لنقد العلمي المادي لتجربة 30 غشت - الجزء الثاني : وثيقة - الثورة في الغرب العربي في المرحلة التاريخية من تصفية الإمبرايالية - نقد الوثيقة - الحلقة الثانية


الأماميون الثوريون
2019 / 9 / 20 - 04:50     

في تناولنا لهذه الوثيقة نعمل على ربطها بما سبق ذكره في الجزأين السابقين بالوقوف على أهم مضامينها التي تبين ما وصل إليه الفكر السائد لدى الماركسيين اللينينيين المغاربة آنذاك، الذي تأسست عليه الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية خاصة منظمة إلى الأمام، حتى يتبين لنا حجم القوى الفكرية الثورية المؤسسة لهذه المنظمة، التي اعتبرت نفسها نقيض التحريفية بالمغرب بعد انسحاب مناضليها من حزب التحرر والاشتراكية الصيغة التنظيمية المعدلة للحزب الشيوعي المغربي الموالي للحزب الشيوعي السوفييتي.

انطلاقا من الجزء الأول من العنوان "الثورة بالغرب العربي" تتضح مخلفات الفكر القومي العربي الذي سيطر على تصورات البورجوازية الصغيرة ب"أحزاب الحركة الوطنية" بالمغرب على غرار الأحزاب القومية البعثية والناصرية، والذي طبع تصورات الماركسيين اللينينيين بعد انسحابهم من هذا الحزب. الفكر الذي يعتبر عامل اللغة العربية عنصرا أساسيا في توحيد الشعوب المضطهدة من طرف "الدول العربية" التبعية للإمبريالية التي تتحكم في ثروات هذه الشعوب، على قاعدة نفي وجود هذه الشعوب بتعدد ثقافاتها واختلافها وتنوعها، مما جعل الأسس الأيديولوجية والسياسية لمنظمة إلى الأمام في تناقض تام مع أسس الصراع الطبقي نتيجة سقوط تصوراتها في هفوة القومية الشيء، الذي جعلها تتقاطع مع هذه الأحزاب وبالتالي مع الدولة التي أسستها على مبدأ "القومية العربية"، وهي كيانات صنيعة الإمبريالية في مرحلة الاستعمار القديم بهدف إدارة الاستعمار الجديدة تحت هيمنة البورجوازية التجارية/الكومبرادور الطبقة التي تأسست قبل الاستعمار القديم، وحليفها الملاكون العقاريون الكبار/المعمرين الجدد الذين خلفوا المعمرين الفرنسيين والإسبان وليس "الإقطاعيين الجدد" كما ورد في الوثيقة.

في البداية ودون مقدمات تناولت الوثيقة الوضع السياسي المحلي بالمغرب وسجلت "تصاعد" الحركة الاحتجاجية للفلاحين، العمال، الطلبة والتلاميذ واعتبرت ذلك مؤشرا نوعيا طبع نضالات الجماهير الشعبية في أفق تحقيق الثورة ب"الغرب العربي"، الاحتجاجات التي قادها الفلاحون بنضالاتهم التي عرفت "تطورا كيفيا في نضالات الفلاحين، مع نضالات فلاحي أولاد خليفة، الذين هبوا من أجل انتزاع أراضيهم من أيادي الإقطاعيين الجدد" كما جاء في الوثيقة، واحتجاجات العمال "الإضرابات ... والتوقفات عن العمل" الذين تحدوا بذلك "الخضوع لعرقلة البيروقراطية النقابية" وعلى رأسهم العمال المنجميون، وهذه النضالات قائمة كلها بالبوادي بينما بالمدن مازال "ثقل البيروقراطية النقابية فعالا"، واعتبرت الوثيقة أن المنجميين هم من حمل مشعل الحركة العمالية وسطر "الطريق الصحيح للبروليتاريا"، مما دفع العمال بالمدن يحدون حدوهم بتجسيد إضرابات جعلت "البيروقراطية العمالية محط تساؤل وسط بروليتاريا المدن"، واحتجاجات التلاميذ التي عرفت تصاعدا "نضالات طويلة وأكثر حدة من السنوات السابقة، والتي كانت قد هزت النظام بقوة" وعرفت مساندة شعبية في عدة مناطق، كما عرفت مساندة الطلبة بتنظيم "الإضرابات بالجامعة" رغم سيطرة البورجوازية الصغيرة على نقابتهم مما "يضعفهم أمام الأحزاب البورجوازية" أي طلبة أحزاب "الحركة الوطنية". وخلصت الوثيقة إلى أن "نقط الضعف الأساسية لنضالات الجماهير تتمثل في عدم التنسيق والتجذر غير الكافي للمناضلين الثوريين داخل الجماهير، ونقص الأفق. لكن التطور نفسه لنضالات الجماهير يخلق شروطا أحسن لتجاوز نقط الضعف هذه"، حتى يتبين طريق الثورة ب"الغرب العربي".

