النقد العلمي المادي لتجربة 30 غشت الجزء الثاني - وثيقة -الثورة في الغرب العربي في المرحلة التاريخية من تصفية الإمبرايالية - نقد تقديم الكاتب للوثيقة


الأماميون الثوريون
2019 / 9 / 16 - 14:54     

تشكل مسألة التوثيق في مسار منظمة "إلى الأمام" أهم، إن لم نقل، جل ما يمكن تسجيله في تاريخها التنظيمي والنضالي، حيث أن حجم الوثائق التي أصدرتها ، مضمونها الأيديولوجي، السياسي والتنظيمي، تفوق بكثير حجم نضالاتها الملموسة، منذ إصدار أول وثيقة لها في 30 غشت 1970 من طرف المناضلين المنسحبين من حزب التحرر والاشتراكية، وجميعهم إما موظفون، أساتذة، طلبة أو تلاميذ من شبيبة هذا الحزب وضمنهم الرفيق فؤاد الهيلالي النشيط في هذه الشبيبة، وانضم إليهم مثقفون وحقوقيون فيما بعد، أبرزهم الشهيد عبد اللطيف زروال.

وعزا المؤسسون للمنظمة انسحابهم إلى توجهاتهم الثورية التي تتناقض وتوجهات الحزب التحريفية، الذي اعتبروه تابعا للحزب الشيوعي السوفييتي التحريفي، وكانت وثيقة "سقطت الأقنعة فلنبن الطرق الثوري"، التي أبرزوا فيها مضمون تصورهم الأيديولوجي، السياسي، التنظيمي والنضالي، أول وثيقة من سلسلة وثائق أيديولوجية، سياسية وجماهيرية، ومن ضمنها وثيقة "الثورة في الغرب العربي في المرحلة التاريخية من تصفية الإمبريالية"، التي نحن بصدد دراستها، تحليلها ونقدها، بدءا بما سماه الرفيق "توضيح أولي" في تقديمه لهذه الوثيقة التي نشرها بالموقع الفرعي ل"30 غشت" بالحوار المتمدن، ونشر الوثيقة ب"موقع 30 غشت".

إن أول ما يمكن أن يثير القراء هو اعتبار الرفيق في تقديمه للوثيقة أنها "وثيقة جديدة، لم تنشر من قبل" وهي وثيقة صدرت في 1971، ويقدمها الرفيق على أنها "جديدة" و "لم تنشر من قبل" ويقول ذلك في 2015 بعد 43 سنة من صدورها، وهو يعني بذلك أنها لأول مرة تخرج للعموم، والسؤال المطروح هو لماذا السكوت عنها طيلة هذه المدة الزمنية الطويلة؟

لا يمكن لأي قارئ لهذا القول إلا أن يستغرب هذا التقصير، على الأقل، في الإعلام من طرف الرفيق ورفاقه في منظمة ثورية، فهل يعني ذلك أن المنظمة عاجزة عن التواصل مع الطبقة والجماهير؟ أم أن مفهوم السرية لدهم جعلهم ينطوون على أنفسهم؟ أم أنهم غير قادرين على نشر أفكار المنظمة؟ ذلك ما يجيب عنه الرفيق في مضمون تقديمه لهذه الوثيقة.

لقد استهل الرفيق تقديمه هذا بما يلي: "مساهمة في التعريف بوثائق وتاريخ المنظمة الماركسية ـ اللينينية المغربية "إلى الأمام"، وتعميما للفائدة، ننشر ولأول مرة وثيقة لم يسبق أن تم نشرها من قبل، ولم يطلع عليها من رفاق الجيل الأول للمنظمة إلا القلة. أما الجيل الثاني؛ فلم يطلع عليها ولم تكن معروفة لديه، وهي وثيقة "الثورة في الغرب العربي في المرحلة التاريخية من تصفية الإمبريالية" الصادرة بتاريخ 4 مايو 1971."

وهنا يجيب الرفيق بشكل ضمني ويقر أن المنظمة عاجزة عن التواصل حتى مع مناضليها أي افتقاد التواصل بين المناضلين أنفسهم، فكيف يمكن لمنظمة ثورية أن تتواصل مع الطبقة والجماهير وهي عاجزة عن ربط التواصل بين مناضليها؟ قد يرجع البعض ذلك كما هو معتاد للشروط الذاتية : السرية والموضوعية : القمع المستشري آنذاك، بعد اعتقالات، محاكمات، إدانات وإعدامات في حق اليسار الثوري والضباط الشباب الثوريون ، لكن هذا التبرير ضعيف أمام الهدف الاستراتيجي للمنظمة، خاصة أن الوثيقة صدرت بعد أقل من سنة من التأسيس.

