رأس المال: ج – شكل القيمة العام


كارل ماركس
2019 / 9 / 5 - 23:43     



معطف واحد

10 باونات من الشاي

40 باون من البن

كوارتر من القمح

أونصتان من الذهب = 20 ياردة قماش

1/2 طن من الحديد

س من سلعة (آ)،

إلخ السلع

1) تغير طابع شكل القيمة

تعبر كل السلع الآن عن قيمتها، أولاً – بشكل بسيط لأن ذلك يتم بواسطة سلعة واحدة مفردة، ثانيا – بشكل موحد لأنها تعبر عن قيمتها في السلعة ذاتها. إن هذا الشكل من القيمة بسيط ومشترك للجميع وبالتالي عام.
إن الشكلين (1) و (ب)(1) لم يكونا مناسبين إلا للتعبير عن قيمة سلعة معنية كشيء متميّز عن قيمتها الاستعمالية الخاصة أو عن جسدها السلعي.
زودنا الشكل الأول، (آ)، بمعادلات كالتالية:
معطف واحد = 20 ياردة قماش، 10 باونات من الشاي = 1/2 طن من الحديد، حيث تُساوي قيمة المعطف بالقماش، وقيمة الشاي بالحديد. ولكن مساواة المعطف بالقماش والشاي بالحديد، وهما تعبيران عن قيمة المعطف وقيمة الشاي، يختلفان اختلاف القماش عن الحديد، وبديهي أن هذا الشكل لم يظهر عملياً إلا في البدايات الأولى حين لم تكن منتوجات العمل لتتحول إلى سلع إلا من خلال المبادلات العرضية، المتباعدة.
أما الشكل الثاني، (ب)، فيتميّز، على نحو أفضل من الأول، قيمة السلعة عن قيمتها الاستعمالية الخاصة، لأن قيمة المعطف مثلاً توضع، هنا، في تضاد مع الشكل الجسدي للمعطف ذاته، تحت جميع المظاهر الممكنة، وذلك بمساواتها بالقماش والحديد والشاي، باختصار مساواتها مع كل شيء آخر، باستثناء المعطف ذاته. من جهة أخرى نجد أن هذا الشكل يستبعد، على نحو مباشر، كل تعبير مشترك عن القيمة، ويرجع ذلك إلى أنه، في معادلة القيمة الخاصة بكل سلعة، تظهر جميع السلع الأخرى في شكل معادل. وينبثق شكل القيمة الموسّع إلى الوجود، لأول مرة، حالما يجري تبادل نتاج عمل ما، كالماشية، لقاء مختلف السلع الأخرى على سبيل العادة، وليس على سبيل الإستثناء.
أما الشكل الثالث(2) والأحدث، فيعبّر عن قيم عالم السلع برمته بواسطة سلعة واحدة يُفردها لهذا الغرض وهي القماش مثلاً ، سلعة واحدة تمثل قيم جميع الأخريات عن طريق مساواتهن بها. إن قيمة كل سلعة، تجري مساواتها بالقماش، لا تتميز الآن عن قيمتها الاستعمالية الخاصة وحسب، بل تتميز عن كل القيم الاستعمالية الأخرى بوجه عام، ولهذا السبب ذاته، يُعبر عنها كشيء مشترك في كل السلع. وباكتساب هذا الشكل، تدخل السلع، لأول مرة، في علاقة فعلية بعضها مع بعض كقيم، أو تظهر كقيم تبادلية.
إن الشكلين السابقين كليهما يعبران عن قيمة السلعة إما بواسطة سلعة مفردة من نوع مختلف أو بسلسلة من سلع أخرى مختلفة. وفي كلا الحالين فإن الأمر شأن خاص بالسلعة المفردة في أن تجد التعبير عن قيمتها، إن جاز القول، دون تدخل الأخريات.
