العلم والمادة


التيتي الحبيب
2019 / 10 / 2 - 16:22     

الاشتراكية العلمية، هكذا سمى ماركس وانجلس مذهبهما الاشتراكي حتى يميزاه عن باقي انواع التيارات الاشتراكية التي كانت قبلهما او حتى في عهدهما.
وهي اشتراكية علمية لأنها تقف على ارضية الفلسفة المادية الجدلية والتاريخية أي المادية المتأسسة على حقائق العلم. وقد اعتبرا وأكدا على ان العلم يتوصل الى حقائق وهي الحقيقة المطلقة التي بدورها تتشكل من حقائق نسبية. هكذا تصبح معرفتنا ممكنة وهي لامحدودة وتتطور بدون توقف او انقطاع. وبذلك استطاع ماركس ورفيقه انجلس تأسيس نظرية المعرفة نظرية علمية. ففي الوقت الذي واصلا البحث والتنظير، برز من صفوف مناضلي الاشتراكية العلمية فيلسوف من طينة اخرى هو الفيلسوف العامل يوسف ديتزغن. لقد توصل هذا الفيلسوف العصامي بطريقة تكاد تكون " مستقلة" عن معلميه ماركس وانجلس الى خلاصات ونتائج خول المادية الديالكتيكية. انبهر ماركس بهذه النتائج خاصة لأنها تصدر عن أحد تلامذته العمال. عبر ماركس عن ذاك في رسالة الى رفيقع كوغلمان مع اشارة سريعة لبعض تحفضاته وملاحظاته حول التعبير والصياغة الغير الدقيقة من شخص غير مختص في الانتاج الفلسفي. هذه الملاحظة جعلت ماركس يعد بالعودة لموضوع الفلسفة ليضع تصوره للمادية الديالكتيكية بطريقته الخاصة والعبقرية، لكنه لم يتمكن نظرا للوقت الذي استغرقه كتاب راس المال والمرض الذي ارهقه حتى الوفاة.
تولى انجلس هذه المهمة وكان ذلك في حياة ماركس وتبادلا الرسائل والمخطوطات الاولية في نقد دوهيرينغ. توصل انجلس الى صياغات اساسية في المادية الديالكتيكية اعتمدها ايضا ديتزغن في مقالاته الفلسفية التي كان ينشرها في صحافة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الالماني. هذه المقالات وكراس ديتزغن عن المادية الجدلية كانت موضوع متابعة ودراسة دقيقة من طرف لينين الذي اراد ان يفي بالدين او الوعد الذي قطعه ماركس على نفسه لما قال بأنه سيرجع لملاحظاته حول كتابات ديتزغن الفلسفية. كان تصرف لينين هذا هو تصرف الماركسيين الحقيقيين المشتبكين فلم يقعد يندب حظه وحظ البشرية لان ماركس لم يكتب لنا عن المادية الديلكتيكية كما وعدنا بل سارع لينين الى استكمال الصرح العلمي على اساس وفوق الركائز التي وضعها ماركس وانجلس.
اهتم لينين بالفلسفة المادية خاصة في الفترة الفاصلة بين الثورة الروسية الاولى لسنة 1905 والثورة البلشفية لسنة 1917 – وهي الفترة التي لم يتسنى الوقت ولا الفرصة لانجلس لتناولها - وكان همه هو اعطاء السلاح النظري للحزب الذي لا زال قيد البناء أي الحزب البلشفي. كانت الجبهة الفلسفية جبهة صراع مع الفكر البرجوازي والرجعي ومع التوفيقيين الذين يريدون تأسيس خط ثالث يوفق بين المادية والمثالية. كان مضمون كتاب "المادية والمذهب النقدي التجريبي" صراعا فلسفيا قويا قام به لينين، دحض فيه ادعاءات التوفيقيين التجريبيين واعتبرهم مثاليين يدلسون على المادية وهم رجعيون يشككون في نتائج العلوم ويدخلون عليها الروح المثالية والميتافيزيقا وكل التشويش النظري واللادرية. كما ساهم في هذا الكتاب في مناقشة وكشف اخطاء ديتزغن وهفواته، لكنه في المقابل دافع عنه بشراسة باعتباره احد مؤسسي المادية الديالكتيكية ونظرية المعرفة العلمية.
يخلص لينين في كتابه المادية والمذهب النقدي التجريبي الى ان الفلسفة تنقسم الى اتجاهين اثنين لا ثالث لهما وهما المادية والمثالية؛ وقد انقسما عند الاجابة عن من الاسبق المادة او الوعي؟ وبحسب الاجابة عن هذا السؤال الجوهري تتحدد طبيعة الفلسفة. في الرصد والمتابعة التاريخيين يتبين ان كل اتجاه من هذين الاتجاهين هناك العديد من المدارس: فالفلسفة المادية كاتجاه شهدت وستشهد العديد من المدارس بحسب التفريعات والقضايا الجانبية ابتداء من مادية ابيقور والمادية الميكانية الى مادية فيورباخ الى المادية الديالكتيكية، كما ان الاتجاه المثالي بحد ذاته يتفرع الى عدة مدارس ابتداء من الالكليروس الى المثالية الذاتية الى مثالية هيغل وكانت ثم هيوم وغيرهم من التجريبيين واللادريين. لقد كان هذين الاتجاهين في صراع دائم ومستمر باستمرار الصراع الطبقي وبالصراع ضد الظواهر الطبيعية او محاولة فهمها او التحكم فيها.
