جودث بتلر؛ تجريم المعرفة


أسامة سليم
2019 / 10 / 17 - 03:34     

موجز المترجم:

جدلية الفكر والسياسة، جدلية قديمة مازالت حاضرة في واقعنا المعاصر، تتحدث جوديث بتلر استاذة الأدب المقارن عن أهمية الحرية الأكاديمية وكيف أن هذه الأهمية تتجاوز حدود الجامعة. تميز جوديث بتلر في هذا النص بين نوعين من الحرية، الحرية الأكاديمية وحرية التعبير السياسي وتبين ارتباطهما برغم تباين معانيهما. كما تدين أيضًا الأنظمة التي تقيّم اعتباراتها البحثية على فرز سياسي لا أكاديمي، يقوم حسب الانتماءات السياسية لا حسب الأبحاث العلمية، وتستحضر بتلر هنا الملاحقات التي يتعرض لها الأكاديميون في تركيا وإيران وفلسطين لمجرّد موقف سياسي أو نقابي. تحاول بتلر في هذه المقالة أن تبيّن، كيف ان السعي نحو حماية الحرية الأكاديمية هو سعي نحو واقع أكثر انفتاحًا وعدلًا.

الإحالة للنص الأصلي:

Butler, Judith. “The Criminalization of Knowledge.” The Chronicle of Higher Education 64, no. 35 May 2018)

يجد الكثير من الباحثين أنفسهم خاضعين للرقابة والسجن والنفي. لقد فقدوا مناصبهم وأصبحوا يخشون ما إذا كان بإمكانهم مواصلة أبحاثهم وتعليمهم. لقد حرموا من عملهم الأكاديمي بسبب آراءهم السياسية، أو – في بعض الأحيان – على أساس وجهات النظر والانتماءات التي لا يتبنونها. لقد فقدوا مهنهم. ويمكن خسارة عمل أكاديمي ما لاعتبارات عديدة، ولكن أولئك المجبرين على مغادرة بلدهم وموقع عملهم، يفقدون انتماءهم إلى مجتمعاتهم المحلية أيضًا.

ترتبط الصفة الأكاديمية بتاريخ متراكم لحياة مكرّسة للأبحاث، وبتوجهها، والتزامها: يفكر المرء ويدرس بطريقة معينة ليكرسها كشكل من أشكال البحث ويوظفها مع مجتمع من المتحاورين والمتعاونين. بعد ذلك، يتم الالتحاق بهيئة التدريس الجامعي الذي يوفر فرصة لمزاولة هذه المهنة. فتوفر الدعم الذي لا غنى عنه للكتابة والتدريس والبحث وتُدفع المرتب الذي يفرغ المرء لمواصلة العمل المتفاني في مجاله. ولكن، يفقد الأكاديميون في المنفى قدرتهم على العمل بلغتهم الخاصة في بلدهم. كما أنهم يفقدون القوّة والحرية لمتابعة شغفهم، والتزامهم، ومسار حياتهم.

يمكن للجامعات أو الحكومة أن تدمر مسيرة أكاديمية على أساس أن محتوى العمل، حقيقيا كان أو متوهمًا، يمثل تهديدًا للقوى السائدة. ربما أثار هذا العمل، إن كان منهجا لدرس ما أو موضوع أطروحة تحت الإشراف، غضب الدولة. أو ربما كانت المواقف السياسية التي يتّخذها الفرد داخل الجامعة أو خارج أسوارها مثل النشاط النقابي، أو المطالبة بنزع السلاح و معارضة القومية الفاشية هي السبب. هذه هي المواقف التي يقع تشويهها من قبل الرقابة ومن قبل أولئك الذين لديهم القدرة على تدمير الباحثين وطرد المواطنين. فتصير مواقف المرء الحقيقية مبالغ فيها، ومشيطنة، ومثيرة لمجرد الإثارة. ويتم تفسير الدعوة إلى الديمقراطية على أنها فتنة، و تتحول الدعوة للسلام إلى تحالف مع الإرهاب و الدعوة إلى الحرية دعوة للعنف.

