الحلقة الأخيرة: -الصراعات الطبقية بالمغرب و حركة 20 فبراير : السياقات، التحديدات و الأفق الثوري (1998 – 2012)-


موقع 30 عشت
2019 / 8 / 10 - 12:28     

يقدم موقع 30 غشت الحلقة الأخيرة من دراسة: “الصراعات الطبقية بالمغرب وحركة 20 فبراير: السياقات، التحديدات والأفق الثوري (1998 ــ 2012)”، بقلم الرفيق وليد الزرقطوني، وهي تضم المحاور التالية:

lX – اتجاه تطور سيرورة التناقض الرئيسي وميزان القوى الطبقي بالمغرب و مهام الحركة الماركسية – اللينينية
1 ) في طبيعة الحركة و برنامجها
2 ) في اتجاه تطور سيرورة التناقض الرئيسي و ميزان القوى الطبقي
3 ) مبادئ توجيهية لمناقشة مهام الثوريين الماركسيين – اللينينيين
ــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ
الصراعات الطبقية بالمغرب وحركة 20 فبراير:
السياقات، التحديدات والأفق الثوري
(1998 – 2012)

بقلم: وليد الزرقطوني
الحلقة الأخيرة

lX – اتجاه تطور سيرورة التناقض الرئيسي وميزان القوى الطبقي بالمغرب و مهام الحركة الماركسية – اللينينية:

1 ) في طبيعة الحركة و برنامجها :