وبما ان العلم هو مجموع الانشطة الانسانية الواعية المتجهة نحو واقعه الاجتماعي او الشخصي او للطبيعة والكون قصد الفعل او التفاعل؛ فانه انتج نظريات وقام بالممارسات والتجارب المخبرية او الحياتية التي تنتج المعرفة بالقوانين وبالحقائق العامة والنسبية. لذلك كان العلم محط اهتمام بالغ من طرف الاتجاهين في الفلسفة. فأصبح العلم يوسع من رؤية الفلسفة كما ان الفلسفة توجه وتفتح الافق للعلم ليتطور وليتجاوز محدودية الحقائق التي يتوصل اليها. هذه العلاقة الجدلية بين العلم والفلسفة اتضحت وتأكدت عبر الفترات التاريخية لما استطاع العلم ان يتجاوز العديد من ازماته وشكوكه وكان للمادية الديالكتيكية الفضل الكبير في فتح هذا الافق.
في هذا الاطار اعتبر لينين ان من بين التخصصات العلمية التي شهدت تطورات هائلة وهي في نفس الوقت محط اهتمام وصراع بين الاتجاهات الفلسفية وهي علوم الفيزياء.
" ان الفيزياء المعاصرة في حالة الوضع. وهي تضع المادية الديالكتيكية. والولادة عسيرة. وعدا الكائن الحي والقادر على الحياة يعطي الوضع بلا مناص بعض المنتوجات الميتة بعض النفايات التي يتعين ارسالها الى المزبلة. وفي عداد هذه النفايات كل المثالية الفيزيائية كل الفلسفة النقدية التجريبية مع الرمزية التجريبية والاحادية التجريبية وما شاكلهما."
المادية والمذهب النقدي التجريبي صفحة 366 سنة 1908.
على ضوء هذا التقرير الواضح من طرف لينين لعلنا سنستفيد من وضعه على طاولة البحت والمتابعة مع التطورات العلمية الاخيرة وخاصة التي كان احد اكبر علماء القرن العشرين قائدها او استاذها وهو البيرت اينشتاين. واذا كان تاريخ الفيزياء يبين التواصل والاستمرارية بين بحوث العديد من العلماء مثل هنري بونكاريه ولورانتز واينشتاين فان متابعة هذه العلاقات تخرج عن اهتمام هذه المقالة وهي بكل تأكيد قضية مهمة جدا. فاراء بوان كاريه الفلسفية كانت محط انتقاد قوي من طرف لينين التي اعتبره الى جانب كونه عالم عبقري في مجال الفيزياء فانه من الناحية الفلسفية كان مثاليا لم يستطع ان يحقق الانسجام المعرفي والابستمولوجي بين تخصصه وبين موقعه وموقفه الفلسفي ازاء السؤال الجوهري الذي واجهته الفلسفة عبر التاريخ.
ما يهمنا في هذه المقالة القصيرة هي كيف كانت علاقة اينشتاين مع نظرية المعرفة وموقفه الفلسفي والى أي اتجاه انحاز. فبل استعراض هذا المر تجدر الاشارة الى ان المدارس الفلسفية حاولت كل واحدة من جهتها جلب اينشتاين الى جهتها او حتى اختلاق مقولات وتصريحات ووضعها على لسانه.
بالنسبة لموقف اينشتاين من نظرية المعرفة وموفع العلوم منها وبخاصة الفيزياء فان اينشتاين قاد تجربة علمية متنوعة وتكاد تكون فريدة من نوعها. انه قام ببحوث متفرقة في 3 ميادين كما وضح ذلك ميشيل باتي:
" هكذا فإن أهم ثلاثة أعمال لأينشتاين، التي نشرت في عام 1905، والتي وجهت اليه استرعت انتباه الأوساط العلمية، تتعلق بثلاثة مواضيع مختلفة، محددة جيدا وعالجها بمنهجية نظرية متميزة. يتعلق ألأول بالنظرية الذرية للمادة، والثاني بطاقة الإشعاع الضوئي، وآلاخير يتعلق بنسبية الحركات في الديناميكيات الكهربائية يتعلق بالنظرية الذرية للمادة.
