروقراطيته علماً بأن البشرية لم تتعرف على حسنات الإشتراكية إلا بفضل ستالين وقيادته، ويعلم الأعداء فبل الأصدقاء أن شعوب العالم ما كانت لتحتفظ بحريتها في مواجهة العبودية النازية بغير قيادة البولشفي الأعرق يوسف ستالين .

هؤلاء القوم الغفل الذين يعلنون عن أنفسهم ماركسيين وهم أبعد ما يكونون عن الماركسية لا يفهمون حقيقة انهيار العوالم الثلاث الموروثة عن الحرب العالمية الثانية . بل هم لم يفهموا بداية لماذا هي عوالم ثلاث وليست عالماً واحداً كما هي اليوم .
بفعل قوى الحرب برز هناك العالم الإشتراكي حيث تتقلد السلطة فيه البروليتاريا العمال وتساكنها طبقة البورجوازية الوضيعة .
قوى الثورة الإشتركية تماهت فيما وراء الحدود بقوى التحرر الوطني، فبدأ يتشكل فيما بعد الحرب مباشرة العالم الثالث، معسكر التحرر الوطني، حيث تتقلد السلطة فيه طبقة البورجوازية الدينامية التي كانت قد تنامت في المستعمرات في ظل الإمبريالية، تساكنها بعد الإستقلال طبقة البورجوازية الوضيعة على شفا التحول إلى بروليتاريا .
وبقي هناك المعسكر الرأسمالي المتزعزع بعد الحرب ليس بفعل ما لحق بفرنسا وبريطانيا من هزائم في مواجهة النازية في الحرب بل في مواجهة قوى التحرر الوطني في العالم بحماية الإتحاد السوفياتي بعد الحرب . وتتقلد السلطة في المعسكر الرأسمالي طبقة الرأسماليين تجهد في استغلال طبقة البروليتاريا الأعرض في العالم .

بعد مثل هذه المقدمات يمكن فقط التعرف على معنى انهيار العوالم الثلاث الموروثة عن الحرب .
انهيار أي من العوالم الثلاث يعني مباشرة إنهيار قوى الإنتاج فيه، حيث قوى الإنتاج فقط هي ما يقيم النظام في بلد ما وما يميزه عن البلدان الأخرى . تنهار الطبقة الحاكمة، وينهار تبعاً لذلك نمط الإنتاج الخاص بها دون أن يخلف ذلك نمط إنتاج آخر مختلف حيث الإنهيار لم يحصل بفعل ثورة مضادة قامت بها طبقة معادية، بل بفعل ظروف استثنائية جداً غير متوقعة وغير مؤاتية لنظام الإنتاج الخاص .

بدأ النظام الرأسمالي بالإنهيارمع انفجار الثورة الإشتراكية العالمية في روسيا 1917 واكتمل بعد أن فقد الأسواق بفعل حركة التحرر الوطني والاستقلال العالمية (1946 – 1972) . تعذر الإنتاج البضاعي بعد فقدان الأسواق حيث يصرف فائض الإنتاج فكان أن تحولت قوى الإنتاج الرأسمالي إلى إنتاج الخدمات غير الرأسمالية حيث لا يتحقق أي فائض للإنتاج، فالخدمات عديمة القيمة التبادلية لأنها تستهلك قوى العمل ولا تختزنها على الإطلاق .