وتلعب هذه الأخيرات، بالنسبة للسلعة الأولى، الدور السلبي للمُعادِل. أما شكل القيمة العام فينشأ عن الفعل المشترك لعالم السلع بأسره، وينشأ عن ذلك وحده. فلا يمكن للسلعة أن تكتسب تعبيراً عاماً عن قيمتها إلا حين تعبر جميع السلع الأخرى، في آن واحد، عن قيمتها في نفس المُعادِل، وينبغي لكل سلعة جديدة أن تقتني الأثر نفسه.
ولما كان تشيّؤ قيم السلع هو وجود اجتماعي، محض لهذه الأشياء، فليس بالوسع، كما هو واضح، التعبير عن هذا الوجود الاجتماعي المتعين إلا من خلال مجمل علاقاتها الاجتماعية الشاملة، وبالتالي ينبغي لشكل قيمة السلع أن يكون شكلاً معترفاً به اجتماعياً.
وبعد أن جرت مساواة كل السلع بالقماش لا تظهر الآن متساوية نوعياً، كقيم عامة، وحسب، بل تظهر كقيم ذات مقادير قابلة للمقارنة والقياس الكمي. فحين تنعكس مقادير القيم في مادة واحدة معيّنة، هي القماش، يصبح بالوسع أن تعكس مقادير القيمة هذه بعضها على نحو متبادل، ومثال ذلك: 10 باونات من الشاي = 20 ياردة قماش، و40 باون من البن = 20 ياردة قماش، وعليه فإن 10 باونات من الشاي = 40 باون من البن. بتعبير آخر إن باوناً واحداً من البن يحتوي على ربع جوهر القيمة، أي العمل، الذي يحتوي عليه باون واحدة من الشاي.
إن الشكل العام للقيمة النسبية، الذي يحتضن عالم السلع بأسره، يحول السلعة المفردة، التي أقصيت عن البقية ووضعت في دور المُعادِل – وهي القماش هنا – يحولها إلى مُعادِل عام. إن الشكل الطبيعي الخاص للقماش هو الآن المظهر المشترك للقيمة في عالم السلع، لذلك يمكن للقماش أن يُبادل مباشرة بجميع السلع الأخرى. ويصبح الشكل الجسدي للقماش، التجسيد المرئي والبلّور الاجتماعي لكل أنواع العمل البشري. فالحياكة التي هي عمل خاص ينتج مادة خاصة في القماش، تكتسب عن هذا الطريق شكلاً اجتماعياً عاماً، هو شكل تماثلها مع كل أنواع العمل الأخرى. إن المعادلات التي لا تُحصى، والتي يتألف منها شكل القيمة العام، تساوي العمل المتحقق في القماش بالأعمال المتحققة في كل واحدة من السلع الأخرى على التوالي، وبذلك تتحول الحياكة إلى شكل عام لتجلي ظاهرة العمل البشري. وبهذه الطريقة لا يتبدى العمل المُتشيّيء في قيم السلع بوجهه السلبي الذي يتجرد فيه العمل الفعلي من أي شكل مملوس ومن أي خاصية نافعة وحسب، بل تتكشف طبيعته الإيجابية الخاصة على نحو بارز، ونعني تحديداً إرجاع كل أنواع العمل الفعلي إلى طابعها المشترك بوصفها عملاً بشرياً عاماً، بوصفها
إنفاقاً لقوة عمل بشرية.
إن شكل القيمة العام، الذي يمثل جميع منتوجات العمل باعتبارها محض تبلورات من عمل بشري متجانس، بيّن، بتركيبه بالذات، أنه التعبير الاجتماعي عن عالم السلع، وهو يبين بوضوح لا لبس فيه أن طابع العمل البشري العام، الذي يرتديه كل عمل، داخل هذا العالم، يؤلف طابعه الاجتماعي الخاص.