كما نعلم، فان وجهات النظر السياسية الفعلية – و التي بسببها يعاقب الباحثون- قد تكون موجهة بشكل انتقائي نحو الحكومة أو سياساتها أو نحو الجامعة وممارساتها غير العادلة ، وطرق استغلالها ، واستخدامها للشرطة والأمن والمراقبة من أجل قمع محاولات فتح تحقيقات مفتوحة لمشاركة العامة ، أو علاقاتها مع مصالح الشركات أو الدولة التي تتحكم الجامعة بأساتذتها من أجلهم. ونحن نعلم أن الرقابة والفصل يمكن أن يأتي من الجامعة، أو من الحكومة الإقليمية، أو من الدولة، أو من تحالف متواطئ بين هذه السلطات.

تتخذ العقوبات أشكالاً عديدة: المضايقة المستمرة والتهديدات بالعنف أو العنف الفعلي واللوائح السوداء والمراقبة والرقابة العلنية أو السرية للمنشورات أو جلسات الاستماع الداخلية أو المحاكمات العلنية دون اجراءات قانونية معتادة أو التهديدات المفتوحة أو الفصل من الجامعة أو الطرد من البلد. لنأخذ مثل عقدين من الاضطهاد القانوني ضد بينار سيليك[1]. لم يقع انتهاكها فقط بمضايقتها في التدريس والإرشاد بشأن المسألة الكردية في تركيا، بل باتهامها افتراء و كذبا بالتسبب بانفجار في سوق[2] لم تثبت أي أدلة إدانة حيالها. في الجامعة الاتحادية في باهيا، في البرازيل، تم تهديد ما لا يقل عن ثلاثة من أعضاء هيئة التدريس في دراسات النوع الاجتماعي في حياتهم في حال اشتغالهم على موضوع مثير للجدل يتعلق بتقسيم العمل بين الجنسين في مكان العمل. أو لننظر إلى مثال محمد حبيبي[3] ، في إيران، الذي أدى دعمه لنقابة المعلمين إلى سجنه. يجب أن نؤكد على التزامنا بدعم كل من يتعرض للمضايقة بأي من هذه الطرق.

دعونا ننظر في الفرق بين الحرية الأكاديمية وحقوق التعبير السياسي لأنهما، كما أوضحت جوان سكوت، ليسا متشابهين..تنتمي الحرية الأكاديمية إلى أعضاء هيئة التدريس داخل الجامعات الذين تم تعيينهم لغرض التدريس ومتابعة المناهج المعرفية. أما التعبير السياسي فهو حق المواطنين في التعبير عن وجهات النظر السياسية كما يشاءون. ويتقاربان هذان المفهومان عندما يعاني الأكاديميون الذين يتحدثون “خارج حرم الجامعة” من الانتقام أو العقاب داخل الجامعة أو يتعرضون للتهديد بفقدان مناصبهم. وبالتالي فإن حقوق الحرية الأكاديمية والتعبير السياسي الخارجي تتطلب هياكل ودعم مؤسسيين داخل الجامعة، وهي تتطلب التزامًا واضحًا ودائمًا من الجامعات. في الواقع، يتم تقويض مهمة الجامعة عندما تكون أي من هذه الحريات معرضة للخطر. وعلى الرغم من أن كل حالة من حالات التعرض للأكاديميين لها فرادتها وخصوصيتها عن الأخرى، إلا أن جميع الحالات مرتبطة بفشل الجامعات في حماية هاتين الحريتين. فمن واجب الجامعات التزامها بمقاومة كل أشكال التدخل الخارجي التي تسعى إما للتحكم في بحوثها الأكاديمية أو لقمع حرية التعبير خارج إطار القانون.

لقد نادت الرابطة الدولية للجامعات بأن من الواجبات المركزية على الجامعات أن تحمي الحرية الأكاديمية وتشجيع وتحمي جميع أنواع البحث العلمي، مهما كانت نابية، فهي تسمح بمعرفة العالم في تقلباته العديدة. دعونا نضيف إلى ذلك المبدأ الثاني: ألا يكون العلماء معرضين وخاضعين للرقابة أو الانتقام على أساس تعبيرهم السياسي في المجال العام.

إذا تدخلت الحكومة أو أي سلطة خارجية أخرى بدافع من المصالح السياسية في الجامعة لتكليف أو فرض رقابة على مناهجها، فإن اتجاه الجامعة ومعاييرها وحتى المعرفة التي تنتجها، بعد تقويض الحكم الذاتي للمؤسسة واستقلالية أساتذتها، تمسي مقيدة ومشوهة. تصبح ممارسة حرية التفكير جريمة يعاقب عليها في مثل هذه الظروف. وعندما يتحالف الإداريون في الجامعات مع تلك القوى الخارجية، فإنهم يشاركون في تدمير مؤسساتهم لأنهم يقيدون النشاط البحثي الحر والمفتوح الذي يميز الشكل المحدد للحرية الذي نسميه “الأكاديمية”، ويسحبون دعم البنية التحتية الذي يتطلبه.