كل ما ورد هنا جعل من الوثيقة تقريرا شبه صحفي يمجد عفوية الجماهير باعتبارها كفيلة بخلق شروط نجاحها وأن الثوريين ما عليهم إلا التنسيق والتجذر في أوساط الجماهير، في غياب الحديث عن دور حزب العمال والفلاحين والجنود في مواجهة الإمبريالية ودور الطبقة في قيادة الجماهير في العلاقة بين الطبقة، الحزب والجماهير كما تنص الماركسية اللينينية على ذلك، مما يدل على الضبابية في الرؤية لدى الماركسيين اللينينيين التي تتجلى في تقديس عفوية الجماهير باعتبار هذه الاحتجاجات بمثابة قفزة نوعية في اتجاه تحقيق الثورة المغربية أو ما سمي ب"الثورة بالغرب العربي".

وتناولت الوثيقة رد فعل النظام المتسم ب"تشدد النظام" عبر رفض مطالب الفلاحين والشبيبة والزيادة في الأسعار والقمع واعتقال ومحاكمات المناضلين، رغم "عدم انسجامه" الذي يتجلى في "ضعف القاعدة الطبقية للأوليغارشية الكومبرادورية، وتعفنها المتسارع، يمنعانها من المرور إلى القمع المعمم تجاه نضالات الجماهير" كما جاء في الوثيقة، التي تبشرنا بقرب قيام الثورة وسقوط النظام غير المنسجم في ظل ضعف قاعدته الطبقية دون إعطاء مؤشرات مادية تدل على ذلك من صلب الصراع الطبقي في تلك المرحلة.

والوثيقة تسجل تطورا ملحوظا في نضالات الجماهير الشعبية بينما واقع الصراع الطبقي يؤكد العكس، حيث إن هذه الاحتجاجات ما هي إلا ما تبقى من جيوب مقاومة العمال والفلاحين ضد الاستعمار القديم، بعد تصفية المقاومة المسلحة للتحالف الطبقي للعمال والفلاحين من طرف النظام والأحزاب البورجوازية الصغيرة بدعم من الإمبريالية، مما يجعل الوثيقة لا تنسجم وأسس الديالكتيك الماركسي وبذلك تكون بعيدة عن التحليل السياسي الطبقي.

وعزت الوثيقة هذا "التشدد" إلى القوة التي استمدها النظام الكومبرادوري باندماجه بالإمبريالية عكس ما تذهب إليه البورجوازية الصغيرة من فصل للقضايا الوطنية عن "علاقتها الدولية"، ذلك ما يتجلى في قضية الصحراء الغربية حيث "إن هذا الاندماج، يظهر بوضوح، في تعاون النظام في مشاكل الصحراء الغربية، في تعزيز الروابط مع الإمبريالية الفرنسية والإسبانية، كل هذا في إطار استراتيجية الإمبريالية الأمريكية في المنطقة" كما جاء في الوثيقة، وفي مزيد من البعد عن الفهم الماركسي تسمي الوثيقة قضية الصحراء "مشكلا" ؟

وهنا يتبين غياب التحليل المادي لدى الماركسيين اللينينيين بالمنظمة حيث يعتقدون أن غطرسة النظام القائم مصدرها اندماج النظام الكومبرادوري بالإمبريالية في "مرحلة تصفية الإمبريالية"، في تفسير مبسط للقمع المسلط على الشعب المغربي من طرف النظام القائم واعتبار التحريفية ساهمت بشكل كبير في ذلك في سقوط في مقولة "سقطت الطائرة".

وأكدت الوثيق أهمية اعتماد الإمبريالية على "الحكومة المغربية" في نظام غير منسجم وهو نظام كومبرادوري لا يرتكز على قاعدة طبقية، بتحالف مع "الفاشية الإسبانية" من أجل ضمان "الأمن في البحر المتوسط" و"الوعي المتوسطي"، في تجاهل للقمع المسلط على الشعب المغربي خلال السنوات العشر قبل صدور الوثيقة، بعد تصفية المقاومة المسلحة وقطع الطريق عليها للتحالف مع المقاومة المسلحة الجزائرية التي خرجت من حرب المليون ونصف شهيد منهكة تنتظرها "حرب الرمال" لقطع الصلة نهائيا بين الشعبين المغربي والجزائري.

وفي غياب تام للمادية التاريخية تتحول الوثيقة إلى تقرير سياسي بورجوازي صغير يضرب الأحداث في السطح متناسية المخططات الإمبريالية لتصفية الثورة الاشتراكية بالاتحاد السوفييتي وحركة التحرر الوطني بشمال إفريقيا، كامتداد للثورة المغربية بالشمال والجنوب وامتداداتها بالصحراء الغربية، هكذا وبكل سهولة تسجل الوثيقة تطور الحركة الاحتجاجية للعمال والفلاحين بالبوادي والمدن باعتبارها قفزة نوعية في طريق الثورة المغربية ضد نظام "متهالك غير منسجم ومتعفن وعلى وشك السقوط".

