حول المادية الجدلية


خليل اندراوس
2019 / 9 / 21 - 13:57     

1
خلال العصر الوسيط طور المؤرخ المسلم ومؤسس علم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون المنهج الجدلي في التعامل مع النصوص التاريخية لتمحيصها وتجردها من الاساطير والخرافات باعمال العقل والمنطق ومقارعة الرواية وبالرواية والحجة، واستمر هذا الفهم سائدا بشكل عام في العصر الوسيط حيث كانت الجدلية او "الديالكتيكا" تعني المنطق الشكلي (أي جدلية او ديالكتيك في الفلسفة الكلاسيكية هو الجدل او المحاورة او تبادل الآراء والحجج والجدال بين طرفين دفاعا عن وجهة نظر معينة ويكون ذلك تحت لواء المنطق ذلك المستوحى من تحليلات ارسطو). وقد كانت مسجلة ضمن الـ تريفيوم الجامعي، أي خارج ما كان يصطلح على تسميته بالفلسفة، مرافقة للنحو والصرف وعلم البلاغة. عادت الجدلية على يد هيغل لتكتسب معنى فلسفيا جديدا وعميقا فهيغل مؤسس المثالية المطلقة جعل منها قانونا يجدد مسيرة الفكر والواقع عبر تفاعلات النفي المتتالي للطريحة والنقيضة وحل اشكاليات المتناقضات القائمة من خلال الارتقاء الى الشميلة تلك التي سرعان ما يجري تجاوزها هي الاخرى، ومن نفس المنطلق، وهكذا يتحول "الفعل السلبي" ليصبح جزءا من الصيرورة، الامر الذي يجعله، وفق هيغل محركا للتاريخ وللطبيعة وللفلسفة.

ويقبل ماركس وانجلز جدلية هيغل، لكن بعد "انزالها من السماء الى الارض" فيطبقانها على دراسة الظواهر التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، لأن الروح او الفكرة ليست هي التي تحدد الواقع، انما العكس، وطوّر لينين المادية الجدلية لاحقا واصبحت منظومة فكرية شبه متكاملة. يعتبر الديالكتيك الاساس الذي تبنى عليه الفلسفة الماركسية بمعنى ان الجدل الذي يوصل الى النظريات والقواعد التي تحكم عملية التطور في الطبيعة والمجتمع وهناك اربع سمات رئيسة للمنهج الجدلي الماركسي.

الميزة الاولى – هي بان المنهج الجدلي الماركسي لا ينظر الى الطبيعة باعتبارها مجرد ركام من اشياء، يوجد كل منها مستقلا عن الآخر وانما هو يعتبر الاشياء "مرتبطة وتابعة ومحددة ببعضها البعض" ومن هنا فانه يرى انه لا يمكن فهم شيء اذا ما اخذ وحده، معزولا وانما يجب فهمه في العلاقة التي لا تنفصم بغيره من الاشياء.

الميزة الثانية للمنهج الجدلي الماركسي هو اعتبار كل شيء في حالة من الحركة والتغير المستمرين، من التجدد والتطور، حيث يوجد دائما شيء صاعد ومتطور وشيء يتحلل ويفنى. ومن هنا ينظر الى الاشياء لا من زاوية علاقاتها المتبادلة واعتمادها بعضها على البعض فحسب، بل كذلك من زاوية حركتها وتغيرها وتطورها وميلادها وفنائها.

الميزة الثالثة للجدل الماركسي بانه لا ينظر الى عملية التطور على انها عملية بسيطة من النمو بل على انها تطور يمر من التغيرات الكمية الى التغيرات الكيفية، التي تحدث فجأة متخذة شكل الوثبة او الثورة من حالة الى اخرى، ومن هنا فانه يعتبر التطور حركة صاعدة وانتقالا من الحالة الكيفية القديمة الى حالة كيفية جديدة تطورا من البسيط الى المعقد، من الادنى الى الاعلى.

والميزة الرابعة للفلسفة الجدلية هي تحديدها بان عملية التطور من الادنى الى الاعلى تحدث كتكشف للتناقضات الكامنة في الاشياء.. كصراع للاتجاهات المتضادة التي تعمل على اساس هذه التناقضات.

