ماذا كانت الكتلة السوفيتية؟

لوران ريبارت
2019 / 8 / 26 - 10:11     


نشأ مفهوم الكتلة في يالطا، عندما تقاسم السوفيات والأنجلو أمريكيون أوروبا. في الحالة السوفيتية، ضمت هذه الكتلة البلدان المنهزمة أو المُدّمرة في الحرب، والتي كان الاتحاد السوفياتي يسعى إلى تحويلها إلى منطقة عازلة قادرة على حمايته من أي عدوان جديد من قبل القوى الرأسمالية التي كانت تهيمن على أوروبا الغربية.

مجال احتلال

تشكلت الكتلة السوفييتية على أنقاض البلدان التي هُزمت وصُدمت في الحرب. كانت تضم من جهة، بلدانًا، مثل رومانيا والمجر وبلغاريا، شكلت بلدانا تابعة لألمانيا النازية. ولأنها محرومة من سيادتها، ومحكومة بدفع تعويضات ضخمة عن الحرب للاتحاد السوفياتي، كانت هذه البلدان قد وضعت تحت إشراف الجيش السوفياتي، الذي أخضعها لجميع أنواع الابتزازات العقابية. وكانت بلدان أخرى، مثل تشيكوسلوفاكيا أو بولندا، قد خربتها الجيوش الألمانية، قبل تحريرها من قبل الجيوش السوفييتية التي كانت استفادت من الوضع لضم جزء كبير من أراضيها وإخضاعها لسيادتها. وأخيرًا، كانت ألمانيا الشرقية [جمهورية ألمانيا الديمقراطية] تشكل منطقة الاحتلال السوفييتي سابقا في ألمانيا وكانت خاضعة لنظام احتلال وعقاب بارز.

وهكذا جرى اعتبار الكتلة السوفييتية، أولاً وقبل كل شيء، أرضًا محتلة كان الاتحاد السوفياتي بسط فيها نفوذه الإمبريالي بموجب قانون الحرب. وبناءً على ذلك، لم تكن إقامة حكومات شيوعية نتيجة ثورة اجتماعية، بل نتيجة إرادة ستالين، الذي عهد بالسلطة إلى أحزاب كان يتحكم بها بشدة خاصة أن قيادتها كانت تعيش في المنفى بموسكو أثناء الحرب. لم يكن إرساء الأنظمة الاشتراكية في البلدان الشرقية والحالة هذه نتيجة سيرورة ثورية من قبل الطبقة العاملة للاستيلاء على وسائل الإنتاج، ولكن نتيجة فرض النموذج الستاليني من أعلى: في كل مكان جرى اخضاع الأراضي للتشريك على طريقة النموذج السوفييتي، وتنظيم الصناعة وفقًا للمبادئ المقررة في الاتحاد السوفياتي، وتدمير المجتمع عبر إرساء نظام رعب بوليسي.

جاءت الاستثناءات الحقيقية الوحيدة لهذه القاعدة من يوغوسلافيا وألبانيا، حيث كانت المقاومة، التي يسيطر عليها الشيوعيون، تمكنت من تحرير البلدين وحدها، قبل إقامة اشتراكية مشوبة إلى حد كبير بنزعة قومية. مكنت هذه الظروف التاريخية هذين البلدين من الحفاظ على سيادتهما والقطع مع موسكو، بالنسبة ليوغوسلافيا بدءا من عام 1948 وألبانيا في عام 1960. لكن هذه الإمكانات لم تكن قائمة بالنسبة لبلدان الكتلة الاشتراكية الأخرى، التي كان قادتها أكدوا ولاء غير مشروط للاتحاد السوفياتي وستالين، الذي كان يثابر على تطهير الأحزاب «الصديقة» بانتظام، لجعل قادتها يعيشون في حالة رعب. ومع نزعة التبرؤ من الستالينية، كانت الهيمنة السوفييتية أكثر مرونة، إذ سمح السوفييت لبولندا، على سبيل المثال، بحل جميع تعاونياتها الزراعية تقريبًا في سنوات 1950 أو أيضا المجر في سنوات 1970 و1980 لتطوير اقتصاد مبني إلى حد كبير على المقاولة الصغيرة الخاصة. مع ذلك، لم يتخلى السوفيات بأي وجه عن الأساسي: لم تكن بلدان الكتلة السوفييتية تتمتع سوى بسيادة محدودة، تجبرها على قبول الهيمنة السوفيتية.

