التشكيلة الاجتماعية العراقية وتغيرات بنيتها الطبقية


لطفي حاتم
2019 / 9 / 23 - 15:08     

التشكيلة الاجتماعية العراقية وتغيرات بنيتها الطبقية

-- مرت التشكيلة الاجتماعية بتغيرات عديدة تبعا لطبيعة المرحلة الاجتماعية وتبدلاتها الاقتصادية التي فرضتها النظم الاستبدادية المتعاقبة على توجهات الاقتصاد العراقي.
--وتبعا لتلك التغيرات الاقتصادية – السياسية تبدلت مهام الطبقات الاجتماعية لمناهضة سياسات النظم السياسية وما رسمته من برامج اقتصادية ونهوج ديكتاتورية لسلطة الدولة العراقية.
_- وطبقا لتلك التبدلات الاقتصادية – الاجتماعية اختلفت اشكال ومضامين الكفاح الوطني للقوى الديمقراطية واليسار الاشتراكي.
-- استنادا الى تلك التحولات نحاول التوقف عند المهام الوطنية للقوى السياسية الفاعلة في المراحل التاريخية المختلفة التي تعاقبت على الدولة العراقية وتشكيلتها الاجتماعية.
أولا --مرحلة الهيمنة الكولونيالية
تميزت مرحلة الهيمنة الكولونيالية بتعدد مهام الكفاح الوطني الديمقراطي المستند الى أهمية استقلال الدولة وصيانة وحدتها الوطنية وبهذا المسار تصدرت الطبقة العاملة وحزبها السياسي مهام الكفاح الوطني- الديمقراطي المتمثل بإنهاء الهيمنة الكولونيالية وتحقيق الاستقلال الوطني ويعود ذلك الى تمركز -الطبقة العاملة- في المؤسسات الإنتاجية والخدمية التي توسعت لحاجة الكولونيالية البريطانية لتلك المؤسسات لغرض استيراد النفط وتصديره وتوريد المنتجات الأساسية للصناعة البريطانية.
ثانيا-- ثورة تموز الوطنية والجمهورية الأولى –
-- تكلل الكفاح الوطني للأحزاب السياسية الوطنية بنشوء جبهة الاتحاد الوطني وتواصلها مع الضباط الأحرار في المؤسسة العسكرية بثورة تموز الوطنية فاتحت الطريق امام القوى الوطنية للمساهمة في تحديد مسارات التطور الوطني- الديمقراطي اللاحق لسلطة الثورة الوطنية.
-- افضت العقلية العسكرية وسيادة النهوج الفردية لقيادة الحكم الوطني في العراق ونشاط القوى اليمينية القومية الهادف الى استلام السلطة السياسية واستخدامها القوة ضد أحزاب تشكيلة العراق الاجتماعية-- السياسية وما نتج عن ذلك من شيوع الاستبداد في سياسة الحكم الوطني الامر الذي أدى الى انهيار الجمهورية الأولى وضياع مكاسبها الوطنية.
ثالثا- الجمهورية الثانية وسيادة الإرهاب السلطوي
-- افضى انهيار ثورة تموز الوطنية الى انهيار الجمهورية الأولى وما نتج عن ذلك من انفلات سياسي وإرهاب دموي طال أحزاب ومكونات التشكيلة الاجتماعية الوطنية حيث عاشت الدولة العراقية في دوامة من التغيرات السياسية مصحوبة بتبدلات في طبيعة القوى المناهضة والمؤيدة للحكم الدموي الجديد وبهذا المنحى تراجع كفاح القوى الوطنية والديمقراطية بعد إشاعة الإرهاب في نهوج الحكم الانقلابي الذي حول الدولة العراقية الى سلطة إرهابية عملت على تدمير مكونات الشعب العراقي عبر انقلابات عسكرية تكللت بظهور قيادة عسكرية بعد اقصاء قيادة البعث المثقلة بالدمار والخراب والارهاب ضد مكونات الدولة العراقية ومنظومتها السياسية .
- تنبى حكام الجمهورية الثانية القوميين بناء اقتصاد وطني مستمد من التجربة الناصرية والتي أدت – الإجراءات الاقتصادية - الى وضع الطبقة العاملة تحت سيادة سلطة الدولة هادفين- الحكام العسكريين - الى ترويضها وتحجيم قيادتها السياسية استناداً الى تخويل جهاز الدولة البيروقراطي بالأشراف على القطاع العام والعملية الإنتاجية الوطنية.
التغيرات الاقتصادية الوطنية وسير تطورها أحدثت تغيرات طبقية كثيرة يتقدمها–
1 – أفضى تأميم القطاعات الإنتاجية– الخدمية الأساسية الى وضع الطبقة العاملة تحت إشراف الدولة واجهزتها الإدارية -الأمنية وما نتج عن ذلك من بناء تنظيمات عمالية حكومية بديلة عن النقابات العمالية في البلاد.
