الثورة بالغرب الإفريقي من خلال تجربة الشهيد إبراهيم صيكا - 5


الأماميون الثوريون
2019 / 10 / 4 - 09:59     

كان اعتقال الشهيد في فاتح أبريل 2016 ضربة للحركة الجماهيرية بكلميم وادنون، تشكلت لجنة التضامن مع المعتقل، معتقل الحركة الجماهيرية، من الإطارات السياسية، الحقوقية، النقابية والجمعوية متضامنة، مستنكرو الاعتقال التعسفي الذي تعرض له الشهيد، دون أن يتم بلورة هذا الموقف السياسي الشكلي إلى فعل ملموس في الواقع بقدر ما حولته الانتهازية والاصلاحية إلى صمام أمان للصراع بين الشبيبة والتحالف الطبقي المسيطر الذي تحول إلى المواجهة المباشرة : اعتقال قائد الشبيبة الواعية.

وشكل هذا الاعتقال التعسفي بالنسبة للنقابة الوطنية للفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين ضربة للتنظيم الجماهير بكلميم وادنون، فبعد الهجوم الذي تعرضت له النقابة طيلة ثلاث سنوات مضت لفرملة عملها وعرقلة تطور تنظيمها بالجهة، جاء اعتقال الشهيد باعتباره مناضلا جماهيريا، تقدميا، أمميا التحم بصفوف الفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين، لوقف توسيع العمل النضالي في أوساط الجماهير الشعبية، وفقدت بذلك النقابة الفلاحية أحد المنظرين للتنظيم الجماهيري للفلاحين، ومعلم طليعة الشباب التقدمي في جهة تعرف تهميشا ممنهجا وهجوما منظما على حقوق الفلاحين الصغار والفقراء وكافة الجماهير الشعبية، في جهة تتحكم فيها مافيا العقار التي حولت الجهة إلى مرتع للمضاربات العقارية ومجال لنهب المال العام، ومنطقة تحولت إلى مسرح لقمع الفلاحين الصغار والفقراء، وكانت النقابة الفلاحية فيها أحد أعمدة النضال الجماهيري ضد مافيا العقار.

كل الأجهزة القمعية تم تسخيرها لنزع حقوق الفلاحين الصغار والفقراء : أعوان السلطات، المستشارون الجماعيون عديمو الضمير، الشرطة والدرك، مؤسسة القضاء، شهود الزور، سماسرة الانتخابات ... كل هذه الأجهزة القمعية مجتمعة، مسخرة من طرف مافيا العقار ترى في كل تحركات الشهيد والمجموعة الشبابية الملتفة حوله، وتوسيع هذه المجموعة لتشمل الفلاحين الصغار والفقراء، خطرا على مصالحها التي تتوسع لتشمل الجهة قاطبة : السيطرة على أراضي الجموع، أراضي الفلاحين الصغار الخاصة، الوديان، الواحات، السهوب، الجبال، الخيرات الطبيعية بصفة عامة، من أجل وقف زحف النضال الجماهيري الثوري في اتجاه الصحراء الغربية التي تعرف غليان احتجاجات الشبيبة الصحراوية في صفوف المعطلين، من أجل وقف وحدة النضال الجماهيري ضد العدو المشترك الذي ينظر له الشهيد بعد بروز إمكانية التحالف مع الفلاحين.

لقد أصبح الفلاحون الصغار والفقراء يتنفسون رائحة الموت، في كل حركاتهم وسكناتهم، في كل مطالبهم بحقوقهم، في كل محاولة التنظيم في صفوف النقابة الفلاحية، في مخافر الدرك والشرطة، ودهاليز النيابة العامة، والسجون، ومكاتب المحاكم وجلسات المحاكمات الصورية، يتنفسون رائحة الزور، الأحكام الصورية، الاعتقالات التعسفية، التهديد بالقتل... يشاهدون بأم أعينهم أراضيهم يتم اغتصابها، ممتلكاتهم يتم حجزها تعسفا بأحكام جائرة، أموال عامة يتم استغلالها للسيطرة على أراضيهم باسم مشاريع الدولة الفلاحية.

كان الشهيد، بحكم تكوينه السوسيوـ سياسي يرى كل هذه الممارسات غير طبيعية، في منطقة عرفت في الماضي القريب مقاومة الاستعمار، ثورة أحمد الهيبة ضد الاستعمار واستمراريتها بأيت باعمران، إلى تاريخ قريب جدا : القضاء على جيوب الاستعمار الإسباني بجبال الأطلس الصغير، على مشارف المحيط الأطلسي، سيدي إفني، كان أب الشهيد من المقاومين، من حملة السلاح في هذه الحرب التحررية، كان ابنه الشهيد، يرى في كل تضحيات أجداد وآباء الفلاحين الصغار والفقراء بوادي أسكا، وادنون، أيت باعمران تاريخا قد مضى، تاركا وراءه مأساة شباب أيت باعمران وادنون، تاريخ يعيد نفسه بشكل أكثر مأساوية، حينما يكون العدو من صلب من ضحى الأجداد والآباء من أجلهم، تاريخ في حاجة إلى تصحيح.

