دروس أكتوبر [1] (4 نوفمبر 1935)


ليون تروتسكي
2019 / 10 / 1 - 00:12     


أوافق بمُسارعة على اقتراح فريد زلير Fred Zeller(2) بمد جريدة رِڤُـلسيون، بمناسبة الذكرى الثامنة عشر لانتفاضة أكتوبر، بمقال. ليست رِڤُلسيون، والحق يُقال، جريدةً يومية “كبيرة”، إذا تكـدّ فقط لتصبح أسبوعيةً. قد ينظر إليها بيروقراطيون من المقام السامي بازدراء. لكن غالبا ما شهدتُ فرصة معاينة كيف استحالت منظمات “قوية”، ذات صحافة “قوية”، غبارا بفعل صدمة الأحداث؛ وكيف كانت بالعكس منظمات صغيرة، ذات صحافة ضعيفة تقنيا، تتحول في ظرف وجيز إلى قوى تاريخية. فلنأمل بثبات أن يكون ذلك ما ينتظر جريدتكم ومنظمتكم من مصير.

كانت روسيا، في غضون العام 1917، تجتاز أخطرَ أزمة اجتماعية. يمكن فقط أن نقول بكل يقين، بناء على كل دروس التاريخ، إنه لو لم يكن ثمة حزب بلشفي، لضاعت طاقة الجماهير الثورية الهائلة في انفجارات متشتتة، ولانتهت تلك العصيانات العظيمة بديكتاتورية مضادة للثورة من الأشد قسوةً. يمثل صراع الطبقات محرك التاريخ الرئيسي. يلزمه برنامج صائب، وحزب حازم، وقيادة جديرة بالثقة ومفعمة بالجسارة- ليس أبطال صالونات وجمل برلمانية، بل ثوريون، مستعدون للسير حتى النهاية. إنه درس ثورة أكتوبر الرئيسي.

البلاشفة، أقلية في البداية

بيد أنه يلزمنا أن نُعيد إلى الأذهان أن الحزب البلشفي لم يكن يقود، في مطلع العام 1917، غير عدد ضئيل من العمال. ليس في مجالس الجنود وحسبُ، بل حتى في مجال العمال، لم يكن التكتل البلشفي يشمل بوجه عام سوى 1 إلى 2%، و5% على الأكثر. كانت الأحزاب القائدة للديمقراطية البرجوازية الصغيرة- المناشفة و”الاشتراكيون الثوريون” المزعومين- تجمع خلفها 95% بالأقل من العمال والجنود والفلاحين المشاركين في النضال. في البداية كان قادة هذه الأحزاب يصفون البلاشفة بالعصبويين، ثم … بعملاء قيصر ألمانيا. لكن لا، لم يكن البلاشفة عصبويين! كان كل اهتمامهم مُنْصبًّا نحو الجماهير، وفضلا عن ذلك ليس نحو شريحتها العليا، بل نحو الشرائح الأعمق، نحو ملايين وعشرات ملايين الناس الأكثر عُرضة للاستغلال الذين عادة ما ينساهم الثرثارون البرلمانيون. إن التمكن من قيادة البروليتاريين وأشباه البروليتاريين بالمدن والقرى هو بالضبط ما جعل البلاشفة يرتؤون ضرورة التميُّـز الواضح عن كتل البرجوازية ومجموعاتها، بدءا بأولئك “الاشتراكيين” الزائفين، عملاء البرجوازية في الواقع.