ما أن انطلقت حركة 20 فبراير المغربية، بعد فترة انتظار و ترقب لما يجري في تونس و مصر و اليمن و البحرين و سوريا، حتى بدأت المقالات و التصريحات و أجهزة الإعلام تدلي بدلوها حول طبيعة الحركة و مضمونها و شعاراتها، فاستعملت مفاهيم و مصطلحات مختلفة للتعبير عن طبيعتها، بل إنه حتى الماركسيين – اللينينيين التحقوا بالمشهد للتعبير عن تصوراتهم و مفاهيمهم، و إن كانوا بدرجة أقل.
هكذا، اعتبر البعض حركة 20 فبراير "ثورة شعبية"، و اعتبرها البعض الآخر "انتفاضة شعبية"، و سماها طرف آخر "حركة ثورية"، و لم تتوانى الأغلبية عن استيراد مصطلحات الإعلام الإمبريالي الغربي، من قبيل "الربيع العربي"، و إطلاق تسميات الزهور من قبيل "ثورة الياسمين" عند توصيف التجربة التونسية، و زاد الطين بلة حينما نصبت شبكة الجزيرة القطرية الرجعية نفسها مركز قيادة "ثورات الربيع العربي"، بل أصبح المدعو القرضاوي شخصية ثورية تقود "الربيع العربي"، كما تجسد ذلك في وصوله إلى القاهرة حيث أم الناس للصلاة في "ساحة التحرير" بعدما التحق أصدقاءه من الإخوان المسلمين المصريين متأخرين، بانتفاضة الشعب المصري.
و تدخلت تيارات فكرية و إيديولوجية و سياسية مختلفة (التحريفية، التروتسكية، الأناركية) مشوشة على الوضع بخطابات تنشر الوهم و الشعارات الزائفة، مما زاد في تعقيد الصورة و تضبيبها، و لم يحد عن هذا الوضع حتى بعض الماركسيين ـــ اللينينيين، عندما ركبوا الموجة دون تمحيص و تدقيق و تحليل موضوعي و استشراف لمستقبل حركات أطلقتها الجماهير العربية.
لسنا من أنصار "نظرية المؤامرة"، و نؤكد على أن تفجر تلك الحركات كان نتيجة الأوضاع الاجتماعية و السياسية الطبقية في تلك البلدان، التي وصلت درجة من التراكم أدى إلى ذلك الانفجار (الشيء الذي لا يعني أن الإمبريالية و شبكاتها التآمرية المحلية و الدولية لا تتدخل ولن تتدخل، فذلك من طبيعة الأمور، و من طبيعة المسارات، التي تسير فيها الثورات، حيث تتصارع قوى داخلية و خارجية فيما بينها).
و فيما يخص حركة 20 فبراير، لن نعود للسياقات العامة، التي كانت وراء انطلاقها، فقط نؤكد أن المغرب عرف على امتداد 20 سنة قبل الحركة تصاعدا نضاليا للحركة الجماهيرية، و ظهور العديد من الحركات الاجتماعية، و الأشكال النضالية و التنظيمية للحركة الجماهيرية، و ذلك بشكل غير مسبوق تعبيرا عن حدة الأزمة البنيوية للنظام و للأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية للبلاد، إن هذا منظور إليه في شموليته لم تعرفه، سواء مصر أو تونس أو غيرها نتيجة الخصوصيات المحلية.
و إذا كانت الحركة الجماهيرية في مصر و تونس قد تطورت بسرعة نحو انتفاضة شعبية أسقطت بداية رأسي النظام في البلدين (أعادت الكرة مرة أخرى في مصر مع نظام محمد مرسي الإخواني)، فهي مع ذلك لم ترق إلى مستوى ثورة بمعناها العلمي، أي تغيير البنى الاقتصادية و السياسية الطبقية السائدة لصالح سلطة و بنى جديدة، و بالنسبة لحركة 20 فبراير فإن الأمر مختلف، فرغم أنها ورثت تراكما نضاليا جماهيريا كبيرا، فإنها مع ذلك لم ترق إلى مستوى انتفاضة شعبية، لكونها لم ترفع شعار إسقاط رمز النظام، بل سعت إلى إصلاحه في حدود معينة، كما عبرت عن ذلك وثيقتها التأسيسية و شعاراتها المرفوعة و أساليبها النضالية السلمية.
كثيرا ما أخطأ البعض (من بينهم ماركسيون ـــ لينينيون) حينما راهنوا على ثورية الحركة، و لم يستطيعوا إدراك طبيعتها الطبقية و السياسية، و ساروا يسقطون عليها شعاراتهم و أحلامهم و أوهامهم.
ليس بالصدفة أننا في الصفحات السابقة قمنا بمجموعة من المقارنات بين شباب حركة 20 فبراير و شباب الحركة الوطنية المغربية ثم شباب السبعينات من القرن الماضي، و الهدف هو المساهمة في تقييم الحركة و تحديد جوهر طبيعتها السياسية و الطبقية، و لم تخرج عن هذا الإطار كل السياقات العامة و الخاصة التي وضعناها في الصفحات السابقة، و نريد أن نؤكد هنا على حقيقة تاريخية تفيد أن حركات الشباب تكون أحيانا مقدمة لنشوء حركة ثورية جديدة، و هو ما حصل مثلا بالنسبة لحركة 4 مايو في سنة 1919، التي أنشأت القيادات الجديدة، التي بنت الحزب الشيوعي الصيني، علما أن البعد الديموقراطي (ضد الإقطاع و الامبراطورية) و البعد المعادي للإمبريالية كان حاضرا، مما جعلها حركة صينية ثورية.