علاوةً على ذلك، فإن الحرية الأكاديمية تفترض وتشجع على الاعتراض على الوجهات الفكرية المختلفة لأنه من خلال التنافس المفتوح والمتفاعل وحده، يصبح التفكير أكثر دقة، وأكثر إقناعاً، وأكثر ارتباطاً بالسعي وراء الحقيقة. عندما يتم، من خلال الرقابة، اختزال تنافس وجهات النظر الحيوي هذا، فبالمقابل يتم أيضا اختزال امكانيات التفكير التي يجب على الجامعات إبقاؤها على قيد الحياة

لا تتشابه الحرية الأكاديمية وحرية التعبير –فهما ليسا ذات الشيء- .اذ يجب حماية الأنشطة المهنية المتعلقة بالمنصب الأكاديمي من خلال الحرية الأكاديمية. إن الألفاظ الخارجية التي يقدمها أي منا عن العالم الذي نعيش فيه، أو المؤسسات التي نعمل فيها، أو أي مسألة ذات اهتمام عام، يجب أن تحميها حقوق حرية التعبير. هذا لا يعني أن الحرية الأكاديمية تسمح بأي نوع من التعبير في الفصول الدراسية، ولا يعني ذلك أن جميع الكلام السياسي محمي بالتساوي كتعبير سياسي شرعي. ولكن على الرغم من هذه الحقوق المركبة والمعقدة داخليا، وبغض النظر عن كيفية فتح النقاش حول حدودها ومعانيها، فإنها تشكل مبادئ يجب الدفاع عنها.

في الواقع، ينبغي أن يكون النقاش المفتوح حول معاني هاتين الحريتين وحدودهما أحد سبل حماية هذه المبادئ، لأن التنافس المفتوح للأفكار هو بالضبط أحد أهدافها. نحن هنا معنيون بأشكال التعبير التي تعتبر تهديدًا لسلطة قائمة و التي تؤدي إلى الاحتجاز والتهديد وإنهاء الخدمة والنفي القسري. إن مثل هذه العقوبات تهدف إلى زرع الإرهاب في قلوب أولئك الذين قد يفكرون في اتخاذ موقف عام وناقد للسلطات القائمة في المستقبل. إن اﻟﺠﺪار ﺑﻴﻦ اﻟﺤﺮﻳﺔ الأكاديمية واﻟﺘﻌﺒﻴﺮ اﻟﺴﻴﺎﺳﻲ نافذ، تتخلله النوافذ والأبواب. فالضوء الخارجي يلقي بظلاله في الداخل، وغالبًا ما تمتد أثر العمل من داخل القاعات إلى الشوارع في الخارج. هذا الانتشار الحيوي للأفكار خارج قاعات الدراسة هو المعيار الذي يجعلنا نقول عن مادة ما أو ندوة نقاش أنها متميزة.

إن النظر في هاتين الحريتين يوضّح الالتزامات العالمية للجامعات لمعارضة الرقابة، وتجريم المعرفة، وتدمير الحياة المهنية لأولئك الذين يتعرضون للهجوم بسبب وجهات نظرهم الحقيقية أو المتخيلة. إن للجامعات التزامات تجاه العديد من الجماعات؛ ليس فقط مع مجتمعاتهم المحلية والإقليمية والوطنية، ولكن أيضًا تجاه المجتمع العالمي الأوسع. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الأبحاث تعتمد حاليًا على التبادل والترجمة والنشر الدولي. نحن بحاجة إلى التزام عالمي بالمعايير الدولية للحرية الأكاديمية، وهو ما يعني تعزيز سلطات المسؤولية العامة، بما في ذلك سلطة الرقابة، بين منظمات مثل الرابطة الدولية للجامعات ورابطة الجامعات الأوروبية.