الفلسفة الجدلية الماركسية عند دراستها وممارستها بمعرفة وادراك وبشكل صحيح ومدروس ومتفاعل مع التغييرات الموضوعية في عملية تطور المجتمع تساعدنا على تجنيد ليس فقط الطبقة العاملة لا بل جماهير الشعب الواسعة من اجل تسيير وقيادة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية نحو احداث تغييرات ايجابية تقدمية كمية تتراكم من اجل احداث الثورة الاجتماعية مستقبلا. والمادية التاريخية هي امتداد لمبادئ المادية الجدلية الديالكتيكية من اجل دراسة الحياة الاجتماعية بمفاهيم ثورية، لأنها تكشف عن الاساس الموضوعي المادي الجدلي لمجمل الحياة الاجتماعية وتبين جوهر تطور المجتمع الانساني وتدرس وتفسر قانونيات التاريخ العالمي والمنهج المادي الجدلي، يتطلب ان لا ندرس الاشياء والاحداث والمتغيرات كلا على حدة، بل ان ندرسها دائما في علاقاتها المتبادلة بغيرها من الاشياء والاحداث، في علاقاتها بالظروف الواقعية، وليس بعيدا عن هذه الظروف الواقعية وهذا المبدأ يجب ان تكون له اهمية اساسية لحركة الطبقة العاملة ولكل شرائح المجتمع المضطهدة من اجل وضع برنامج ومسائل السياسة الاولية. وأي قائد عمالي يتبنى الفكر الجدلي الماركسي عليه ان لا يقرر كل مسائل السياسة على اساس "المبادئ العامة" وحدها دون ان يُدخل في حسابه الظروف الواقعية التي عليه ان ينفذ سياسته فيها دون ان يدرك ان السياسة نفسها يمكن ان تكون صحيحة في احدى الحالات وخاطئة في حالات اخرى، تبعا للظروف المحددة لكل حالة، وهكذا يقول لينين:

"وبالطبع، ففي السياسة، حيث يجب في بعض الاحيان معالجة علاقات معقدة للغاية – قومية ودولية – بين الطبقات والاحزاب.. يكون من الحماقة ان نعد وصفه او قاعدة عامة تستخدم في كل الاحوال، فلا بد ان يكون للمرء من العقل ما يمكنه من تحليل الوضع في كل حالة خاصة" (لينين الشيوعية اليسارية – الفصل الثامن) وهنا لا بد ان نؤكد بان فهم الاشياء والتغييرات والاحداث في ظروفها وعلاقاتها المتبادلة لا ينفصل عن فهمها في حركتها وتغيرها، لأن العلاقات الحقيقية بين الاشياء والتغييرات والاحداث والطرق التي تؤثر بها في بعضها البعض تبدو في حركتها، في عمليات ميلادها وتوقفها عن الوجود والمعالجة الجدلية الديالكتيكية اساسية في كل نوع من انواع العلوم، لأن العلوم تكشف العلاقات بين الاشياء والاحداث والمتغيرات في عمليات التغيير التي تكتسب فيها الاشياء مختلف الخصائص وتغير خصائصها.

وعند دراسة الاشياء والاحداث في حركتها، وفي تغيرها وفي ميلادها وفنائها اهمية هائلة لا للعلوم الطبيعية وحدها بل في الاحداث والتطورات الاجتماعية وفي فهم وممارسة العمل الثوري، لذلك من الضروري دائما ان نولي اهتمامنا لما هو جديد، ما هو صاعد ونام – وليس الى ما هو موجود في اللحظة الراهنة فحسب وانما لما يولد بعد، وهذا الاهتمام يجب ان يتعلق ايضا بالافراد، يجب ان نحتضن ونبني ما يولد فيهم من خلال ممارستهم النضالية الثورية ونرى فيهم ما هو صاعد ومتحرك الى الامام وهذا ما يجب ان يفعله أي حزب او تنظيم ثوري منظم بشكل جيد. ان المبدأ الاكثر اساسية في المنهج الجدلي هو ان ندرس الاشياء والاحداث في علاقتها المتداخلة وحركتها المحددة.