وفي نفس التحليل البورجوازي الصغير يتم ربط "الثورة بالغرب العربي" ب"الثورة العربية" وعلى رأسها الثورة الفلسطينية "البؤرة الرئيسية للثورة العربية" التي تلقت "الضربات" و"التطويق" وساعدت الإمبريالية و"التحريفية" معا في ذلك، كما أن "الانتصار المباشر لقوى الثورة المضادة، يجذر بذور الأيديولوجية الثورية في مجموع الأمة العربية" وبكل بساط حسب نظر الوثيقة فالثورة المضادة تبعث "الأيديولوجية الثورية" في "الأمة العربية"، وبهذه الكلمات التي تفتقد للأسس الطبقية يعتقد الماركسيون اللينينيون بالمنظمة أنهم ينتجون تحليلا ماركسيا لينينيا للأساس الاقتصادي للثورة التي يسمونها "عربية"، في سقوط تام في ورطة منهجية ضد ـ ماركسية لا تمت بصلة بالديالكتيك الماركسي.

وبهذه الكلمات وغيرها من قبيل "المغرب العربي" و"المغرب الكبير" و"البلدان المغاربية" و"الأمة العربية" التي تعتبرها الوثيقة مفاهيم تعبر عن ضعف التثقيف الماركسي لديهم، مما جعلها لا تخرج عن نطاق التقارير السياسية للأحزاب البورجوازية الصغيرة، نتيجة عدم قدرتهم على الممارسة البروليتارية الكفيلة برسم الخط البروليتاري للثورة بعيدا عن الإطاروية والتثقيف البورجوازي الصغير.

كل ما سبق ذكره يبين أسلوب الإطاروية التي حظيت بها هذه الوثيقة في كتابتها ونشرها حتى بين المناضلين أنفسهم، وبقي هؤلاء المناضلون الماركسيون اللينينيون حبيسي العمل البورجوازي الصغير بالتركيز على الحركة الطلابية، التي لجأوا إليها لإبراز تناقضاتهم مع التحريفية، وكما جاء في الوثيق و"ظهرت الجبهة الموحدة للطلبة التقدميين بقوة، أمام اضطراب السياسيين البورجوازيين والبوليس" التي واجهتها التحريفية ب"كمندوهات فاشية" والمخبرين ب"الشبيبة والاشتراكية"، في تضخيم لفعل طلبة أحزاب "الحركة الوطنية" البورجوازية الصغيرة الذين اعتبرتهم الوثيقة "فاشيين" منظمين في "كمندوهات" في استعمال تعسفي لمفهوم الفاشية التي تعتبر شكلا من أشكال التعبيرات السياسية الحربية التي نتجت عن تناقضات الإمبريالية هذا المفهوم الذي ورد في فقرة أخرى في محله في وصف النظام الإسباني ب"الفاشي".

إن استعمال مفهوم التحريفية في هذه الوثيقة يأتي من أجل تحريف الصراع الأيديولوجي ضد الإمبريالية إلى الصراع بين الحزب الشيوعي السوفييتي والحزب الشيوعي الصيني، بينما مشروع التحريفية بالاتحاد السوفييتي يعتبر أكثر بكثير من ذلك المستوى وهو تدمير الاشتراكية وإعادة بناء الإمبريالية في البلد الوحيد الذي تحققت فيه الاشتراكية، وتدمير كل ما بنته الماركسية اللينينية بعد سحق الفاشية والنازية وتوسيع جغرافية الوطن الاشتراكي.

وكما جاء في مضمون "مرحلة تصفية الإمبريالية" الجزء الثاني لعنوان الوثيقة أن الحرب الشعبية هي الخلاص واعتبار الثورة الصينية هي النموذج والاستشهاد بالثورة الفيتنامية، تبقى الوثيقة حبيسة الوصف بينما الذي يجب هو التغيير، الذي لا يمكن أن يكون بعيدا عن التجارب الثورية بشمال إفريقيا في علاقتها بالتجارب الثورية العالمية التي هي بدورها استفادت منها، وعلى رأسها الثورة المغربية بالشمال والجنوب وامتدادات هذه الأخيرة بالصحراء الغربية.

ويبقى الفكر البورجوازي الصغير سيد الموقف لدى هؤلاء الماركسيين اللينينيين المبتعدين عن الممارسة البروليتارية بعدما أخذوا من الماركسية اللينينية كل ما يرونه منسجما مع تصوراتهم البورجوازية الصغيرة الذي لن يكون إلا التحريفية بعينها.



تعليقات الفيسبوك