إن تضامنًا عالميًا واسعًا وحذر بين مؤسسات التعليم العالي فقط يمكنه أن ينير ويدافع عن هاتين الحريتين المترابطتين، ويقاوم اضطهاد الباحثين، ويوقف تيار تزايد مكافحة الفكر وفرض الرقابة، والازدراء المخزي لأولئك الذين يرددون قصص الخاضعين. من خلال الإصرار على حرية الفكر، ندعم أولئك الذين يتساءلون عن شرعية الأشكال السياسية الظالمة – بما في ذلك البنية السياسية للجامعة نفسها عندما ترهن مصيرها لمصالح الشركات أو سلطات الدولة. نحن ندعم أولئك الذين يطعنون في معتقدات راسخة تدافع عن العنصرية وكراهية النساء واستغلال العمال؛ أولئك الذين يفكرون بشكل نقدي في السلطة والعنف؛ أولئك الذين يناضلون من أجل توحيد العمل الأكاديمي؛ أولئك الذين يرفضون المصادقة على إيديولوجيات الدولة.

تصبح الحرية الأكاديمية حقا وقوة داخل الجامعة طالما أن هذه الحرية تدعم بشكل مؤسساتي. فهي ليست حقًا فرديًا على وجه التحديد – ولا حرية شخصية – بل تنبثق من الاتفاق المبرم بين المؤسسة وأعضاء هيئة التدريس. في الواقع، إنها اتفاق بين الباحث الأكاديمي والجامعة والدولة، لأن الدولة يجب أن تقبل الحرية الأكاديمية للمؤسسات وتوافق على منع نفسها من التدخل في أمور لا يحق إلا للذين تم تعيينهم داخل الجامعة اتخاذ القرار فيها. وعلى العكس من ذلك، عندما يتحدث الباحثون عن مسائل ذات اهتمام عام، فإنهم يمارسون حقوقا خارجية في التعبير لا ينبغي لها أن تتعلق بمسائل المراجعة الأكاديمية.

بما أن الباحثين هم أيضا مواطنون، فان الحرية الأكاديمية تشمل حق الأكاديميين في المشاركة في التعبير السياسي، مثلهم مثل جميع المواطنين. عندما يأخذ التعبير خارج الإطار الجامعي شكل المعارضة السياسية ضد الأنظمة الاستبدادية، فإن الجامعة عليها التزام بعدم السماح للدولة بقمع هذا الخطاب داخل الجامعة. تدل مقاومة الجامعة للتدخل السياسي الخارجي على العلاقة بين الحرية الأكاديمية و تصور الجامعة كملاذ آمن – وهو ملاذ متلاشي داخل الدولة الأمنية الجديدة- يستحق منا إحياؤه ليس فقط من أجل الباحثين المعرّضين للخطر ولكن أيضًا من أجل أولئك الذين لا يحملون وثائق هوية أو من أجل أولئك الذين ينخرطون في المعارضة السياسية. وبعبارة أخرى، من أجل كل أولئك الذين لديهم سبب يدعوهم للتوجّس من الدولة لعدم استقرار أوضاعهم.

أخرست الرقابة بالطبع الأصوات الناقدة ودمرت مسارات مهنية. ومع ذلك، فأن الرقابة كشكل من أشكال القوة تظهر ضعفها. فهي تعترف بشكل غير مباشر بالخوف العميق لدى السلطات القائمة بالرقابة من قوة الكلام والنقد والتحقيق المفتوح. يمكننا أن نرى أن الأنظمة الاستبدادية الصريحة – ويبدو أنها في تصاعد – تسمح بنقد مفتوح للحكومة فقط عندما تكون متأكدة من أن التفكير النقدي ليس له سلطة سياسية. للرقابة دائما اعتراف غير مباشر بالخوف، يكشف الرقيب نفسه ككائن خائف، يخاف الكلام ويسعى لردعه، ينسب خوفه إلى خطاب خصمه قوة قد تكون موجودة أو غير موجودة. يسعى و هو خائف إلى بعث الذعر في الآخرين. وحينما يبدأ الرقباء بملاحقة ندوات، أوعمل نقابي، أو وجهات نظر غير سائدة، أو الأشكال الجديدة للدراسة التي تشكك في الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية، عندها نحصل على الرسالة: إنهم يخشون قوة الفكر السياسي في الكلام. وهم يخشون من أن يؤدي البحث النقدي الذي يتم الحفاظ عليه من خلال الحرية الأكاديمية إلى تشجيع وتنقيح نزاع السلطة السياسية. هل هم على حق؟

بمعنى ما، نعم إنهم على حق. يخاف المستبدون من الحرية الأكاديمية وحرية التعبير السياسي. لا يمكن أن تزدهر هذه الحريات إلا عندما لا تعاقب الدولة العمل الأكاديمي بغض النظر عن كيفية تصويره للدولة، وعندما ترفض الدولة اتخاذ إجراءات انتقامية ضد المعارضين السياسيين. لذا فإن النظام الذي يعارض الحرية لديه كل الأسباب للخوف من أولئك الذين يدّعون كلا النوعين من الحرية.