على غير المتوقع بدأ الإنهيار يفعل فعله في الإتحاد السوفياتي رغم أنه كان قد خرج من الحرب أقوى دولة في العالم، وبعد إعادة الإعمار مثار دهشة العالمين بمثلما كانت الحرب . في العام 1950 رأى ستالين أن استئناف العبور الإشتراكي، وكان قد توقف منذ العام 1938 بسبب الحرب، يستلزم تغيير قيادة الحزب التي كانت قد دخلت مرحلة الشيخوخة . عندما أيقن رفاق ستالين في المكتب السياسي من قرب فقدانهم لمراكزهم القيادية قرر ثلاثة منهم أن يغتالوا ستالين من أجل احتفاظهم بالمراكز القيادية في الحزب والدولة . فكان في عشاء سياسي في 28 فبراير شباط أن نجح بيريا ومالنكوف وخروشتشوف في اغتيال ستالين بالسم . لم يحتسب هؤلاء "الشيوعيون" الثلاثة المجرمون القذرون الذين عبثوا بمصائر الشعوب السوفياتية والبشرية جمعاء أنهم الأقزام الذين لا يستطيعون ملء الفراغ الذي تركة ستالين برحيله في قبادة الثورة الإشتراكية العالمية ؛ فكان الجيش السوفياتي هو من استولى على كامل السلطات السوفياتية بعد ستالين مباشرة وليس الحزب الشيوعي . أرغم الجيش الحزب في سبتمبر ايلول 53 على الإقرار بإلغاء الخطة الخمسية الخامسة وهو ما يعني مباشرة الإنقلاب على الإشتراكية مما دفع بجيورجي مالنكوف إلى الإستقالة من منصب الأمين العام للحزب لصالح نيكيتا خروشتشوف الذي ارتضى لنفسه أن يكون متعاوناً مع الجيش ضد الحزب . وفي 25 فبراير شباط 56 أرغم الجيش رجلهم خروشتشوف على التحايل في حشو خطاب شخصي بين أعمال المؤتمر العشرين للحزب يدنّس إيقونة ستالين القائد الأعظم لبروليتاريا العالم . وفي نهاية يونيو حزيران 57 قاد خروشتشوف انقلاباً عسكريا على الحزب تم بموجبه طرد أعضاء المكتب السياسي من الحزب – سبعة أعضاء من مجموع تسعة – الذين كانوا قد سحبوا الثقة منه وكان عليه أن يرحل . وفي العام 61 قررت طغمة خروشتشوف الخيانية في مؤتمر الحزب الثاني والعشرين إلغاء دولة دكتاتورية البروليتاريا واستبدالها بما سمّي "دولة الشعب كله" والعمل بمبدأ المرابحة في تداول الإنتاج . وهكذا لم يبق أي ملمح من ملامح النظام الإشتراكي في النظام السوفياتي في الستينيات وما بعد . إنهار النظام الإشتراكي دون أن يستبدل بنظام إنتاج آخر مختلف . تحولت كل قوى الإنتاج السوفياتية إلى إنتاج الأسلحة . الأسلحة لا تلد حقوقاً طالما أنها ليست بضاعة ولا قيمة تبادلية لها وهي وإن كانت تختزن قوى العمل بعكس الخدمات لكنها ليست ذات قيمة استعمالية وهو الشرط الأولي للبضاعة كما اشترط ماركس . وبغياب الحقوق تغيب السياسة .
ثورة التحرر الوطني العالمية ما كانت لتنجح في التحرر وبناء الإستقلال دون بروز قوى عالمية جديدة هي قوى الثورة الإشتراكية المتمثلة بالإتحاد السوفياتي وقد غدا في الحرب العالمية أقوى دولة في الأرض . ثورة التحرر الوطني العالمية قضت على النظام الإمبريالي في العالم فكان أن أعلنت الأمم المتحدة في العام 1972 نهاية الإمبريالية في العالم، تلك الثورة العظمى وجدت نفسها في الستينيات تفقد قاعدتها القوية المتمثلة بالثورة الإشتراكية التي بدأ أوارها بالهمود في العام 53 . في الستينيات وقد انكشفت الدول المستقلة حديثاً من غطاء الثورة الإشتراكية تعرضت عشرات الدول لانقلابات عسكرية فاشية نظمتها المخابرات الأميركية راح ضحيتها مئات الألوف من المناضلين في قوى التقدم والإشتراكية، وكان أبرز تلك الإنتكاسات هزيمة مصر التي شارك فيها الإتحاد السوفياتي إن لم يكن مشاركة إيجابية فبمشاركة سلبية على الأقل . تراجع السوفيات "الأغبياء" بوصف أنور السادات دفع السادات للإرتماء في حضن الولايات المتحدة قلعة الرجعية في العالم . في العام 74 أعلن السادات انهيار معسكر التحرر الوطني و "الإنفتاح على السوق العالمية" . بعد أن كانت مصر بقيادة ناصر القائد الفرد لثورة التحرر الوطني العالمية .

مختصر القول من كل ما تقدم هو أن انهيار العوالم الثلاث الموروثة عن الحرب لم يحدث بسبب ثورة مضادة تأتي بوسائل إنتاج مختلفة وطبقات إنتاجية جديدة، بل بسبب تحلل قوى الإنتاج الماثلة في العوالم الثلاث، تحلل طبقة البروليتاريا في الإتحاد السوفياتي وتحلل الطبقة الرأسمالية في الولايات المتحدة ومعسكر الرأسمالية، وتحلل طبقة البورجوازية الدينامية في معسكر التحرر اوطني .
انهيار قوى الإنتاج في العوالم الثلاث سمح للبورجوازية الوضيعة في أن تتولى السلطة في مختلف دول العالم . البورجوازية الوضيعة لا تمتلك وسيلة إنتاج حيوية وهي لا تستمر في السلطة بغير التدمير المستمر والمتفاقم للثروة التي ورثتها عن العوالم المنهارة .
عالمنا اليوم عالم مسطح يدمر ولا ينتج وهو لذلك خال من التناقضات وخال نماماً من أية حقوق وقد استبدلت الحقوق بحصص من الدولار المفرغ من كل قيمة وهذا ما ينفي لوجود أية حقوق. بعض السفهاء التفهاء يدّعون أن العالم الدائن هو نفسه العالم المدين وعليه فالعالم الدائن يستطيع أن يسامح نفسه !! أقول لهؤلاء السفهاء التفهاء أن العالم الدائن ليس هو نفس العام المدين الماثل اليوم بل هو عالم أجيال المستقبل التي لم تولد بعد فالطفل الذي لم يولد بعد في الولايات المتحدة مدين بحوالي 65 ألف دولار عليه أن يسددها في المستقبل .

الخريطة الجيوسياسية الماثلة اليوم يرسمها حبر الدولار الزائف وهو لذلك يلغي قانون القيمة المؤسسة لعلم الإقتصاد وبإلغاء القيمة تنتفي الحقوق وينتفي تبعاً لذلك الصراع الطبقي وتنتفي السياسة إذ لم يعد لها وظيفة تقوم بها . مختلف السياسيين فيما بعد انهيار العوالم الثلاث هم كذبة منافقون وزائفون تبعاً لزيف الدولار .



تعليقات الفيسبوك