2 – حاولت السلطات العسكرية الجديدة ترويض الطبقات لاجتماعية الأخرى عبر مسارين أولهم وضع القطاع العام وقواه العمالية المنتجة تحت رعاية السلطة السياسية. وثانيهم تحجيم فعالية القطاع الخاص الانتاجية ومراقبة انشطته السياسية لضمان عدم مناهضته السلطة السياسية.
-- تفتيت وحدة كفاح الطبقة العالمة المطلبي والسياسي بعد انقسامها على قطاعات إنتاجية -عامة وخاصة محاطة برقابة امنية –سياسية.
--الايهام برعاية الدولة لمصالح الطبقة العاملة وتطمين حقوقها الاقتصادية بهدف تجريدها من نضالاتها الطبقية وقيادتها الوطنية.
-- تحجيم الكفاح الطبقي المناهض لسياسة الدولة الإرهابية ناهيك عن ترابط القوى البعثية مع عناصر قيادية في المؤسسة العسكرية أفضيا الى اسقاط القيادة العسكرية القومية من قيادة الدولة وعودة البعث للسلطة السياسية في الجمهورية الثانية.
رابعا-- الجمهورية الثانية والتغيرات الطبقية
-- أدى استلام البعث للسلطة السياسية في المرة الثانية الى كثرة من الإجراءات الاقتصادية – السياسية المترابطة واستمرار النهج الارهابي المعادي للديمقراطية السياسية ومحاربة الأحزاب الوطنية والانفراد بقيادة السلطة السياسية.
-- السلطات البعثية الجديدة وبهدف التخفيف من تاريخها المثقل بالإرهاب والاضطهاد السياسي حاولت اقناع القوى السياسية خاصة الاشتراكية منها بنهجها الجديد المرتكز على بناء تحالفات وطنية مرتكزة على برامج سياسية مباركة من قبل الأطراف الوطنية.
-- لغرض كسب تأييد القوى الوطنية الديمقراطية والاشتراكية عمدت سلطة البعث الى احداث تغيرات في سيادة الدولة على ثرواتها الوطنية خاصة النفطية منها وكذلك دعوتها لبناء دولة --الاشتراكية العربية-- عبر قيامها بإجراءات اقتصادية اجتماعية بهذا السبيل.
-- القوى الاشتراكية -الديمقراطية حاولت التريث لغرض دراسة الإجراءات الاقتصادية – السياسية الجديدة قبل إضفاء الشرعية الوطنية عليها وهكذا نشأ التحالف الوطني الجديد على اساس برنامج اقتصادي – سياسي- اجتماعي مشترك مسند بموافقة القوى الاشتراكية -الديمقراطية على زعامة البعث السياسية لسلطة الدولة والمجتمع.
-- تلازمت مرحلة الجبهة الوطنية التقدمية في الدولة العراقية وسمتين بارزتين–
1-- قيام سلطة البعث بإجراءات اقتصادية –اجتماعية تقدمية لصالح تطور الدولة العراقية وتشكيلتها الاجتماعية.
2-- ترابط الإجراءات التقدمية مع الإرهاب الشامل والتخريب السلطوي ضد أطراف التحالف اليسارية والديمقراطية وما نتج عن ذلك من انفراط التحالف الوطني وانخراط اليسار الديمقراطي في مواجهة الديكتاتورية المناهضة لليسار الاشتراكي والقوى الديمقراطية.
-- انتقال السلطة الدكتاتورية الى الارهاب الشامل تلازم وشن الحروب المدمرة ضد الشعب الكردي ناهيك عن احتلال الجارة الكويت وما نتج عن ذلك من نجاح الولايات المتحدة بتشكيل تحالف دولي مناهض للسلطة الديكتاتورية في العراق.
-- أدى اسقاط السلطة السياسية في العراق بقوة خارجية الى ظهور مجلس الحكم العراقي الذي ضم أطراف سياسية وطنية وأخرى قومية فضلاً عن أطراف طائفية برعاية خارجية.
-- تميز مجلس الحكم في العراق المبارك امريكياً بصبغة طائفية – عرقية مستبعدا التقسيمات الاجتماعية الطبقية المتمثلة بأحزابه الوطنية الامر الذي مهد الطريق الى بروز الطائفية السياسية وتحكمها في بنية البلاد السياسية.