إن القول ب"ولم يطلع عليها من رفاق الجيل الأول للمنظمة إلا القلة" إنما يدل على المبالغة في السرية حتى بين المناضلين، إن صح التقدير، أو طغيان سيادة "البيروقراطية" التي لا تسمح إلا للقيادات بتناول مسألة المواقف السياسية، وذلك في حد ذاته ما يدل على تغييب الديمقراطية الداخلية التي من المفروض أن تسمح لجميع المناضلين على الأقل بالاطلاع على ما ينشر باسمهم، بل ومن المفروض إشراكهم في صياغة المواقف والمصادقة عليها ولتكن الشروط أيا كانت.

وأما القول ب"أما الجيل الثاني؛ فلم يطلع عليها ولم تكن معروفة لديه" فتلك معضلة تنظيمية عميقة والتي أنتجت القطيعة بين الجيلين. قد يقول قائل أن مسألة "التحريفية" التي صادفت زمن الجيل الثاني هي السبب، لكن هذه الحجة ضعيفة جدا حيث كيف يمكن لأصحاب "الخط الثوري" أن يكون لهم امتداد في المنظمة دون قدرتهم على التواصل مع الجيل الثاني؟ ليس القيادات طبعا، إنما الشباب والمنخرطين الجدد.

هنا يمكن أن نثير عدة تساؤلات حول طبيعة الفهم التنظيمي داخل المنظمة وطبيعة المنظمة في حد ذاتها، ذلك ما نتوخى الجواب عنه في كتاباتنا هذه، أي الوقوف على مستوى مفهوم "الثورية" من منظور المنظمة وكيف يجسده مناضلوها في الواقع الملموس. فكيف لمناضلين ثوريين عاجزين عن التواصل فيما بينهم بناء منظمة ماركسية ـ لينينية ؟ وبالأحرى الامتداد الجماهيري لهذه المنظمة وتحقيق هذفها الاستراتيجي : بناء الحرزب الماركسي ـ اللينيني.

أما إن كان قصد الرفيق في قوله ذاك هو أنه يعلم الكثير عن المنظمة دون الآخرين فتلك معضلة ذاتية، حيث لا يمكن تفسير السكوت عن قول الحقيقة من طرف "ثوري" إلا بالخيانة التاريخية، أما العجز عن قول الحقيقة فيمكن تفهمه من منطلق الخوف المستشري في صفوف المناضلين نتيجة القمع الأسود الذي طال الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية بعد سنة من صدور هذه الوثيقة، وربما لم يطلع عنها الرفيق ولم يعثر عليها طيلة خروجه من السجن ربع قون.

وعن مضمون الوثيقة يقول الرفيق: "الوثيقة، لأهميتها السياسية والإيديولوجية، تلقي الضوء على فكر منظمة "إلى الأمام" في فترتها الأولى من التأسيس، فترة 1970 ـ 1972، وهي هنا مترجمة إلى اللغة العربية عن نصها الأصلي باللغة الفرنسية."، وهنا يعطي الرفيق جزءا آخر من الجواب الذي يجسد مدى ابتعاد عملهم بالمنظمة عن الطبقة والجماهير، حيث إن الوثيقة تمت صياغتها بالفرنسية وبقيت هكذا إلى أن ترجمها الرفيق في 2015، ذلك ما يوضح افتقار المنظمة لكوادر قادرة على ترجمة الوثائق الأمر الذي يعتبر مهما في حياة أي منظمة تتوخى التواصل مع الطبقة والجماهير.

