تشي جيفارا البطل والأسطورة (1)


خليل اندراوس
2019 / 10 / 26 - 10:48     


الثورة قوية كالفولاذ، حمراء كالجمر، باقية كالسنديان، عميقة كحبنا الوحشي للوطن.. انني احس على وجهي بألم كل صفعة تُوجه الى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم فذاك هو وطني". هذه الصياغة لتشي جيفارا تتميز بصدقها ولا تستطيع إلا ان تُحترم وتقدر رجلا كانت هذه افكاره التي ظل طيلة حياته يناضل من اجلها، مع اني كنت افضل استعمال كلمات اخرى غير كلمة الحب "الوحشي" للوطن، فحب الوطن والاخلاص للوطن يتطلب منا استعمال كلمات تتميز بالرسالة الانسانية وبمفاهيم الكفاح والصمود والتصدي والتحدي والبقاء على ارض الوطن، وكذلك أتضامن مع كل مضطهد ومع ألم كل مظلوم في العالم ولكن وطني يبقى وطني، ففي النهاية الأممي الحقيقي هو القومي الحقيقي، والقومي الحقيقي يترسخ في وطنه، ولا بديل عن وطني وترابي تاريخي حاضري ومستقبلي، ولكن قد تكون لقصة حياة تشي جيفارا اثرا وسببا في استعمال هذه المفردات التي ناقشتها في بداية مقالي.

فقد ولد صاحب هذه المقولة وهو الملقب بالـ "تشي" التي تعني الرفيق واسمه الحقيقي "ارنستو جيفارا دي لاسيرنا" في الرابع عشر من اغسطس عام 1928، في حي "روساريو" الكائن بمدينة "بونيس ايريس" عاصمة الارجنتين في عائلة برجوازية عريقة. والد تشي جيفارا كان مهندسا معماريا ميسور الحال قضى آخر ايامه في كوبا. والدة جيفارا عُرفت بأنها مثقفة ونشطة وهي التي نفخت في الفتى من روحها الشغوفة بتاريخ الارجنتين بل وامريكا اللاتينية كلها، وربته على سيَر المحررين العظام في تاريخ امريكا اللاتينية وكذلك على قصائد الشعر لا سيما الشعر الاسباني والادب الفرنسي.

تشي جيفارا كان فتى نحيل لا يتعدى طوله 172 سم يمارس الرياضة بانتظام لمواجهة نوبات الربو المزمن التي كانت تنتابه منذ صغره اضطرت العائلة ترك العاصمة والانتقال الى مكان اكثر جفافا لاجل صحة الفتى العليل، وفي اثناء ذلك كان اللقاء الاول بين ارنستو والفقر المدقع والوضع الاجتماعي المتدني في امريكا اللاتينية.

لقد كان لوالد جيفارا تجربة في الاستثمار في بناء السفن، وعندما نصح الاطباء الاب انتقلت العائلة الى مكان آخر اكثر ملائمة، فباع نصيبه في شركة بناء السفن وانتقل بأهل بيته الى "التاجراثيا" وهي مدينة تقع على جوانب احد التلال في اقليم قرطبة.

لم يندم الاب ارنستو على ذلك القرار المصيري لحظة واحدة، حتى بعدما صارت الشركة التي باع نصيبه فيها واحدة من اكبر ترسانات السفن في الارجنتين كلها، لقد كان للاب ارنستو ايضا دور بالغ الخطورة في تكوين شخصية ارنستو تشي جيفارا، حيث عمل الاب على تثقيف ابنه وتعليمه وذلك من خلال المكتبة الكبيرة التي كان يمتلكها في بيته وتحتوي على آلاف الكتب في شتى المجالات.

وكان جيفارا كلما اجبره الربو على ملازمة الفراش لفترات طويلة، يغوص في اعمال مجموعة أبيه من الكتب ليلتهم ما بها من مؤلفات عن الفلسفة والرياضيات والهندسة والسياسة وعلم الاجتماع، ثم يجلس الساعات الطوال يناقش ما قرأ مع الوالد "إرنستو" والأم ثيليا.

جيفارا كان نموذجا للانسان الذي رفض الظلم ولم يكتف بمجرد الادانة بالكلام ومصمصة الشفاه، ولكنه ضحى بحياته وسعادته في سبيل ما يؤمن به، في سبيل طريق الثورة حاملا العلم الاحمر، لقد كافح ضد الظلم وضد هيمنة رأس المال والامبريالية العالمية باليد والقلب واللسان والروح. لقد كان تشي جيفارا طفلا ذكيا بالغ الفطانة متوقد الذهن والتثقيف الاساسي الذي اعطته العائلة لتشي في المنزل كان كافيا لدفعه الى التفوق على جميع اقرانه في المدرسة في كل عام منذ ان بدأ الانتظام في التعليم وحتى عندما كان مرضه اللعين يجبره على لزوم الفراش، فعلى سبيل المثال علمته أمه ثيليا اللغة الفرنسية التي كان يحبها ويحب قراءتها والكتابة بها وكان كثيرا ما يتلو فقرات طويلة من الكتب التي قرأها في الفرنسية اعتمادا على ذاكرته.

في عام 1941 قبل ان يلتحق بالمدرسة الثانوية أخبر تشي أبويه بانه ينوي قضاء الاشهر الثلاثة الباقية حتى بدء الدراسة في استكشاف الارجنتين وبمفرده وبالطبع لم توافق الام في البداية خوفا منها على صغيرها المريض.

