إنتفاء العمل السياسي


فؤاد النمري
2019 / 10 / 19 - 20:32     

إنتفاء العمل السياسي

بداية يلزم تهدئة روع بسطاء الشيوعيين الذين يعتقدون أن السياسة هي الشغل الشاغل للشيوعي منذ انضمامه للحزب ودخوله حلبة الصراع السياسي ضد الرأسماليين وسائر الأعداء الطبقيين . لكن هذا الشيوعي السياسي لا يمارس السياسة إلا من أجل أن ينفي السياسة ؛ ففي المجتمع الشيوعي تنتفي السياسة نفياً قاطعاً حيث تنعدم فيه فكرة "الحق" البورجوازية دائماً وأبداً وما السياسة إلا أنها الصراع حول توزيع الحقوق المنعدمة تماماً بمختلف منظوماتها في الحياة الشيوعية .
السياسة هي أدب الصراع الطبقي جملةً وتفصيلاً ويمارسها كل الناس حتى أولئك الذين يعلنون عزوفهم عن العمل السياسي إذ طالما أن الجميع ينتمون إلى طبقة اجتماعية بعينها لها وسيلتها الخاصة في الإنتاج، فذلك يعني أن الجميع هم في حمأة الصراع الطبقي لكن مقتضيات الصراع تقتضي كل طبقة من طبقات المجتمع أن ترتب صفوفها بالشكل الذي ترتأيه بما يمكنها من الإنتصار على الطبقات الأخرى .
الحرب الطبقية تجري دون انقطاع على مستويين، مستوى الكلام في الهجوم والدفاع وهو المستوى السياسي ومستوى الفعل أي بتحسين وسيلة الإنتاج ومبادلة الإنتاج مع منتوجات الطبقات الأخرى في السوق بصورة مجزية .
وهكذا، فلما كانت السياسة هي أدب الصراع الطبقي فلا يمكن أن يُدّعى بانتفاء العمل السياسي قبل انتفاء الصراع الطبقي . فهل انتهى الصراع الطبقي وانتفت بذلك النظرية الماركسية وسداتها الصراع الطبقي !؟
يجب أن ننبه هنا أيضاً إلى أن الماركسية ستنتهي بانعدام الطبقات والصراع الطبقي في الحياة الشيوعية ويستذكر في هذا المقام أن ماركس ورفيقه إنجلز رفضا الحديث بكلمة واحدة عن مرحلة الإشتراكية فما بالك عن الحياة الشيوعية ؛ وهو ما يعني أن الصراع الطبقي في مرحلة الإشتراكية، مرحلة الإعداد للحياة الشيوعية، يبلغ أشده، لم يكن وارداً في حسابات ماركس وإنجلز باستثناء استشراط دولة دكتاتورية البروليتاريا .

نحن لا نكتب تحت هذا العنوان الهام والمثير "إنتفاء العمل السياسي" لنؤكد حقائق باتت معروفة لدى غالبية الشيوعيين وهي انتفاء العمل السياسي والصراع الطبقي في الحياة الشيوعية، بل لنؤكد حقيقة أخرى قد تصعق الجميع إذ تقول بانتفاء الصراع الطبقي والعمل السياسي خلال بضعة عقود قبل الوصول إلى الشيوعية .
الإنتقال من النظام العبودي إلى النظام الإقطاعي استغرق البشرية عشرات القرون ؛ وانتقالها من النظام الإقطاعي إلى النظام الرأسمالي استغرق ثمانية قرون، من القرن العاشر حتى القرن الثامن عشر؛ فلماذا يحظر علينا ألا نتوقع أن يستغرق الإنتقال من النطام الرأسمالي إلى الإشتراكية أربعة قرون أو أكثر خاصة وأن مثل هذا الإنتقال مكلف بتطهير البشرية جمعاء من كل ما علق بها من أقذار عبر تاريخها الطويل في المجتمعات الطبقية وقد عاينا صعوبة ذلك في الاشتراكية السوفياتية .