يتصور البعض بان الجدل الماركسي خطة متصورة من قبل، يجب ان تتلائم كل الاشياء داخل نموذجها، وهذا التصور مضاد تماما لحقيقة الجدل، فاستخدام المنهج الجدلي الماركسي لا يعني اننا نطبق خطة متصورة من قبل، يجب ان تتلاءم كل الاشياء داخل نموذجها وهذا التصور مضاد تماما لحقيقة الجدل، فاستخدام المنهج الجدلي الماركسي لا يعني اننا نطبق خطة متصورة من قبل ونحاول ان نجعل كل شيء يتلائم داخلها، كلا، انه يعني اننا ندرس الاشياء كما هي عليه حقا في علاقاتها المتداخلة وحركتها الحقيقية. قال لينين: "ان اكثر الاشياء جوهرية في الماركسية هو التحليل المحدد للظروف المحددة (لينين الاعمال الكاملة المجلد 31 صفحة 43) وهذا ما اكده لينين المرة بعد الاخرى واعلن انه "القضية الاساسية للجدل". وقال لينين: ان "الجدل الحقيقي يتقدم" "عن طريق التحليل التفصيلي الدقيق للعملية بكل تحديدها، فالقضية الاساسية للجدل هي: انه لا توجد حقيقة مجردة، فالحقيقة دائما محددة" (لينين خطوة الى الامام وخطوتان الى الخلف، شيء عن الجدل").
وعندما نتحدث عن الحقيقة المحددة نعني بالدقة اننا لن نصل الى حقيقة الاشياء، سواء في الطبيعة او في المجتمع باكتشاف خطة عامة ما، صيغة مجردة ما، وانما بمحاولة اكتشاف ما هي القوى التي تعمل في كل عملية، وما هي علاقاتها بعضها ببعض وما هو صاعد ونام وما هو منها يموت وعلى هذا الاساس نصل الى تقدير للعملية ككل.

وحين ندرس أي عملية – سواء في الطبيعة او في المجتمع فسنجد دائما بانه يوجد تجدد وتطور، حيث هناك دائما شيء صاعد ومتطور وشيء متحلل ويموت وحين يصل الشيء الصاعد والمتطور الى النضوج، ويختفي نهائيا ما يتحلل ويموت حينئذ ينشأ شيء جديد. ولا تكرر العمليات دائما الدائرة نفسها من التغيرات وانما تتقدم من مرحلة الى اخرى مع نشوء شيء جديد باستمرار، وهذا هو المعنى الحقيقي لكلمة "تطور" فنحن نتحدث عن "التطور" حيث ينشأ شيء جديد مرحلة بعد مرحلة. وهكذا فهناك فرق بين التغير وبين التطور، فالتطور تغير يتقدم وفقا لقوانينه الداخلية من مرحلة الى مرحلة.

2
عثر العاملون في المعهد الدولي للتاريخ الاجتماعي عام 1962 في امستردام على ثلاث صفحات غير المعروفة من قبل، من مخطوطة "الايديولوجية الالمانية" وتم نشرها لأول مرة ومن بينها، كما ثبت فيما بعد الورقة الاولى من مخطوطة ماركس وانجلز، قام مؤلفا "الايديولوجيا الالمانية" في بداية بحثهما بمعارضة الخيالية المثالية للهيغليين الشباب بالنظرية المادية المنسجمة فيما يتعلق بشروط التحرير الفعلي للناس، ان الاستنتاج الشيوعي لماركس وانجلز يستند مباشرة على الفهم المادي الجديد للتاريخ. انهما يؤكدان بان "التحرير الفعلي لا يمكن ان يتم الا في العالم الفعلي وبالوسائل الفعلية.. وعموما لا يمكن تحرير الناس الا بعد ان يصلوا الى حالة التأمين الكلي من الناحية النوعية والكمية للغذاء والشراب، المسكن والملبس لأنفسهم و"التحرير" قضية تاريخية وليس قضية فكرية والعلاقات التاريخية هي التي تقود اليه.."

ويطرح السؤال ما هي هذه العلاقات التاريخية؟ وما هي الحقائق الموضوعية المتطورة تاريخيا والتي تكوِّن المقدمات والشروط وامكانية وحتمية التحرير الفعلي للناس؟ ان ماركس وانجلز مستندين على الفهم المادي للتاريخ، قد اعطيا في "الايديولوجية الالمانية" جوابا علميا مبرهنا على هذه المسألة، ففي "الايديولوجية الالمانية" اوضح ماركس وانجلز لاول مرة الشروط المادية للثورة الشيوعية، وبخط ماركس كتب ذلك القسم من النص الذي صيغت فيه لاول مرة الموضوعة الاساسية لنظرية الثورة الشيوعية هي موضوعة حول الشرطين الماديين للتغيير الشيوعي في المجتمع. ان ماركس يضيف الى النص المكتوب سابقا اضافة في موضع من المخطوطة حيث جاء الحديث حول "تغريب" النشاط الاجتماعي، أي عن تلك الظاهرة حين يخرج نشاط الناس الخاص من تحت سيطرتهم ويتحول الى ما يشبه قوة مستقلة تتعارض معهم وتسيطر عليهم، ومثل هذا "التغريب" للنشاط الاجتماعي نتيجة التطور العفوي للمجتمع "هو واحد من اهم النقاط في كل التطور التاريخي السابق" وهكذا يصوغ ماركس الشروط التي يصبح من الممكن معها تحطيم مثل هذا "التغريب" ويشير الى الشروط المادية الضرورية للتحول الشيوعي في المجتمع: "هذا التغريب" اذا اردنا التحدث بلغة يفهمها الفلاسفة، لا يمكن القضاء عليه بالطبع الا بتوفير شرطين عمليين، ولكن يصبح "التغريب" قوة "لا تطاق"، أي قوة تقوم الثورة ضدها، فمن الضروري ان يتحول هذا "التغريب" الجمهرة الاساسية من البشرية الى ناس "فاقدي الملكية"، تماما وفي الوقت نفسه مناهضين للعالم القائم والمالك للثروة والتعليم، وهذا الشرطان يفترضان النمو الهائل للقوى المنتجة والدرجة العالية لتطورها، ومن الجهة الاخرى، فان تطور القوى المنتجة ها... انما هو تمهيد عملي ضرور كليا، لأن انعدامه لا يعني الا الانتشار العام للفقر، وعند الحاجة القصوى سيكون من المحتم ان يبدأ حتى النضال من اجل الحاجات الضرورية..." (الفصل الاول من كتاب "الايديولوجية الالمانية" ص 45 – 46).