2) التطور المترابط بين شكل القيمة النسبي والشكل المُعادِل

تتوافق درجة تطور شكل القيمة النسبي مع درجة تطور الشكل المُعادل. ولكن ينبغي التذكير بأن تطور الشكل المُعادِل ليس إلا تعبيراً عن، ونتيجة لتطور شكل القيمة النسبي.
إن شكل القيمة النسبي البسيط، أو المنفرد، لسلعة من السلع يقوم بتحويل سلعة أخرى إلى معادِل منفرد. اما شكل القيمة النسبي الموسّع، الذي يعبر عن قيمة سلعة واحدة بواسطة كل السلع الأخرى، فيسبغ على هذه السلع الأخرى طابع مُعادِلات خاصة تتباين في النوع. وأخيراً تكتسب سلعة خاصة من نوع معيّن شكل مُعادِل عام، لأن جميع السلع الأخرى تجعل من هذه السلعة الواحدة مادة الشكل العام الموحد لقيمتها.
وبمقدار تطور شكل القيمة، يتطور التضاد بين قطبيه، وهما شكل القيمة النسبي والشكل المُعادِل.
إن الشكل الأول، حيث 20 ياردة قماش = معطفاً واحداً، يتضمن اصلاً هذا التضاد دون أن يثبته بعد. فالدور الذي يلعبه القماش والدور الذي يلعبه المعطف يختلفان حسب اتجاه قراءتنا للمُعادلة. فإذا قرأناها من الأول إلى الأخير، كحالة أولى، أصبحت القيمة النسبية للقماش تجد تعبيرها في المعطف، ولو قرأناها معكوسة، كحالة ثانية، أصبحت القيمة النسبية للمعطف تجد تعبيرها في القماش. وهكذا يصعب الإمساك الثابت بالتضاد بين القطبين.
أما الشكل الثاني (ب) فيبين لنا أنه لا يمكن إلا لسلعة واحدة، في كل مرة، أن توسع قيمتها النسبية، وانها لا تكتسب هذا الشكل الموسّع إلا بسبب، وبمقدار، وقوف السلع الأخرى جميعاً إزاءها في شكل مُعادِلات. وليس بالوسع، هنا، قلب طرفي المعادلة (20 ياردة قماش = معطفاً أو = 10 باونات شاي = كوارتر واحد من القمح)، كما فعلنا من قبل، بدون تغيير طابعها العام وتحويلها من شكل قيمة موسّع إلى شكل قيمة عام.
وأخيراً فإن الشكل (ج) يمنح عالم السلع شكل قيمة نسبي اجتماعي عام بسبب، وبقدر ما، إن جميع السلع، عدا واحدة فقط، تُستثنى من دور شكل المُعادِل العام. وعليه تظهر سلعة مفردة، هي القماش، وقد اكتسبت الشكل الذي يتيح لها إمكانية التبادل المباشر مع جميع السلع الأخرى، أي الشكل الاجتماعي المباشر، وذلك بالضبط بسبب وبقدر ما إن سائر السلع الأخرى جُرّدت من هذا الشكل تحديداً(3).
وعلى العكس من ذلك، فإن السلعة التي تحتل موقع المعادل العام تُجرّد من الشكل الموحد، أي الشكل النسبي العام للقيمة في عالم السلع. ولو كان القماش، أو أي سلعة أخرى تتخذ شكل مُعادِل عام، يتمتع بشكل القيمة النسبي العام في الوقت نفسه، لكان عليه أن يكون مُعادِلاً لذاته بذاته أيضاً. وهذا يقودنا إلى المعادلة: 20 ياردة قماش = 20 ياردة قماش، وهو تكرار فارغ لا يعبر عن القيمة ولا عن مقدار القيمة. ولغرض التعبير عن القيمة النسبية للمعدل العام يتعين أن نقلب الشكل (ج). إن المُعادِل العام، في هذا الشكل، لا يمتلك شكل قيمة نسبي مشترك مع السلع الأخرى، إلا أن قيمته تمتلك تعبيراً نسبياً بواسطة سلسلة لا تنتهي من أجساد السلع الأخرى. وهكذا يبدو شكل القيمة النسبي الموسّع، أو الشكل (ب)، الآن، على أنه الشكل الخاص من القيمة النسبية للسلعة التي تلعب دور المُعادِل.