على الرغم من أن الحرية الأكاديمية وحرية التعبير السياسي لا يحملان نفس الدلالة، إلا أن معاقبة الأكاديميين على قوتهم السياسية الحقيقية أو المزعومة، يخبرنا بشيء عن دور الجامعات في الحياة الديمقراطية. تنتج الجامعات أفكارًا لها حياة خاصة بها؛ إن التداول الحر لتلك الأفكار هو جزء من الثقافة السياسية الديمقراطية، وحماية هذا التداول واجب على المجتمعات الديمقراطية. ربما الشكل البنيوي للصراع الذي يعرف الحرية الأكاديمية ينطوي على تصور أوسع لكيفية التعامل مع حل النزاع في مجالات أخرى. يختلف العلماء على الدوام، ويعد عدم توافقهم أمرًا مهمًا لنمو الحقول الجديدة والمعرفة الجديدة. إن زراعة الأشكال المنتجة للنزاع هو ما نسعى إلى القيام به داخل أسوار الجامعة في الوقت الذي نسعى فيه إلى المعرفة خارج تلك الأسوار، بينما ننخرط في تعزيز الممارسات الديمقراطية في النقاش والمنافسة داخل المجال العام.

وقع 1128 من زملائنا الأتراك على “عريضة من أجل السلام[5]“، في عام 2016، حيث سعوا إلى إعادة إحياء المفاوضات الدبلوماسية بين الحكومة التركية والحركة السياسية الكردية. ودعوا إلى مزيد من التفاوض بين الجانبين و عارضوا الصراع العنيف. وطلبوا حوارًا يكون مفتوحًا وصعبًا وموجّهًا نحو جعل العنف شيئًا من الماضي[6]. لكن بالنسبة لنظام أردوغان، لا يمكن تفسير الدعوة إلى السلام سوى على أنها تحالف مع المقاتلين الأكراد. واتهم الموقعين بالدعاية الإرهابية. أصر النظام التركي على أن الجهد المبذول للخروج من إطار يتكون من موقعين عنيفين وليس أكثر – الجهد لتخيل السلام – كان في حد ذاته جزءًا من منطق الحرب. هناك أكثر من 69000 طالب الآن وراء القضبان. كما تم فصل أكثر من 5000 أكاديمي من مناصبهم. وتم إغلاق خمس عشرة جامعة.

وعندما ينادي العلماء الفلسطينيون والإسرائيليون إلى إنهاء الاحتلال، أو عندما يؤكدون حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم السياسي، أو حتى حق العودة، أو الدعوة إلى المقاطعة كوسيلة غير عنيفة لجعل إسرائيل تمتثل للمعايير الدولية، لماذا لا ينظر إليهم على أنهم يبحثون عن حل سلمي لشكل مستمر من الحكم الاستعماري؟ بدلاً من ذلك، يتهمون بالخيانة، والسعي إلى الإطاحة العنيفة بالدولة. بالنسبة لأولئك الذين هم في حالة حرب، لأولئك الذين لا يستطيعون التفكير خارج إطار الحرب، لا يمكن سماع نقد الحرب إلا كصرخات حرب.

وماذا عن العلماء الإيرانيين الذين تم سجنهم أو طردهم؟ أو تهديد التعليم العالي في الهند، حيث يمكن لدعم حقوق الداليت أن يلقي باحثاً في السجن؟ إن ما نسميه النقاش المفتوح أو حرية التعبير يساء فهمه بشكل ماكر كذريعة، أو كخدعة، أو كأداة لحزب معارض لتدمير الدولة. فالاستبدادية تغذيها العاطفة اليائسة لحشد السلطة وإسكات الخطاب السياسي المعارض قبل أن تتاح لها الفرصة لسماعها.

تعتمد الحرية الأكاديمية على المؤسسات العامة الديمقراطية الملتزمة بمبدأ عدم التدخل من قبل الدول والسلطات الدينية وعدم أحقية الشركات في إنتاج ونشر المعرفة. وهكذا فإن النضال من أجل الحرية الأكاديمية ينتمي إلى النضال من أجل الديمقراطية. الحرية الأكاديمية تنتمي إلى الجامعة، ومع ذلك تنتمي الجامعات إلى مواقعها وحكوماتها. إن الجدران أكثر نفاذاً مما يصوره التمييز القانوني في بعض الأحيان.