و في المغرب انتفضت الجماهير الشبيبية في الدار البيضاء و مدن أخرى، و كان حاضرا لدى شبابها الموقف الثوري من النظام و من ارتباطاته الاستعمارية، إضافة إلى البعد الديموقراطي، من خلال الموقف من السياسة التعليمية تجاه أبناء الكادحين، و برفض الأساليب الإصلاحية في مواجهة النظام.
لقد ساهمت انتفاضة 23 مارس المجيدة، إلى جانب عوامل أخرى في تهييئ القادة الثوريين، اللذين أسسوا الحركة الماركسية ـــ اللينينية المغربية، و في مقدمتها منظمتي "إلى الأمام" و "23 مارس".
وعندما أنشأ الشباب الثوري الحملم (الحركة الماركسية اللينينية المغربية)، كان قد استوعب دروس و حصيلة نضال الشعب المغربي ضد الاستعمار الفرنسي و ضد النظام الكمبرادوري، فرفع شعار "لا إصلاح لا رجعية، قيادة ثورية"، و ذلك في وجه النظام و القوى الإصلاحية، و ضمنها الحزب الشيوعي التحريفي، الذي كان يسمى آنذاك حزب "التحرر و الاشتراكية"، حزب أطلقت عليه حتى موسكو آنذاك اسم "الحزب الشيوعي الملكي الرجعي".
لم تكن حركة 20 فبراير إطارا لتوليد شبيبة ثورية، لطبيعتها الطبقية و السياسية، و لقد سبق أن اعتبرناها حركة واتجاها للبورجوازية الصغيرة، بل، و حتى لبعض الشرائح من البورجوازية المتوسطة (بل فتحت الباب لبعض المشاركات الفردية من البورجوازية الكبيرة، مثال ميلود الشعبي، كريم التازي)، و قد بينا ذلك من خلال دراسة مكوناتها و أفق طموحها البرنامجي و السياسي، الذي تميز بطابع ديموقراطي إصلاحي.
إن التحديد البنيوي الطبقي لمكوناتها (البورجوازية الصغيرة أساسا، و التي تتميز بالتشتت في كيانها الذاتي خلافا للطبقة العاملة) و الموقف الطبقي السياسي1 يتأثران بشكل أولي بطبيعة التناقض بين هذه الشرائح من البورجوزية الصغيرة و المتوسطة من جهة، و البورجوازية الكمبرادورية من جهة أخرى، و قد اعتقد البعض خطئا أنه تناقض رئيسي، و الحال أنه ليس كذلك، فالتناقض الرئيسي هو بين الطبقة العاملة و الفلاحين و البورجوازية الصغيرة و المتوسطة من جهة والمصالح الامبريالية و البورجوازية الكمبرادورية و كبار الملاكين العقاريين الرأسماليين، و البيروقراطية الكبيرة، من جهة أخرى، إنه التناقض المحدد لطبيعة المرحلة الثورية : مرحلة الثورة الوطنية الديموقراطية الشعبية .
إن هذا التناقض يحدد طبيعة التناقض القائم بين البورجوازية الصغيرة والمتوسطة والبنية الامبريالية الكمبرادورية، باعتباره تناقضا ثانويا قد يحتد تحت تأثير التناقض الأول، لكنه غير كاف لتحديد الأفق الثوري بالبلاد.
و بالعودة إلى الورقة التأسيسية للحركة، نجد ذلك الطابع الإصلاحي للحركة، من خلال شعار "الملكية البرلمانية"، و من خلال استقراء مواقفها السياسية و شعاراتها، لا نجد ذلك الطابع المعادي للإمبريالية، الضروري في مرحلة الإمبريالية لكل حركة ديموقراطية ثورية، كما أن طابعها الوطني ظل محدودا، لكونها لم تعد النظر في طبيعة النظام الاقتصادي و الاجتماعي السائد (نظام رأسمالي تبعي) و اكتفت بشعارات فضفاضة حول محاربة الفساد و الريع، و نهلت من مصطلحات "النظام المخزني" دون توصيف حقيقي لطبيعة النظام، ذلك التوصيف الذي سيوصلها إلى طبيعة النظام الطبقية و ارتباطاته الإمبريالية، الشيء الذي لم يكن أبدا واردا في جدول أعمالها.
إن طبيعة برنامج الحركة، و استراتيجيتها الإصلاحية المرتبكة، و أساليبها النضالية كانت وراء الحد من المشاركة الشعبية في الحركة، التي كلما كانت تقع، كانت تجابه بخطاب يتهمها بأنها من صنع النظام و أجهزته، هكذا، انعزلت تدريجيا عن الجماهير الشعبية رغم بعض المحاولات في الاتجاه المعاكس، إلا أنها لم تكن تحظى برضى المراكز المؤثرة، التي كانت تتموقع في مدينة الرباط أساسا.