تمثل النزعة الوطنية العنصرَ الجوهري من تلك الأيديولوجية التي تُسمّم بها البرجوازية وعي المضطهدين الطبقي وتشل بها إرادتهم الثورية، لأن الوطنية تعني خضوع البروليتاريا للأمة التي تتربع عليها البرجوازية. كان المناشفة والاشتراكيون الثوريون وطنيين، حتى ثورة فبراير، بنصف قناع، وبعد فبراير بصراحة وبوقاحة. كانوا يقولون:” لدينا الآن جمهورية، هي الأكثر حرية في العالم؛ وحتى جنودنا منظمون في سوفييتات؛ يجب علينا أن ندافع عن هذه الجمهورية ضد العسكرية الألمانية.” وكان البلاشفة يردّون بقول:”لا جدال في كون الجمهورية الروسية هي اليوم الأكثر ديمقراطية، لكن هذه الديمقراطية السياسية الظاهرية قد تنهار غباراَ بسرعة لأنها قائمة على أساس رأسمالي. ما دام العاملون، بقيادة البروليتاريا، لم ينزعوا ملكية ملاكيهم العقاريين ورأسمالييهم، ولم يمزقوا معاهدات اللصوص الموقعة مع دول الوفاق، لا يمكننا اعتبار روسيا وطنا لنا ولا النهوض بالدفاع عنها”. وكان خصومنا يزدادون غيظا: “إن كان الأمر على هذا النحو، فلستم عصبويين وحسبُ، إنكم عملاء آل هوهنزلرن(3) ! أنتم تخونون لصالحهم الديمقراطيات الروسية والفرنسية والإنجليزية والأمريكية!” لكن قوة البلشفية كانت تكمن في مقدرتها على احتقار مغالطات “الديمقراطيين” الجبناء الذين يتسَمّـون اشتراكيين، لكنهم يركعون في الواقع أمام الملكية الرأسمالية.

وكان حَكـَمَةُ هذا النقاش هم الجماهير الكادحة. وبقدر مُضيّ الوقت، كان حُكمها يميل أكثر فأكثر لصالح البلاشفة. ما من غرابة في الأمر. ففي تلك الحقبة، كانت السوفييتات تجمع حولها جماهير البروليتاريا والجنود والفلاحين التي تستيقظ للنضال والتي يتوقف عليها مصيرُ البلد. كانت “الجبهة الموحدة” بين المناشفة والاشتراكيين الثوريين تُهيْمن في السوفييتات، وكانت السلطة في الواقع بين أيديهم. وكانت البرجوازية مشلولة سياسيا تماما منذ أن اصطف 10 مليون جندي، أنهكتهم الحرب، مسلحون من القدمين حتى الرأس، إلى جانب العمال والفلاحين. لكن أعظم ما يخشاه قادة “الجبهة الموحدة” كان هو “إرعاب” البرجوازية، و”دفعها” إلى معسكر الرجعية. لم يكن “للجبهة الموحدة” جرأة على المساس بالحرب الامبريالية، ولا بالبنوك، ولا بالملكية الإقطاعية، ولا بالمعامل، ولا بالمصانع. كانت تراوح المكان وتُغدق عموميات، فيما صبرُ الجماهير ينفد لا بل أسوأ، إذ نقل المناشفة والاشتراكيون الثوريون السلطة إلى حزب الكاديت (4) الذي كان العمال يرفضونه ويحتقرونه.

كان الكاديت يشكلون حزبا برجوازيا وامبرياليا، مستندا على الفئات العليا من الطبقات “الوسطى”، لكنهم مخلصون لمصالح الملاكين “الليبراليين” بصدد كل المسائل الأساسية. يمكن، إن بدا لكم، أن نقارن الكاديت بالراديكاليين الفرنسيين: القاعدة الاجتماعية ذاتها، أي الطبقات الوسطى، ونفس السياسة القائمة على تنويم الجماهير بجمل جوفاء، ونفس الخدمة الوفية لمصالح الامبريالية. وكان للكاديت، على غرار الراديكاليين تماما، يمينٌ ويسارٌ: اليسار لتشويش الشعب، واليمين للسياسة “الجدية”. وكان المناشفة والاشتراكيون الثوريون يأملون كسب دعم الطبقات الوسطى عبر التحالف مع الكاديت أي مع من يستغلون الطبقات الوسطى وينصبون عليها. وبهذا وقع الاشتراكيون الوطنيون شهادة وفاتهم.