3) الانتقال من شكل القيمة العام إلى الشكل النقدي

إن الشكل المُعادِل العام ليس غير شكل من القيمة على وجه العموم، ولذلك يمكن لأية سلعة أن تتزيّا به. من الجهة الأخرى لا تتخذ أي سلعة شكل مُعادِل عام (الشكل ج) إلا بعد أن تقوم وبمقدار ما تقوم جميع السلع الأخرى باستبعادها من الصفوف باعتبارها مُعادِلاً. وما إن ينحصر هذا الاستبعاد، في نهاية المطاف، بسلعة واحدة من دون غيرها، حتى يكتسب الشكل النسبي الموحد للقيمة في عالم السلع ثباتاً موضوعياً وشرعية اجتماعية عامة.
بيد أن السلعة الخاصة التي يمتزج فيها الشكل المُعادل مع شكلها الطبيعي ويحظى باعتراف اجتماعي كهذا، تتحول الآن إلى سلعة نقدية، أو تقوم بوظيفة النقد. وتصبح الوظيفة الاجتماعية الخاصة لهذه السلعة، وبالتالي احتكارها الاجتماعي، أن تؤدي دور المُعادل العام في عالم السلع. ومن بين السلع التي تؤدي في الشكل (ب) دور مُعادِلات خاصة للقماش، وتعبر في الشكل (ج) عن قيمتها النسبية بواسطة القماش، برزت سلعة خاصة واحدة لتحتل تاريخياً هذا المكان المرموق – نعني بذلك الذهب. إذن لو وضعنا، في الشكل (ج)، الذهب محل القماش لحصلنا على الشكل النقدي.

_______________________

(1)- المقصود بذلك هو الشكلان الواردان تحت الفقرة (آ) والفقرة (ب)، وهما على التوالي: شكل القيمة البسيط او العرضي، ثم شكل القيمة الموسع. [ن. ع].

(2)- وهو الشكل الوارد في الفقرة (ج): شكل القيمة العام. [ن. ع].
(3)- لا يعني ذلك، بداهة، أن شكل قابلية التبادل المباشر العام هو شكل سلعي متضاد، إن جاز القول، وإنه يرتبط وثيق الارتباط بقطبه المعاكس الذي يتمثل بـ : انعدام إمكانية التبادل المباشر، مثل ارتباط القلب الإيجابي للمغناطيس بنظيره المعاكسة القطب السلبي، ولعل ثمة ، إذن، من يتخيل أن جميع السلع تمتلك إمكانية التبادل المباشر في الوقت نفسه، مثلما يتخيل المرء أن الكاثوليك يمكن أن يصبحوا جميعاً بابوات. وبالطبع فإن المالك الصغير، الذي يلوح له إنتاج السلع أقصى حد nec plus ultra]] ممكن للحرية البشرية والاستقلال الفردي، يتوق إلى إزالة المنغصات الناجمة عن ذلك الشكل الذي تتميز به السلع والذي يجعلها غير قابلة للتبادل مباشرة. وما اشتراكية برودون إلا صيغة لهذه اليوتوبيا المبتذلة، وقد سبق لي ان بيّنت في مؤلف آخر(*)، إن هذه الاشتراكية لا تمتلك ذرة واحدة من الأصالة، وأن غراي وبراي وآخرين قد سبقوا برودون إلى هذه المحاولة بزمن طويل وبنجاح أكبر. ورغم ذلك كله يزدهر هذا النوع من الحكمة وينتشر، الآن، في أوساط معينة منتحلاً اسم العلم (science). ولم يسبق لأية مدرسية من قبل أن تلاعبت بكلمة العلم، مثل المدرسة البرودونية، ذلك لأنه:
“حين تفتند الأفكار
يستعاض عنها بكلمة في الوقت المناسب”.
[غوته، فاوست، الجزء الأول، حجرة الدراسة – ن. برلين].

(*)- كارل ماركس، بؤس الفلسفة، رداً على فلسفة البؤس للسيد برودون، باريس، بروكسيل، 1847، الفصل الأول, [ن برلين].



تعليقات الفيسبوك