2 ) في اتجاه تطور سيرورة التناقض الرئيسي و ميزان القوى الطبقي:

إن رصدنا لهذا التطور يسمح بتحديد اتجاهين متناقضين ضمن سيرورة الصراع الطبقي:
- استمرار هجوم الرأسمال الإمبريالي الكمبرادوري في ظل أزمة خانقة للنظام الرأسمالي الإمبريالي، و انعكاساته على الشريك الكمبرادوري، في ظل تفاقم أزمة النظام الكمبرادوري التبعي، و تحميل تبعات ذلك للجماهير الكادحة في المدن و البوادي، و تصاعد القمع و الاستغلال و الاضطهاد و التبعية لمراكز القرار الإمبريالي، سياسيا و اقتصاديا و عسكريا و استراتيجيا.
- تصاعد نضالات الجماهير في كل القطاعات، و خاصة ذات الصلة المباشرة بسيرورة تراكم الرأسمال الكمبرادوري (القطاعات الصناعية ذات الصلة، أراضي الفلاحين، الأراضي السلالية، القطاع العقاري ...).
بناء عليه، فإنه بالإمكان استخلاص المميزات التالية :
* اتجاه تطور ميزان القوى لصالح الإمبريالية و الكمبرادور.
* ميل نحو تطور غير متكافئ بين مختلف قطاعات الحركة الجماهيرية.
* تنامي الحركة الجماهيرية بشكل كمي و العجز عن الانتقال إلى المستوى النوعي للأسباب التالية:
■ غياب الأداة الثورية، أداة النضال الثوري: الحزب الماركسي ـــ اللينيني.
■ غياب الاستراتيجية الثورية و البرنامج الثوري.
← إن سيرورة الوعي السياسي الطبقي الثوري تفتقد لأداتها الطليعية الثورية، و لذلك تعتبر مهمة بنائها مهمة مركزية ملقاة على كل الماركسيين ـــ اللينينيين.
إن الحديث عن عملية البناء هاته تسوقنا إلى الحديث عن السياق الاستراتيجي لتلك العملية، الذي أطلق عليه علم الاستراتيجية الثورية: مرحلة الدفاع الاستراتيجي.
بعد تحديد طبيعة التناقض الرئيسي واتجاه ميزان القوى الطبقي، و انطلاقا منهما معا، يمكن اعتبار نضال الحركة الثورية الماركسية ـــ اللينينية ينخرط في سياق إنجاز مهام مرحلة الدفاع الاستراتيجي (بناء الخط السياسي و الاستراتيجي و أدوات الثورة و قيادة النضال الدفاعي للحركة الجماهيرية، في ظل ميزان القوى ميال لصالح الإمبريالية و الكمبرادور، مع الأخذ بعين الاعتبار تنامي نضالات الجماهير).
إن إشكالية بناء الخط السياسي في أساسها مسألة بناء الأطر الثورية (كوادر البروليتاريا من العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين المبلترين)، و هي عملية جدلية متناقضة، فلا يمكن بناء الأداة الثورية دون بناء الخط السياسي، الذي لا يمكن هو بدوره بناؤه خارج الكفاح الجماهيري، كما لا يمكن بناء الأطر الثورية بدون خط سياسي، الذي يحدد بدوره عملية البناء هاته.
إن جدلية بناء الخط السياسي ـــ بناء الأطر الثورية، تتميز بكونها تنخرط في سيرورة تعرف نموا متقدما للحركة الجماهيرية و غيابا تاما للأداة الثورية.