مكبيلن أنفسهم بمحض إرادتهم إلى عربة البرجوازية، سعى قادة المناشفة والاشتراكيين الثوريين إلى إقناع العمال بتأجيل نزع ملكية الملاكين، وبالموت، أثناء الانتظار، في الجبهة من أجل “الديمقراطية” أي من أجل مصالح تلك البرجوازية ذاتها. كان الانتهازيون مثل ببغاوات يرددون في اجتماعات عامة لا تحصى:”يجب ألا ندفع الكاديت إلى معسكر الرجعية”. لكن الجماهير لم تكن تستطيع، ولا تريد، فهمهم. كانت وضعت كامل ثقتها في جبهة المناشفة والاشتراكيين الثوريين الموحدة، وكانت على استعداد في كل لحظة للدفاع عنها بقوة السلاح ضد البرجوازية. لكن في غضون ذلك، كانت أحزاب الجبهة المتحدة، وقد ظفرت بثقة الشعب، تدعو الحزب البرجوازي إلى السلطة وتختفي خلفه. إن الجماهير الثورية المنتفضة لا تغفر أبدا الجبن ولا الخيانة. اقنع عمال بطرسبورغ أولا، وبعدهم بروليتاريا البلد برمته، وبعد البروليتاريا الجنود، وبعد الجنود الفلاحون، اقتنعوا جميعا، بتجربتهم الخاصة، بأن البلاشفة كانوا على حق. هكذا، أصبحت حُفنة “العصبويين” و”المتآمرين”، و”عملاء آل هوهنزلرن”، الخ في بضعة أسابيع الحزبَ القائدَ لملايين الناس المُستيقظين. الوفاء للبرنامج الثوري، والعداء اللدود للبرجوازية، والقطع التام مع الاشتراكيين الوطنيين، والثقة العميقة في قوة الجماهير الثورية، تلك دروس أكتوبر الرئيسية.

أثارت الصحافة كلُّها، حتى جرائدُ المناشفة والاشتراكيين الثوريين (نشير، تفاديا لكل سوء فهم، إلى أن هذا الحزب لم تكن له أي علاقة بالاشتراكية الثورية)، حملةً خادعة، لا سابق لها في التاريخ مطلقا، ضد البلاشفة. آلاف مُؤَلفةٌ من أطنان ورق الجرائد مملوءةُ بتقارير مفادها أن البلاشفة مرتبطون بالشرطة القيصرية، ويتلقون حمولات ذهب من ألمانيا، وأن لينين مختبئٌ في طائرة ألمانية،الخ. وغمر سيل الأكاذيب هذا الجماهير في الأشهر التالية لفبراير. وهدد بحارةٌ وجنودٌ أكثر من مرة بتسفيد لينين والقادة البلاشفة الآخرين بالحراب. وبلغت حملة الافتراء ذروتها في يوليو 1917. وقد أرعب ضغطُ الرأي العام هذا عديدا من المتعاطفين، وأنصافهم، لاسيما من المثقفين. كانوا يقولون:” لا شك أن البلاشفة ليسوا عملاء لآل هوهنزلرن، لكنهم عصبويون، ويفتقرون إلى الكياسة، ويستفزّون الأحزاب الديمقراطية، يستحيل العمل معهم”. هذه مثلا النبرة التي فاضت بها جريدة مكسيم غوركي اليومية الكبيرة(5)، التي كان يتجمع حولها كل أنواع الوسطيين، وأنصاف البلاشفة وأنصاف المناشفة، اليساريين جدا نظريا، لكن المرعوبين جدا بخوف القطع مع المناشفة والاشتراكيين الثوريين. لكن الأمر قانون: كل من يخاف الاشتراكيين الوطنيين يصبح حتما عميلا لهم.

في غضون ذلك، كانت تجري داخل الجماهير سيرورة معاكسة تماما. بقدر ما تفقد أوهامها حول الاشتراكيين الوطنيين، الذين يخونون مصالح الشعب باسم صداقتهم مع الكاديت، بقدر ما تُنصتُ باهتمام لخطابات البلاشفة، ويزداد اقتناعها بأنهم على حق. بات جليا، للعامل في معمله، وللجندي في خندقه، وللفلاح الجائع، أن الرأسماليين وخدامهم يفترون على البلاشفة بالضبط لأن البلاشفة مخلصون بصلابة لمصالح المضطهدين. فتحوّل سخط الجندي والبحار على البلاشفة يوم أمس إلى إخلاص متحمس وعزم نزيه على السير تحت قيادتهم حتى النهاية. وبالعكس، انتقل حقد الجماهير على حزب الكاديت حتما إلى حلفائهم المناشفة والاشتراكيين الثوريين. لم ينقذ الاشتراكيون الوطنيون الكاديت بل تلاشوا هم أيضا. وجعلت القطيعة النهائية في الحالة الذهنية للجماهير، التي حدثت في ظرف شهرين او ثلاث أشهر (أغسطس- سبتمبر)، انتصار أكتوبر ممكنا.