إنه الاستعمار الجديد، حكم الألغارشيا كما يسميه الشهيد : استعارة من أدبيات المنظور الماركسي اللينيني للنظام القائم، نظام الإقطاعيات البرجوازية العربية، تحل مكان الاستعمار القديم، في استمرارية قوانينه الاستعمارية وتجلياتها في المضاربات العقارية كما سمته النقابة الفلاحية، في شعارها في المؤتمر الجهوي لسوس ماسة وكلميم وادنون في 02 يناير 2016 بأكادير، في نضال الفلاحين الصغار والفقراء ضد الملاكين العقاريين الكبار، الذين اغتصبوا الأرض والماء والثروات الطبيعية ببلادنا، هكذا قيم الشهيد الوضع السياسي بالمغرب متجاوزا المنظور القومي ـ الشوفيني للتحليل، الذي يحاصر كل شيء إلى المنظور القبلي، الإثني، في بناء الدولة، مركزا التحليل الطبقي : من المفهوم القومي في علاقته بالمفهوم الأممي لبناء الدولة، بدءا بالنضال من أجل كسر قيود التفكير القومي ـ الشوفيني مرورا بمعانقة معاناة أوسع الجماهير المضطهدة وصولا إلى بناء وحدة النضال الجماهيري، في قاعدته الواسعة لتحالف العمال والفلاحين، لكون العدو واحدا ومشتركا، كما يقول الشهيد.

هكذا رأى الشهيد ضرورة توسعة مجاله النضالي ملحا، ورأى النقابة الفلاحية منفذا لتنظيم أوسع الجماهير في علاقته بالتحالف الطبقي بين العمال والفلاحين، في علاقته بالتحالف التاريخي بين البوادي والمدن، ضد هجوم الملاكين العقاريين الكبار، على الأرض، الماء والثروات الطبيعية، بالبوادي وضواحي المدن، ولم يكن اعتقال واغتيال الشهيد منفصلا عن مخطط مافيا العقار، الهادف إلى قطع الطريق أمام توسع العمل النقابي الفلاحي الجماهيري التقدمي، في أوساط الفلاحين الصغار والفقراء بجهة كلميم وادنون، وبالتالي بالصحراء الغربية عامة، خاصة بعد نشر تهمة الانفصال والتخابر مع الجبهة، التهمة المشروخة الملفقة للنقابة الفلاحية بعد استشهاد الشهيد دون أن يتوفر البوليس السياسي القمعي على أدنى دليل بعد اعتقال الشهيد وتفتيش منزل عائلته بشكل تعسفي قمعي، فتم تسخير الانتهازية داخل النقابة الفلاحية من أجل تصفية التنظيم الفلاحي التقدمي داخل الاتحاد المغربي للشغل.

إن منظوره الأممي لم يستثني قضية الصحراء الغربية من مشروع بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية، لم ينحز إلى النظرة الفاشية للنظام الملكي الدموي ولا إلى القومية ـ الشوفينية للجبهة الذي حاولت المخابرات تلفيقها للشهيد، إنما كان موقفا ماركسيا يرى الحل في شموليته : وحدة النضال ضد العدو المشترك كشعار مركزي رفع الشهيد، فكان يوم اعتقاله بالشارع العام وسلاحه الوحيد الذي يحمله دائما هو فكره الأممي في علاقته بالممارسة العملية الذي حول كل احتجاجات المعطلين إلى منبر للتحليل المادي للوضع العام والمهام المنوطة بالمناضلين وخاصة الشبيبة الثورية، في شكل من أشكال الجامعة الشعبية مفتوح على عامة الجماهير الشعبية ومحورها الشبيبة الرافضة للوضع السياسي عامة والوادنوني خاصة، هذا المنبر الشعبي الذي يتنقل إلى صالونات الأحزاب، النقابات والجمعيات الحقوقية خلال أنشطتها السياسية، النقابية والحقوقية في مناسباتهم المعروفة وفي غير مناسبة، يتخذها الشهيد منبرا لإبراز القضية : إشكالية الحرية والديمقراطية في ظل نظام ملكي دموي.

كانت الفترة القصيرة التي قضاها في صفوف التنسيق الميداني للمعطلين الصحراويين بكلميم كافية لبلورة منظوره للنضال الجماهيري في أوساط الشبيبة الوادنونية الواعية، وكان لضيق الأفق التنظيمي الذي تحاصره الانتهازية والاصلاحية بالمنطقة أمام شبيبة واعية يحير الشهيد مما دفعه للبحث عن تنظيم أوسع وأقوى، فكانت النقابة الوطنية للفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين في نظره الإمكانية الوحيدة لتوسيع أفق العمل الجماهيري التقدمي ضد التحالف الطبقي السائد وخدامه الانتهازيين والاصلاحيين، ورأى في تاريخ نضال هذا التنظيم بوادنون إمكانية لأفق وحدة النضال ضد العدو المشترك في التحالف بين الفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين وأبنائهم المعطلين، وكان البوليس السياسي يتابع كل خطواته النضالية مخططا لتلفيقه التهمة المعروفة المشروخة بقوة استعمالها منذ السبعينات من القرن 20 : الانفصال.



تعليقات الفيسبوك