إن التقدم في اتجاه القضاء على هذه الاختلالات يستوجب ما يلي:
1 - التغلب على الحركوية المفرطة و العفوية، حيث "الهدف لا شيء و الحركة كل شيء"، و من هنا وعي المناضلين الماركسيين ــــ اللينينيين بأهمية تأسيس العمل النضالي و بنينته تنظيميا، مع إيجاد أشكال و أساليب العمل المناسبة.
2 – التغلب على التناقض بين الدعاية و التحريض، مع تأكيد أولوية العمل الدعائي كقاطرة للعمل النضالي، انطلاقا من أن "لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية"، و باعتبار أن النظرية في الفترة الراهنة هي المحدد ضمن جدلية الحركة و النظرية.
فماذا نعني بالنظرية الثورية ؟
إنها :
-1- المبادئ العامة للماركسية ـــ اللينينية (الحقائق العامة).
-2- التطبيق العملي لتلك الحقائق العامة على السيرورة الثورية من أجل إنتاج النظرية الثورية الخاصة ضمن جدلية العام و الخاص.
-3- اعتماد المبدأ الأممي للماركسية ـــ اللينينية، القائم على وحدة مصالح الطبقة العاملة العالمية، و على تعميم التجارب الثورية التاريخية العالمية و المحلية لنضال البروليتاريا العالمية و الشعوب المضطهدة.
-4- إن تحصيل و استيعاب مبادئ الماركسية ـــ اللينينية ليس استظهارا للكتب و النصوص، الذي يسقط في الدوغمائية (تفصل الدوغمائية النظرية عن الممارسة الثورية، و عن روحها الثوري، الذي هو التحليل الملموس للواقع الملموس)، كما أن الحركية و غياب البعد النظري يسقط في التجريبية (لا تتعدى التجريبية حدود المعرفة الجزئية، و بالتالي تتميز بالعجز عن اكتساب المعرفة الكلية أو الثورية و تسقط في فصل الممارسة عن النظرية).
-5- إن إنجاح العمل الثوري يتطلب التطبيق الحي و الخلاق للمبادئ الماركسية ـــ اللينينية على النضالات الطبقية، عبر التحليل الملموس للواقع الملموس و إعطاء الأهمية لأسلوب التحقيقات.
إن دراسة الصراعات الطبقية عبر الدراسة العلمية و أسلوب التحقيقات، يسمح بإنتاج تحاليل طبقية عامة (تحليل التشكيلة الاجتماعية و الاقتصادية بشكل عام)، أو ظرفية (تحليل الظرفية بالمعنى الذي حدده لينين، أي تحليل للصراع الطبقي في فترة زمنية محددة، و يتضمن تحديد اتجاه موازين القوى الطبقية، القوى الاجتماعية و السياسية المتصارعة، آفاق النضال لتلك الفترة الظرفية ...) تساهم في بناء الخط النظري و الاستراتيجي للثورة.
بهذا المعنى، و في سياق النضال الثوري الجماهيري، و بالتوجه إلى الطبقة العاملة و جماهير الفلاحين، تنبني و تنصهر الهوية الثورية الماركسية ـــ اللينينية من أطر البروليتاريا و المثقفين الثوريين.