اشتراكية شكلية

تنعكس الهيمنة السوفيتية بادئ ذي بدء عبر الاندماج العسكري لبلدان الكتلة، حيث إن جيوشها في الواقع كانت، بموجب ميثاق وارسو (عام 1955)، تحت إشراف الاتحاد السوفياتي. كما كانت أيضا تستتبع مواءمة دبلوماسية هذه البلدان مع المصالح الروسية، ما كان يؤدي بها، على سبيل المثال، إلى التصويت كما الاتحاد السوفياتي في الأمم المتحدة. كما كانت تتجسد في تكامل اقتصادي: في إطار الكوميكون [مجلس التعاون الاقتصادي] (عام 1949)، كانت البلدان الشرقية جزءًا لا يتجزأ من التخطيط السوفييتي، بقدر ما كانت مرتبطة بالاتحاد السوفياتي عبر نظام تبادلات تجارية مواتية جدا للمصالح الروسية.

كان اقتصاد البلدان الشرقية والحالة هذه اشتراكيًا، لكن هذه الاشتراكية كانت في الواقع شكلية. وبعيدا عن كونها في ملكية العمال والعاملات، كانت كبرى المقاولات في الواقع بين أيدي نخبة بيروقراطيين صغيرة عدديا، كانت تدير النظام تحت تحكم الروس ولمصلحتهم. وبعيدا عن التوجه نحو تلبية الحاجات الشعبية، أعطى اقتصاد هذه البلدان الأولوية لتطوير الصناعة الثقيلة، ما أدى إلى اعتماد اقتصاد ندرة، حيث كان السكان محرومين إلى حد كبير من المواد الاستهلاكية الأساسية.

مقاومة عمالية على نطاق واسع

لم يتقبل السكان بأي وجه العيش في هكذا معتقل الشعوب الجديد، الذي ما كان بالإمكان استمراره إلا عبر القمع البوليسي وخاصة التدخل العسكري المنتظم للسوفيات الذين كانوا يهرعون بانتظام إلى نجدة الأنظمة المرفوضة من قبل شعوبها. ومنذ عام 1953، كان الجيش السوفياتي مضطرا إلى التدخل في ألمانيا الشرقية لسحق بروليتاريا برلين وسط الدماء. وفي عام 1956، وضع الجيش السوفياتي حدا للثورة المجرية، وأعدم أثناء ذلك قيادة الحزب الشيوعي المجري رميا بالرصاص، بتهمة عدم احتواء تطلعات الشعب. وفي عام 1968، كانت الدبابات السوفيتية تدخل تشيكوسلوفاكيا، التي باتت خاضعة لنظام احتلال.

أثناء 40 عامًا من وجود الكتلة السوفييتية، كانت مقاومة الشعوب بناء على ذلك دائمة، كما كان شاهدا على ذلك تاريخ بولندا، المتميز بإضرابات جماهيرية ذات طابع تمردي في أعوام 1956 و1970 و1980، قادت النظام إلى اعتماد حالة الحرب في عام 1981، تفاديا لتدخل سوفياتي جديد. وتجلت المقاومة أيضا في هجرة جماعية؛ على الرغم من المخاطر المحدقة، وهروب الألمان الشرقيين إلى حد انتقال عدد سكان ألمانيا الشرقية من 18.3 إلى 16 مليون نسمة بين عامي 1950 و1990.

وكانت السمة الأبرز لهذه المقاومات طابعها البروليتاري. في كل مكان، في الواقع، كانت رأس حربة الانتفاضات الطبقةُ العاملةُ، التي كانت قدرتها على العمل أقوى بقدر ما كان تطوير الصناعات الثقيلة قد خلق تركزات عمالية قوية. من ألمانيا الشرقية إلى بولندا، كانت الانتفاضات المناهضة للسوفييت اشتعلت بحفز من إضرابات عمالية ضد وتائر العمل الجهنمية ولتقليص ساعات العمل وزيادة الأجور أو أيضا لممارسة الحق في الإضراب وتشكيل نقابات مستقلة. دائما ما طرح هذا الوضع مشكلة نظرية للماركسيين، بقدر ما قد بدا صعبا تحديد الطبيعة الاجتماعية لتلك الأنظمة التي كانت، عبر الأحزاب الشيوعية التي تقودها، متحدرة من الطبقة العاملة، ولكن ذلك لم يمنعها من إقامة نظام استغلال البروليتاريا. والواقع أن الأساسي موجود تماما فيما يلي: إن حرمان الطبقة العاملة من حقوقها الديمقراطية وإجبارها على قضاء ساعات عمل شاقة والحصول على أجور بؤس، جعلها في الواقع معارضة في كل مكان لهذه الأنظمة التي من الواضح أنها لم تكن أنظمة خاصة بها.

بقلم، لوران ريبارت

رابط المصدر مصدر: https://npa2009.org/idees/history/that-the-sovieticalblock

ترجمة جريدة المناضل-ة



تعليقات الفيسبوك