ويطرح السؤال، ما هي الشروط المادية للثورة الشيوعية؟ الشرط الاساس هو الدرجة العالية لتطور القوى المنتجة ويرتبط معها بالضرورة الشرط الثاني – تجمع البروليتاريا وتكوين الطبقة العاملة الثورية. وهذا الشرطان لم تصل روسيا قبل ثورة اكتوبر الى النمو الهائل للقوى المنتجة، وبعد الثورة جرى تهميش الطبقة العاملة من خلال البيروقراطية الفاسدة للسلطة ومن خلال فشل التطور الاقتصادي للاتحاد السوفييتي وهنا اذكر ما قاله ليني بانه لا يمكن للاشتراكية ان تنتصر على الرأسمالية الا اذا اصبحت انتاجية المجتمع الاشتراكي ضعفي انتاجية المجتمع الرأسمالي. وهذا يعني التطور الهائل للقوى المنتجة والدرجة العالية لتطورها الى جانب وجود دور فاعل ومؤثر وثوري للطبقة العاملة وهذا لم يكن في الاتحادي السوفييتي بسبب ما قلته سابقا تهميش الدور الفاعل للطبقة العاملة بسبب بيروقراطية الحزب والسلطة في الاتحاد السوفييتي.

وهنا اعود واذكر ما قاله ماركس وانجلز حول تضاد الافكار المادية والمثالية، في الفصل الاول من كتاب الايديولوجية الالمانية، واثناء عرض الاستنتاجات الناتجة عن الفهم المادي للتاريخ نجدهما يعودان ثانية الى مسألة شروط الثورة وفي هذه المرة يصوغانها بدقة اكثر: و"اخيرا – نصل ايضا الى الاستنتاجات التالية من المفهوم الذي طورناه للتاريخ: الى ان القوى المنتجة في تطورها تصل الى تلك الدرجة، التي تظهر فيها القوى المنتجة ووسائل الاختلاط الجالبة معها في ظل العلاقات الموجودة، المآسي وحدها، وهي لذلك لم تعد قوى منتجة بل محطمة.. وفي الوقت ذاته تبرز الطبقة المضطرة لحمل جميع اعباء المجتمع وغير المستفيدة من خيراته، وقد لفظها المجتمع (تغريب الجمهرة الاساسية من البشرية د.خ) ستصبح حتما في تناقض حاسم وحاد مع طبقة رأس المال بالاساس ومع جميع الطبقات الاخرى، هذه الطبقة تكون اكثرية مجموع اعضاء المجتمع، ومنها ينطلق الوعي، الوعي الشيوعي بضرورة الثورة الجذرية.." (كتاب الايديولوجية الالمانية ص 49 – 50). وهنا اصبح من الواضح تماما ان هناك مقدمتين ماديتين اساسيتين للثورة الشيوعية، الاولى، ان القوى المنتجة تصل في تطورها الى تلك الدرجة التي تتحول فيها الى قوى محطمة، والثانية البروليتاريا، الطبقة العاملة الثورية التي "تكون اكثرية مجموع اعضاء المجتمع".