لكن الاب لم يتأخر في تشجيع ابنه على خوض اول مغامرة كبيرة له في حياته، ولم يكن مع تشي من نقود حينها سوى 75 بيسو هي كل ما تم تخصيصه لهذه المغامرة الكبيرة من ميزانية. ولم يكتف الاب بمجرد تشجيع ابنه الصغير على خوض هذه المغامرة التي يراها معظمنا – إن لم يكن كلنا – "مستحيلة" وانما زود دراجته العادية بمحرك صغير ليساعده في ارتقاء التلال، فإذا ما هاجمته نوبة الربو كان عليه ان يستريح قليلا على جانب الطريق، وانطلق تشي في مغامراته وكان ينام في العراء اذا ادركه الليل وليس عليه من ثياب سوى سترته القديمة الواقية من الرياح، ولم يتناول من مشروبات – بسبب ضعف ميزانيته – سوى اكواب من الشاي لتبث شيئا من الدفء في اوصاله، وبالطبع كانت نقوده تقل اكثر فأكثر مما اجبر تشي الصغير ان يلجأ الى العمل في بعض الاشغال الصغيرة التي تتوفر له مثل جني المحاصيل الزراعية او حمل الحقائب الخفيفة للمسافرين.. الخ.

وكان كثيرا ما يضطر الى البقاء اياما بدون طعام ورغم ذلك اكمل مغامرته بنفس العزيمة والاصرار اللذين اكمل بهما فيما بعد طريق ثورته حتى لقى مصرعه في غابات بوليفيا بعيدا عن وطنه وأهله.

وعندما أتم رحلته عاد الى مدينته وبيته في الوقت المحدد لبدء الدراسة.. دون ان يتأخر ساعة واحدة، لقد كان تشي طالبا متميزا وقد نشأ بالفعل ذا شخصية متميزة. وعندما كانت تهاجمه نوبات الربو الشديدة، كان تشي بكل بساطة يواصل الدراسة في المنزل وهو مستلق على ظهره لكي يتمكن من التنفس.

في عام 1951 قام تشي مع صديق له اسمه جرانادو برحلة يزوران فيها جميع دول امريكا اللاتينية قبل ان يتوجها الى الولايات لمتحدة، وهذه الرحلة التي زار فيها تشي مع رفيقه بلدان امريكا اللاتينية كانت بداية التحول في شخصيته وفي قناعاته، اذ انها قد فتحت عينيه على الواقع المر والمؤلم الذي كانت القارة، أي امريكا الجنوبية تعيش فيه، ورسخت في قناعته ان لا سبيل الى الخروج من هذا النفق المظلم الذي تعيشه القارة سوى الثورة المسلحة.

ان تجول جيفارا في المدن خلق فيه نوعا من المقاومة والرغبة في نصرة المقهورين وخصوصا في غواتيمالا عام 1954 عندما شهد سقوط حكومة جاكوبو اربينز المنتخبة. في عام 1955 التقى جيفارا مع فيدل كاسترو في شقة ماريا انطونيا سانشيز جوانزليز وكانت امرأة كوبية متزوجة من مكسيكي، ويقول من شهدوا هذا اللقاء ان الاثنين بدوا وكأنما تعارفت روحاهما وتألفت من اللحظة الاولى، وفي هذا اللقاء انهمك تشي وفيدل في النقاش حول الثورة ومعتقدات كل منهما وآماله ومخاوفه، بعد هذا اللقاء اصبح كاسترو ضيفا دائما على منزل جيفارا حيث كان يقضي الساعات الطوال يناقش مع تشي خططه التي اعدها لغزو كوبا.

لم يكن تشي في حاجة للكثير من الاقناع ليربط مصيره بمصير كاسترو. وكما كتب لاحقا في مذكراته فان خبراته وتجاربه التي عاشها في جميع امريكا اللاتينية، وبالطبع كان اخطرها في فترة الانقلاب الذي حدث في غواتيمالا، قد اجتمعت كلها معا لتؤكد عزمه على الالتحاق بأي ثورة كانت ضد الطغيان، لا سيما واذا كانت هذه الثورة في نظره ستمكنه من العمل بقوة ضد من كان يعتبرهم اعداءه الحقيقيين ألا وهم المخابرات الامريكية والشركات الدولية الكبرى التي تملكها امريكا والامبريالية الامريكية التي ما فتئت تزرع الحكومات العميلة لها في كل مكان.

ومع ان تشي لم يسبق له ان زار كوبا في حياته ابدا من قبل فقد كان يعلم جيدا ان هذه الجزيرة تعد أبرز مثال على الهيمنة الامريكية، كما كان يعلم ان رئيسها باتيستا ما هو الا دمية تتحرك بخيوط وحبال المخابرات والشركات الامريكية، بالاضافة الى ذلك كانت هناك كاريزما كاسترو وقوة شخصيته التي اثرت على جيفارا وسلبته لبه، وحسب كلامه هو، فان كاسترو "كان رجلا غير عادي، لقد كان يواجه اصعب المشاكل واعقدها ويتمكن من التغلب عليها وحلها، وكان لديه ايمان لا يتزعزع بانه ما ان يغادر منفاه في المكسيك، ويصل الى كوبا الا وسيقاتل وسينتصر وكنت اشاركه تفاؤله، وكنت اشعر بانه لزام علي القيام بشيء... ان اناضل وان انجز.. لقد كان لزاما على الكف عن الصراخ والاحتجاج والتحول الى النضال والكفاح".

(يتبع)



تعليقات الفيسبوك