لا يمكن التحقق من إنتفاء العمل السياسي والصراع الطبقي قبل الإدراك التام لحقيقة انهيار العوالم الثلاث الموروثة عن الحرب العالمية الثانية . خريطة الجغرافيا السياسية الأخيرة للعالم رسمتها نتائج الحرب العالمية الثانية، فكان هناك المعسكر الإشتراكي بقيادة الإتحاد السوفياتي وقد غدا أعظم قوة في الأرض وكان هناك المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية وهناك معسكر عدم الإنحياز أو عالم التحرر الوطني . يبدو أن خطوط الخريطة الجيوسياسية التي رسمها مؤتمر يالطا في فبراير شباط 45 وعاد يؤكدها مؤتمر بوتسدام في يوليو تموز 45 لم تكن موازية حقاً للقوى الدولية والإجتماعية لدى نهاية الحرب ولذلك سرعان ما انهارت تلك العوالم الثلاثة التي خلفتها الحرب .
في السبعينيات تهاوت الرأسمالية في آخر قلاعها وهي الولايات المتحدة وانكشفت عملتها من الدولار فخسر 40% من قيمته خلال عامي 72 و 73 وراحت الولايات المتحدة في مؤتمر رامبوييه 75 تستعطف بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان لكفالة الدولار وهي تفقد رمز سيادتها ؛ وقد انهزمت جيوشها الجرارة في فيتنام بمواجة قوى الشعب الثورية . وبدا الإنهيار واضحا في المعسكر الإشتراكي مما دعا الرئيس بريجينيف في مؤتمر هلسنكي 75 مناشدة زعماء العالم الرأسمالي ملاقاته في منتصف الطريق فلا يخسر "كلانا!!" – وهذا إعتراف صريح من قائد المعسكر الإشتراكي بالخسران على طريق الإنهيار . وفي العام 74 قفزت مصر بقيادة أنور السادات إلى حضن الولايات المتحدة وكان ذلك دالة قاطعة على انهيار معسكر عدم الإنحياز حيث كانت مصر عبد الناصر تحتل قيادته .