سنعود إلى ذلك. وينتمي الاثنان الاولان إلى دراسة تركيب او تشكل المادة، الذي لن يتوقف آينشتاين عن الاهتمام به في وقت لاحق، وذلك عن طريق مساهمات غنية للغاية عندما طورت وقدمت ما سيصبح فيما بعد نظرية الكم (la théorie quantique). أما الثالث، المعروف بنظرية النسبية الخاصة، فقد فتح أحد السبل الواسعة جدا لبحثه، نحو نظرية النسبية العامة لمختلف مجالات الحركة ومجالات الجاذبية، مع امتداداتها في علم الكونيات وفي المجال الموحد (sur le champ unifié ). لقد واصل اينشتاين بحثه في هذين الاتجاهين بشكل مستقل، وفي الغالب بشكل متناوب. الصفحة 5 من كراسة اينشتاين وفكر المادة Michel Paty "
من خلال هذه المنهجية يتضح ان اينشتاين تعامل بتجرد مع موضوعه العلمي ولم يقم بتفضيل افتراضا و منطلق معين وتعامل مع النتائج التي توصل اليها في المجالين معا. ادرك اينشتاين بان المقاربة العلمية لموضوع المادة تقود حتما الى معالجة المادة كوحدة رغم تعدد تمظهراتها او اشكال التعرف عليها وهذه الوحدة ستكون موضوع التطورات العلمية القادمة وهو في هذا المجال متفائل.
في الكراسة المشار اليها لميشيل باتي نتعرف بتركيز على اهم القضايا التي تحدد نظرة اينشتاين المعرفية والفلسفية ولعل ما تنبأ به لينين هاهو اينشتاين يجسده بطريقة ملموسة وخصبة.
لنستعرض هذه الفقرة المهمة من مقالة ميشيل باتي:
"هكذا اعترف اينشتاين هنا بوجود عدم اليقين في أسس الفيزياء، مما يعني ، بالنسبة له ، من الطريقة التي يتعين على المرء اتباعها في الواقع للحصول على نظرية مرضية للمادة، والتي تأخذ في الاعتبار كل ما هو مضمون في نظرية المجال المستمر - النسبية، الجاذبية Gravation - وما هو مضمون في مجال المادة الذرية والإشعاع، أي الكم. وقد قضى هو نفسه سنوات في محاولة في الاتجاه الاول، دون أي يقين من أن ذلك هو الاتجاه الصحيح.
ولكن عدم اليقين بشأن هذه النقطة لم يعني في نظره إلغاء جميع القناعات الراسخة: "هل لا يوجد شئ ظل ثابتا في كل هذه التغييرات" في الفكر العلمي، الذي حدث منذ غاليليو؟ ولا شك في أن العلم "يتمسك بثبات" بـ "بعض المبادئ الأساسية". وقد أحصى ثلاثة منها، الأولى تتعلق بدور التجربة وضرورتها، والثانية بالطابع المكاني الزمني للتمثلات (des représentations )، والثالثة بـ " تكاملية" ( “complétude” ) القوانين، وهي ضمان عدم وجود أي شئ في الطبيعة غير مادي.
ينص هذا المبدأ على أنه "لا يوجد عنصر غير مادي في النظام السببي للأحداث" من حيث الطبيعة، بما في ذلك الظواهر والحالات النفسية، خلافا لأفكار Vitalism أو "Libre arbiter" " ارادة حرة" (بمعنى أن الحرية ستستفيد من فرص التحديد المادي). ليس الامر مسألة اختزال البيولوجية أو الفسيولوجية العصبية في الفيزياء - أينشتاين قد حدد من قبل، كما رأينا، أن علم الأحياء لم يكن يجب أن يخضع للفيزياء لحل مشاكله الخاصة -- ولكن التأكيد على عدم وجود أي نوع من عدم الاستمرارية في الطبيعة لموضوعات هذه التخصصات. وعلى وجه الخصوص، وعلى مستوى أكثر تعقيدا من الخلافات، تصور رفض الإرادة الحرة التي من شأنها أن تفلت من التحديدات الطبيعية، وهي الطريقة التي عرضها سبينوزا في أخلاقه
كما أصر أينشتاين على هذه النقطة بإثارة نظرية الكم، والتي يتم الاحتجاج بها أحيانا من قبل أنصار هذه الإرادة الحرة. "إن إضعاف مفهوم السببية الذي تنطوي عليه النظرية الحديثة للكوانتا لا يفتح الباب الصغير أمام مؤيدي الإرادة الحرة، إن كان لسبب فقط بعد ذلك: إن العمليات التي تحدد ما يحدث في الكائن الحي، والتي لا يمكن عكس اتجاهها في الحس الحراري، هي من طبيعة أن العنصر الإحصائي المخصص لعملية المجال الجزيئي يتم القضاء عليه فعليا". والحجة، في الواقع، لا يمكن الطعن فيها. يتم تعويض الكم بمجرد انتقالنا إلى المستوى الماكروسكوبي حيث توجد أعداد كبيرة من الجزيئات وتلعب اللارجعة دورا. وفي حين يؤكد أينشتاين بذلك "عقيدته للعلوم الطبيعية"، إلا أنه خفف من حدة الشك. هل هذه العقيدة محددة؟ "أعتقد أن الابتسامة أفضل من الإجابة". ص ص 21 و22 من مقالة ميشيل باتي الانفة الذكر.
يتبع...



تعليقات الفيسبوك