قد يقول السادة المتشككون:” لكن في نهاية المطاف، أدت ثورة أكتوبر إلى انتصار البيروقراطية. فهل يستحق ذلك العناء؟”

يجب تخصيص مقال خاص وربما مقالين، لهذه المسألة. نقول هنا بإيجاز: لا يتقدم التاريخ وفق خط مستقيم، بل بانحرافات. فبعد وثبة هائلة إلى أمام، كما يرتد المدفع بعد طلقة، ثمة دوما تراجع. ومع ذلك يسير التاريخ قُدماً. لا ريب أن البيروقراطيةَ قُـرحةٌ بشعةٌ تهدد في الآن ذاته مكاسب ثورة أكتوبر والبروليتاريا العالمية. لكن الاتحاد السوفياتي يملك، فضلا عن الحكم البيروقراطي المطلق، شيئا آخر؛ وسائل إنتاج مُؤمّمَة، واقتصادا مخططا، وتجميعا للزراعة، التي تقود البلد، رغم آفة النزعة البيروقراطية المسخية، إلى أمام على الصعيد الاقتصادي والثقافي، فيما تتراجع البلدان الرأسمالية. لا يمكن تحرير ثورة أكتوبر من النزعة البيروقراطية سوى بتطور الثورة العالمية، التي سيؤمن انتصارها بالفعل بناء مجتمع اشتراكي.

أخيرا، والأمر لا يخلو من دلالة- تكتسي ثورة أكتوبر أهمية أيضا لأنها أعطت الطبقة العاملة العالمية دروسا عديدة لا تقدر بثمن. فليتعلمها الثوريون البروليتاريون بفرنسا بعزم، وسيصبحون غير قابلين للهزم.

ترجمة: جريدة المناضل-ة

المصدر:

Trotsky. Œuvres Tome 7 –Octobre 1935-Decembre1935.Paris EDI 1980

P.62 à 67

===========

إحالات

صدر هذا المقال بجريدة رِڤُـلسيون (ثورة) عدد4-7 ديسمبر1935. رڤلسيون جريدة منظمة الشباب الاشتراكي في لاسين، وهي ستصبح منظمة الشباب الاشتراكي الثوري.
فريد زليرFred Zeller (ولد عام 1912)، طالب فنون جميلة، كان أمين منظمة وفاق الشباب الاشتراكي في لاسين، ومحرك اتجاه “الشباب الاشتراكي الثوري” عندما طُرد في كونفرانس ليل Lille مع إثني عشر من رفاقه. زار تروتسكي في هِنفوسHønefoss. بالنرويج، مساعدا إياه في عمله ومواصلا معه نقاشات مديدة. كان تروتسكي يخشى تفجر الأزمة داخل الفرع الفرنسي ويبحث عن عناصر جديدة للاستناد عليها. نلاحظ الجهد البيداغوجي الخاص في هذا المقال لشرح تطور الثورة الروسية، ومن أجل استخلاص،عبر هذا التحليل، استنتاجات حول وضع اللحظة؛ لاسيما ضرورة إدراك الثوريين الدلالة المضادة للثورة في سياسة الجبهة الشعبية.
آل هوهنزلرن سلالة بروسية حكمت ألمانيا منذ العام 1871، وكان غيوم الثاني، المتنحي عام 1918، آخر ممثليها على العرش.
الكاديت هو الحزب الدستوري الديمقراطي
مكسيم پِشكوف، المدعو غوركي (1868-1936)، روائي روسي. كان بلشفيا، وابتعد عن لينين في حقبة الثورة، وكان يدير في أكتوبر 1917 جريدة نوڤايا جيزن، المنشفية اليسارية الساعية إلى “التجميع”.



تعليقات الفيسبوك