ما يلفت الإنتباه بل ويستحق الإستهجان أيضاً هو أن مختلف المراجعين للنظام الدولي يقولون بانهيار العوالم الثلاث الموروثة من الحرب لكنهم يصمتون صمت القبور عما آلت إليه أحوال المعسكرات الثلاث بعد الإنهيار . ولما كان مثل هذا الصمت يطعن في صدقية المراجعين فقد تفتّق ذهن هؤلاء القوم غير الحصيف عن الإدعاء بأن النظام الرأسمالي لم ينهر بل بفعل انتصاره على النظام الإشتراكي في مجرى الحرب الباردة استوى على مساحة الكرة الأرضية فيما وصف بالعولمة (Globalization) . لم يراجع هؤلاء المراجعون أنفسهم ليقولوا لنا لماذا تعولمت الرأسمالية بعد انهيار المعسكر الإشتراكي وليس قبله !! ولما لم يجدوا تفسيراً لذلك إدّعوا أن انتقال الشركات الرأسمالية من مراكزها الكلاسيكية إلى الأطراف كان بسبب البحث عن الأجور الرخيصة وهو ادّعاء سفيه لا يستحق الوقوف عندة حيث فائض القيمة وهو القلب النابض للنظام الرأسمالي هو قيمة ساعات العمل التي لم تدفع أجورها ؛ وهو ما يعني أن الأجور الرخيصة لا تنتج إلا فوائض قيمة رخيصة على غير ما يرغب الرأسماليون . ولا يعدم المراجعون بعض الأغبياء منهم الذين يدعون بتغول النظام الرأسمالي متناسين حقيقة أولى في علم الإقتصاد تقول أن تطور النظام الرأسمالي يتحقق فقط بتطور الطبقة العاملة وهو اليوم في الحضيض .
إرتحال الشركات الرأسمالية من مراكزها الكلاسيكية إلى الأطراف جاء تعبيرا صادقاً ومباشراً عن انهيار النظام الرأسمالي وقد سلك الإرتحال طريقين متمايزين ..
الطريق الأول وهو تحول الإنتاج الرأسمالي إلى إنتاج الخدمات جرّاء فقدان الأسواق الدولية بفعل حركة التحرر الوطني العالمية 1946 – 1972 ؛ وإنتاج الخدمات لا يتم إلا على حساب الإنتاج الرأسمالي وتجلى ذلك بظهور دولة الرفاه الإجتماعي (Welfare State) في الدول الرأسمالية الكلاسيكية وقد جرت محاولة إعتراض هذا التوجه عن طريق إحياء النظام الرأسمالي من جديد بما سميّ الليبرالية الجديدة (Neo-Liberalism) بقيادة مارغريت ثاتشر على رأس حزب المحافظين في بريطانيا (79) ورونالد ريغان على رأس الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة (81) . طبعاً النيوليبرالية لم تواجه إلا الفشل الذريع فعجلة التاريخ لا تدور إلى الوراء . مجرد ظهور النيوليبرالية فذلك يعني أن النظام الرأسمالي كان في الثمانينات قد انتهى ولا يمكن إعادته للحياة من جديد فلم تواجه ثاتشر وصديقها ريغان غير الفشل الذريع .
أما الطريق الثاني للعولمة ونزوح الرساميل فهو أن مجرم الحرب الرئيس الأميركي هاري ترومان كان قد أسس لسياسة حمقاء ذميمة تقضي بتوظيف كل مقدرات أميركا في الحرب على الشيوعية ممثلة بالإتحاد السوفياتي . كان الرئيس العظيم فرانكلن روزفلت قد وعد ستالين في مؤتمر يالطا فبراير 45 بمساعدة مالية بعد الحرب تصل إلى 10 مليار دولار، فكان من ستالين أن وعد روزفلت بالمقابل بمساعدة الولايات المتحدة في حربها على اليابان . تجلت سفالة ترومان وانحطاطه الخلقي في إلقاء قنبلتين ذريتين على المدنيين في هيروشيما وناغازاكي دون دواع حربية بغير الإنتقام لبيرل هاربرأو لإرهاب ستالين كما يرى البعض . خليفة روزفلت العظيم هاري ترومان الذميم حوّل المساعدة الموعودة للإتحاد السوفياتي إلى دول غرب أوروبا من أجل مقاومة الشيوعية ووصلت المساعدة فيما سمي مشروع مارشال 47 إلى 13 مليار دولار وهو ما يعادل اليوم 300 مليار دولار بالرغم من أن ستالين كان قد حقق وعده بمساعدة أميركا في حربها على اليابان وما كان بإمكان أميركا أن تنتصر في حربها على اليابان بالرغم من استخدامها القنابل الذرية لولا المساعدة السوفياتية التي تكفلت بإبادة كل جيوش اليابان البرية في منشوريا وقدرت بمليون جندياً – العظيم روزفلت ورثه الذميم ترومان، العظيم ستالين ورثه الذميم خروشتشوف، العظيم عبد الناصر ورثه الذميم السادات، العظيم ماوتسي تونج ورثه الذميم دنج هيساو بنغ – لعل ذلك من ألغاز الديالكتيك ً!! وفي العام 49 أقام ترومان حلف شمال الأطلسي . تكريس كل مقدرات أميركا في مقاومة الشيوعية أدى إلى انهيار النظام الرأسمالي في أميركا خلال وقت قصير . الثورة الشيوعية كانت بأقوى مفاعيلها في شرق آسيا فيما بعد الحرب فلم يكن امام الإدارات الأميركية المتعاقبة الحمقاء من فرصة لمقاومة الشيوعية سوى هدم الهيكل على رؤوس الجميع من خلال نقل نظام الإنتاج الرأسمالي إلى اليابان والنمور الستة وأخيراً الصين الشعبية وهكذا بدأ عمال الولايات المتحدة يستهلكون قوى العمل لعمال شرق آسيا واكتمل انهيار النظام الرأسمالي في آخر معاقله وهو الولايات المتحدة في السبعينيات ؛ ويقول المثل هنا .. على نفسها جنت براقش .

(يتبع)



تعليقات الفيسبوك