خامسا الجمهورية الثالثة وسماتها الطائفية
تميز العهد الجمهوري الثالث بسيادة الطائفية السياسية في التشكيلة الاجتماعية العراقية الامر الذي يشترط تأشير بعض التغيرات الحاصلة في التشكيلة السياسية العراقية وبنيتها السياسية ---
أولا - انقسام التشكيلة الاجتماعية العراقية الى ثلاث قوى اجتماعية- سياسية أولهما أحزاب سياسية طائفية تمثل مصالح البرجوازية الكمبورادورية وبعض شرائح البرجوازية المالية تسعى الى تقاسم أجهزة الدولة طائفيا. وثانيهما أحزاب سياسية قومية تهدف الى تقاسم سلطة الدولة على أسس قومية. آخرهما أحزاب سياسية وطنية تسعى الى اعتماد الوطنية – الديمقراطية في بناء أجهزة الدولة العراقية.
ثانيا – مباركة الاحتلال الأمريكي لقوى الطائفية السياسية افضى الى رعايتها وهيمنتها على البنية الاجتماعية للدولة العراقية بعد سقوط سلطة الاستبداد ونظامها السياسي.
ثالثاً – انتجت هيمنة الطائفية السياسية على أجهزة الدولة المختلفة كثرة من المخاطر تمثلت بالعديد من الظواهر السياسية – الاجتماعية في التشكيلة الاجتماعية العراقية يتصدرها --
1 – حيازة أحزاب الطائفية السياسية على فصائل شعبية مسلحة تشكل أداة للنزاعات الاهلية وتحمل مخاطر تقسيم الدولة العراقية الى كانتونات طائفية.
2 – اضعاف مراكز الدولة الرئيسية --المؤسسة العسكرية والقوى الأمنية - بسبب انتشار السلاح بيد فصائل مسلحة وما ينتجه ذلك من تعرض وحدة البلاد الى الإحتراب والتشظي الوطني.
3 –الطائفية السياسية تدافع بقوة السلاح عن مصالح الطبقات الفرعية - البرجوازية الكمبورادورية والبرجوازية الربوية - وما ينتجه ذلك من اصطفافات سياسية مع الخارج المعولم الهادف الى تهميش الدولة العراقية وتشكيلتها الاجتماعية.
رابعاً – كرست الشرعية الانتخابية عدم التزام الأحزاب الطائفية بدستور الدولة المعتمد باعتباره القانون الأساس الناظم لتشكيلة العراق الوطنية وحقوق المواطن السياسية الاقتصادية.
4 – أفضى عدم الالتزام بدستور الوطني الى سيادة شرعيتان في بنية الدولة السياسية أحدهما شرعية انتخابية كرست حكم أحزاب الطائفة السياسية وأخرى شرعية ديمقراطية انتخابيه مرتكزة على برامج وطنية ديمقراطية معتمدة من قبل الأحزاب الوطنية والاشتراكية.
اعتمادا على الموضوعات الفكرية – السياسية المثارة فان الخروج من ازدواجية الشرعتين الشرعية الانتخابية والديمقراطية تتطلب بناء تحالف سياسي -- اجتماعي جديد يرتكز على المساند الفكرية – السياسية التالية –
أولا – تحديد أساليب الكفاح الوطني الديمقراطي السلمي الهادف الى تحجيم التبعية والتهميش التي تسعى اليها الرأسمالية الامريكية والأحزاب الطائفية.
ثانيا – إقامة تحالف وطني ديمقراطي يعتمد الوطنية الديمقراطية اطارا لتحركه السياسي مرتكزا على تحالف الطبقات الاجتماعية الفاعلة في التشكيلة العراقية.
ثالثا—يرتكز التحالف السياسي الوطني -الديمقراطي على توافق شرائح البرجوازية الوطنية والصغيرة مع الطبقة العاملة وشغيلة الريف على مكافحة التهميش والهيمنة الرأسمالية الخارجية.
رابعا – مكافحة التبعية والتهميش التي تحملها الطبقات الفرعية البرجوازية الكمبورادورية والمالية المتلحفة بالطائفية السياسية الهادفة الى تحويل الدولة العراقية الى أقاليم طائفية تستهدف البنية الوطنية للشعب العراقي.
خامساً – اعتماد الموازنة القومية في بناء شكل الدولة الفدرالي ومكافحة ميول الانفصال التي تسعى لها بعض القوى القومية والهادفة الى تقسيم وتفتيت الدولة الفدرالية.
خلاصة القول ان الموضوعات الفكرية --السياسية المشار اليها تشكل رؤية ساندة لبرنامج الوطنية - الديمقراطية يساعد القوى اليسارية واالاحزاب الديمقراطية على تحديد مسار كفاحها الوطني مشيرا الى ان الرؤية السياسية – الفكرية المثارة قابلة للإغناء والتدقيق والاثراء من قبل الكتاب الديمقراطيين الهادفين الى تحويل الدولة العراقية الى دولة وطنية ديمقراطية تساهم في المجالين الإقليمي المناهض للتكتلات العسكرية والوطني القادر على مكافحة التهميش والتفتيت التي تنتهجها الرأسمالية المعولمة إزاء الدول الوطنية.



تعليقات الفيسبوك