ما يخافه السلطوي هو انتقال المناقشة المفتوحة في ندوة جامعية خارج تلك الجدران. إنهم على حق في الخوف من تداول الأفكار التي لا يمكن التنبؤ بها ولا يمكن السيطرة عليها. وهم على حق في الخوف من تلك الأفكار التي تنافس شرعية الحكم الاستبدادي، أو الفاشية، أو الأنظمة العنصرية، لأنه بمجرد أن يتم إظهار و نقاش الطبيعة الظالمة لتلك الأنظمة، بمجرد أن تُعطى الحياة العامة لتلك الأشكال من النقد الفكري، يمكن للناس أن يحددوا و يعارضوا حكمًا ظالمًا وينهضوا للمطالبة بإنهاء الظلم.

يقودني هذا إلى سؤال أخير: ما هي الواجبات التي تتحملها الحكومات والمؤسسات تجاه هؤلاء الذين أجبروا على ترك وظائفهم العلمية، ومنازلهم، وشبكات القرابة وأصدقاؤهم، ودولهم، خوفا من الاضطهاد أو الاعتقال على أساس آرائهم السياسية الحقيقية أو المزعومة؟ تتمثل المهمة، في جزء منها، في تقوية المنظمات الوطنية المكرسة للدفاع عن الحرية الأكاديمية، والتي تشمل الحق في التعبير السياسي خارج نطاق الحرم الجامعي. وتتمثل مهمة أخرى في بناء روابط عابرة للحدود الوطنية، وأنماط جديدة للتعاون تتشارك الثروة، ومساحة العمل، والمجتمع، وتتيح للعلماء المعرّضين للخطر طريقة جديدة لتخيل مستقبلهم المهني ومتابعته. يجب أن نخلق أكبر شبكة ممكنة من التضامن مكرسة للحق في التفكير والتحدث.

يجب علينا معاً أن نفكر أكثر في الدعم المالي والمؤسساتي الذي سيتم تقديمه للباحثين الذين فقدوا الضمان والظروف التي تعتمد عليها الحرية – الحرية الأكاديمية وحرية التعبير السياسي -. هناك حاجة إلى تحالف متعدد اللغات ومتعدد الأقاليم، وهو تحالف يوفر الملاذات عندما تمارس الجامعات أو الحكومات الاضطهاد، ويدعم حرية التعبير في مواجهة تجريمها. يجب أن نشكل تضامنًا حيويًا ضد اضطهاد العقل الحر، الذي يحرم المرء من مهنته و يؤدي به إلى العوز. يجب أن نعمل مع العلماء المعرّضين للخطر لنعلن حكمنا على الظلم والاضطهاد، الذي يتمتع بسلطة إطلاق الحرية كنموذج معدٍ يستحق حماية يقظة.

الهوامش

[1] كاتبة تركية وباحثة في علم الاجتماع، تدور أبحاثها حول الحركات النسوية وأطفال الشوارع، وقع اتهامها من قبل النظام التركي بتهم كيديّة في اكثر من مناسبة [المترجم].

[2] سنة 1998 نفّذ حزب العمال الكردستاني تفجيرًا ارهابيًا للسوق المصري، ووقع اتهام سيليك بالتفجير [المترجم].

[3] سجين سياسي إيراني وعضو مجلس إدارة نقابة المعلمين في طهران، وقع اعتقاله خلال مظاهرة سلمية، اتّهم بالتواطؤ ضد الأمن القومي وحكم عليه بالسجن سبع سنوات وحظر ممارسة النشاط السياسي لسنتين و74 جلدة [المترجم].[

[5] مبادرة الجامعيين من اجل السلام [المترجم].

[6] حمل النصّ الذي وقّع عليه الباحثون الأتراك عنوان “لن نكون شركاء في هذه الجريمة” وقد وقع استهداف جميع الموقعين الأتراك، وقد اعتبر أردوغان الموقعين بالخيانة والتآمر على الأمن القومي، وتمّ اتهامهم بالدعاية الإرهابية وإهانة قيم الجمهورية التركية، ويواجه الموقّعون على العريضة عقوبات بالسجن لخمس سنوات [المترجم].


ترجمة: أسامة سليم. مراجعة: أحمد العوفي.



تعليقات الفيسبوك