فما معنى صياغتها بالفرنسية دون ترجمتها ؟ هذا إن كانت غير مترجمة، أما صياغتها بالفرنسية فيبين مدى نخبوية كوادرها المؤسسين للمنظمة التي بدأت كنادي للمثقفين الثوريين الذين يضعون مهام أكبر بكثير من قدراتهم التنظيمية، لهذا قلنا أن التوثيق أكبر من الممارسة العملية، وحتى إن تمت ترجمتها ولم تصل إلى الطبقة والجماهير، فذلك يعني أن المنظمة يطغى عليها توجه النخبة السياسية بعيدا عن القواعد، إن وجدت، وعن الطبقة والجماهير، وبالتالي فهي تعبر فقط عن أصحابها ولم تنبثق من الواقع الموضوعي فهي عبارة عن عمل إطاروي ـ ذاتوي حتى في نشرها وتصريفها، إذ ما جدوى إصدار وثيقة بلا قواعد وجماهير إن لم يكن من باب التثقيف والتكوين ؟

ويضيف الرفيق: "غطت الوثيقة مجمل النضالات المتصاعدة التي خاضتها الجماهير الشعبية في تلك الظرفية، نضال العمال والفلاحين (أولاد خليفة وقطارة مثلا) ونضال الطلبة والتلاميذ الذي لقي مساندة من جهة جماهير الشعب أفزعت النظام وأعوانه، وعرت بالكامل مجموع التيارات الانتهازية الانتظارية من البرجوازية الصغيرة. قوبل هذا المد النضالي بالاختطاف والتعذيب، وبلجوء النظام لاستعمال "كوموندوهات" فاشية لتفتيت هذا المد الكفاحي وعزل نواته الثورية."، هذا القول الذي يجعل من المنظمة المتتبع للنضالات الجماهيرية من عمال، فلاحين، طلبة وتلاميذ دون أن يبرز الرفيق دور المنظمة في تلك النضالات، بينما يعتبرها قد "عرت بالكامل مجموع التيارات الانتهازية الانتظارية من البرجوازية الصغيرة"، نعم عرتهم حسب قول الرفيق لكن دون أن تصل إلى القواعد والجماهير، في غياب تام لمساهمة المنظمة في هذه النضالات الجماهيرية، التي تبرز مدى تقدم وعي الجماهير مما يجب على الثوريين التنظيم أكثر فأكثر كما يقول لينين، والرفيق يشير إلى القمع الذي واجه به النظام هذه النضالات الجماهيرية في محاولة ليربطه بشكل كبير بقمع المنظمة فيما بعد، مما يدل أن السرية مرتبطة من الخوف من القمع وليس كأسلوب في الممارسة التنظيمية للمنظمة مما ينعكس على الفهم الضيق للتنظيم لدى هؤلاء المناضلين.

وفي استعراضه لمضمونها في قوله: "تعرضت الوثيقة كذلك لقضية الثورة العربية وبؤرتها الرئيسية قضية الثورة الفلسطينية التي حاصرها تواطؤ الامبريالية والتحريفية والبرجوازيات العربية العميلة، لتنتقل للحديث عن النهوض النضالي التحرري عالميا ضد الامبريالية وتعمق أزمة نظام الرأسمالية سياسيا واقتصاديا." يتحدث الرفيق عن "الثورة العربية" دون تناول هذا المفهوم بالنقد مكتفيا بتقديم "الثورة الفلسطينية" المحاصرة من طرف "الامبريالية والتحريفية والبرجوازيات العربية العميلة"، في استعراض لمواقف المنظمة دون دراستها، تحليلها ونقدها.
وفي الأخير يستعرض الرفيق مجمل محاور الوثيقة كالتالي:

ا ـ نضال الجماهير وتناقضات الحكم
1 ـ نضالات الجماهير
2 ـ تشدد الحكم وعدم انسجامه
اا ـ قضايا الثورة العربية
1 ـ الضربات الموجهة للثورة الفلسطينية
2 ـ تجمع البرجوازيات والرجعيات العربية في ظل الإستراتيجية الامبريالية
ااا ـ الفترة التاريخية لتصفية الامبريالية على الصعيد العالمي
1 ـ التعمق السياسي للأزمة العامة للرأسمالية
2 ـ التعميق الاقتصادي للأزمة

نكتفي بهذه الإشارات الأولية التي تأتي ضمن التحقيق في مسار الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية وأزمة التنظيم التي تلازمها، عبر دراسة، تحليل ونقد وثائق منظمة "إلى الأمام" في علاقتها برؤية مناضليها خاصة كتابات الرفيق فؤاد الهيلالي الذي عمل على نشر هذه الوثائق، في محاولة للوقوف على ما يمكن المساهمة في فهم مكامن القوة والقصور في فكر المنظمة وبالتالي الوقوف على أخطاء مناضليها، إعادة البناء الحقيقي للحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية.
في الجزء الثاني نتناول مضمون الوثيقة بالدرس، التحليل والنقد.

الحسين الزروالي



تعليقات الفيسبوك