وهاتان المقدمتان الماديتين الاساسيتين للثورة الشيوعية لم تصلا الى تلك الدرجة من التطور وهذا الامر بلا شك كان له تأثير سلبي على التجربة السوفييتية في بناء الاشتراكية. واثناء تلخيص ماركس وانجلز لنظريتهما المادية التاريخية يؤكدان مجددا على انه بدون هاتين المقدمتين الماديتين تكون الثورة الشيوعية مستحيلة: و"اذا لم تكن متوفرة هذه المكونات المادية للانقلاب العام وبالذات القوى الانتاجية المعينة من جهة، والجموع الثورية المتكونة من جهة اخرى.. فانه كما يثبت ذلك تاريخ الشيوعية، من اجل التطور العملي لا يحظى بأية اهمية واقع ان قيلت فكرة هذا الانقلاب مئات المرات" (الفصل الاول من كتاب "الايديولوجية الالمانية" ص52).

ان هذه المقاطع التي اوردناها يعود تاريخها الى الفترة ما بين تشرين الثاني وكانون الاول سنة 1845 وفي القسم المتأخر من المخطوطة والعائد الى آذار سنة 1846 يخفق ماركس وانجلز خطوة تالية الى الامام في تشخيصهما وتدقيقهما لتلك الدرجة من تطور القوى المنتجة التي يصبح فيها التحول الشيوعي في المجتمع ممكنا، انه ممكن في مرحلة الصناعة الكبيرة فقط وبشرط التطور العالي كفاية فيها. في مراحل معينة من تطور القوى المنتجة كانت الملكية الخاصة ضرورية، ولكنها في مرحلة الصناعة الكبيرة تتحول الى اغلال لها ولهذا ولمصلحة التطور التالي للانتاج يجب تحطيمها ولقد اصبح هذا بالامكان. "في الصناعة الكبيرة يصبح التناقض بين وسيلة الانتاج وبين الملكية الخاصة، لأول مرة نتاجا خاصا لهذه الصناعة، وميلاده يقتضي وصولها الى درجة عالية من التطور، وهكذا مع تطور الصناعة الكبيرة فقط يصبح بالامكان ايضا القضاء على الملكية الخاصة (كتاب الايديولوجية الالمانية ص 77 – 78). ان هذا الاستنتاج – المصاغ لاول مرة – عن تطور الصناعة الكبيرة كمقدمة مادية ضرورية للثورة الشيوعية، هو من اهم المواضيع الداخلة في صلب افكار الشيوعية العلمية، وقد هيأ له عمل انجلز في بحثه "حالة الطبقة العاملة في انجلترا".

يوجد في "الايديولوجية الالمانية" تفصيل اكثر مما هو في اعمال ماركس وانجلز السابقة في البرهنة على ضرورة وحتمية الثورة البروليتارية الشيوعية، برهنة مادية صرف. ان ضرورة تغيير العالم الموجود كانت قد نتجت عن المبادئ العامة للنظرية الماركسية الجديدة، وهذه الفكرة الاساسية تتطور في "الايديولوجية الالمانية" ايضا: "بالنسبة للمادي العملي، أي الشيوعي، تتركز المهمة كلها في تثوير العالم الموجود والانتفاض عمليا ضد ظروف الحالة الموجودة وتغييرها. (الايديولوجية الالمانية ص 56)

لا يمكن تغيير العالم الموجود بمساعدة النشاط النظري وحده، بل من الضروري تحويله الثوري العملي: "ان الثورة لا النقد، هي قوة التاريخ المحركة" (الايديولوجية الالمانية ص 52)، ان التحليل المادي للتاريخ قد قاد الى استنتاج هو ان الصدام بين القوى المنتجة والعلاقات الانتاجية يحتم ضرورة حله عن طريق الثورة الاجتماعية، والبروليتاريا التي خلفتها الصناعة والصناعة الكبيرة هي تلك القوة الموضوعية، تلك الطبقة الثورية التي تحقق التحول الشيوعي للمجتمع. النقطة الاولى سبق ان اوردنا وهي تناقض بين القوى المنتجة وعلاقات الانتاج ووجود طبقة البروليتاريا التي خلقتها الثورة الصناعية، هي تلك الطبقة الثورية التي تحقق التحول الشيوعي. اما النقطة الثانية فتعطى البرهان على ضرورة اسقاط الطبقة السائدة: "2- الظروف التي يمكن فيها استخدام قوى منتجة معينة، هي ظروف سيطرة طبقة اجتماعية معينة.. ولهذا فان أي نضال ثوري يوجه ضد الطبقة التي كانت لها السيادة من قبل"، ويضيف ماركس الى هذا النص ملاحظة في الهامش: "من مصلحة هؤلاء الناس الحفاظ على وضعية الانتاج الحالية". النقطة الثالثة تصيغ الفروق المبدئية للثورة الشيوعية عن جميع الثورات السابقة: تحطيم العمل كنشاط بقسر خارجي، تحطيم السيطرة الطبقية والطبقات نفسها.



تعليقات الفيسبوك