3 ) مبادئ توجيهية لمناقشة مهام الثوريين الماركسيين – اللينينيين :

ليس المطروح هنا تحديد للمهام، كما هو متعارف عليه لدى الماركسيين ــــ اللينينيين، حيث يتم الحديث عن مهام تكتيكية و أخرى استراتيجية، و عن مهام جماهيرية و أخرى سياسية، يبنين هذا و ذاك وجود برنامج ثوري يوجه كل تلك الأعمال. إنما المقصود هنا إعطاء بعض الأفكار العامة للدفع بالعمل نحو هذا الاتجاه.
إن المتابع للتجارب النضالية لشعوب المنطقة العربية، يلاحظ غياب و ضعف القوى اليسارية عموما، و الماركسية ـــ اللينينية خصوصا، مما يؤكد عدم جاهزيتها للانخراط في تلك الحركية التي فجرتها الانتفاضات العربية. و إذا كان الوضع شبه عام، فهذا لا يعني عدم وجود خصوصيات يتميز بها واقع اليسار الثوري في هذا البلد أو ذاك، و إن قراءة سريعة لواقع هذا اليسار تثبت وجود تمزقات عميقة و متنوعة تتحكم في حاضره.
إن انهيار المعسكر الاشتراكي عموما، و نتائجه على موازين القوى العالمية، و تراجع المد النضالي الثوري في العالم، و سقوط الأدوات الثورية و الجماهيرية لتحرر البروليتاريا العالمية و شعوب العالم المضطهدة (أحزاب شيوعية، نقابات، حركات التحرر الوطني) إضافة إلى نشوء و ترعرع إيديولوجيات بورجوازية صغيرة و تحريفية جديدة، انضافت إلى الإرث التحريفي التاريخي الكلاسيكي، كل هذا قسم و يقسم باستمرار اليسار الماركسي ـــ اللينيني إلى العديد من المجيمعات، التي تعيش حالة تشرذم و انقسام دائمين، ألقى بثقله على الحالة المتردية التي يعيشها اليسار الثوري الماركسي ــــ اللينيني، مما ساهم، و يساهم في تعقيد مهام إعادة بناء هذا اليسار و إنجاز مهامه التاريخية، و لن يتحقق ذلك خارج تشخيص الحالة و التقدم المنهجي في الخروج منها.
إن تشخيص هذه الحالة، يثبت أن العديد من الماركسيين ــــ اللينينيين أصبحوا يخلطون بين التحريفية القديمة و الجديدة من جهة، و الماركسية ــــ اللينينية الثورية الحقيقية من جهة أخرى، و هو ما يفسره هذا الإقبال الكبير على كتب التحريفية السوفياتية و العربية بدون تمحيص و تدقيق، مما يعود بهم إلى الوراء، و يجعلهم طعما سائغا في يد التحريفية بشكلها القديم و الجديد.
إن الانطلاق من حيث انتهى خط الثورة العالمية في الستينات، الذي فصل بين خط التحريفية العالمية بقيادة الاتحاد السوفياتي و الثورة العالمية بقيادة الثورة الصينية، هو المدخل لكل عمل جديد على قاعدة تقييم ثوري ماركسي ــــ لينيني للتجارب الاشتراكية العالمية، و على قاعدة دراسة التجارب المحلية لليسار الماركسي ـــ اللينيني، و بإنجاز التحاليل الملموسة للصراعات الطبقية (التحاليل الطبقية، التحاليل الظرفية ...) و التقدم في بناء الخط السياسي و بلورة البرنامج الثوري.
إن الانحراف عن هذا الاتجاه، يؤدي حتما إلى السقوط في هذا الشكل أو ذاك من التحريفية و إعادة إنتاجها.
إن التقدم في الاتجاه الصحيح من أجل الخروج من المآزق، التي يتخبط فيها اليسار الثوري الماركسي ــــ اللينيني، تستدعي التقيد بمجموعة من المبادئ و القواعد :
- 1- العمل على التعريف بالمواقف النظرية و فتح نقاش واضح و صريح حولها، الشيء الذي يستدعي نقاشا نظريا و نقديا لتاريخ الحركة الشيوعية العالمية و لتجارب البناء الاشتراكي، و تقييم و استيعاب دروس و خبرات التجارب الماركسية ــــ اللينينية المحلية. إن هذا سيتوافق مع الاتجاه نحو بناء خط نظري و إيديولوجي للثورة العالمية و الثورات المحلية الوطنية.
-2- لا قيمة لخط نظري عام بدون وجود خط سياسي، يحدد المهام و يرتكز على برنامج ثوري مرحلي و استراتيجي. إن التقدم في إنجاز الخط السياسي مرتبط أشد الارتباط بالتحليل الملموس للواقع الملموس، و القيام بالتحقيقات من أجل إنتاج التحاليل السياسية الآنية و الظرفية، التي ترتكز كذلك على وجود تحليل طبقي عام.
-3- الاعتماد في العمل السياسي، بعد تحديد أشكاله الرئيسية، على خط الجماهير، الذي يجد أسسه القوية في الفكر الماركسي ـــ اللينيني عموما، و في الثورة الصينية خصوصا، و ذلك من أجل إتقان فن قيادة الجماهير، و بناء حزبها الثوري الماركسي ــــ اللينيني.
-4- ضرورة التأكيد على شعار الوحدة و النضال بين الماركسيين ــــ اللينينيين المنخرطين في كل جبهات النضال الطبقي و الجماهيري.
-5- التشبث بوحدة الماركسيين ــــ اللينينيين الثوريين الحقيقيين على أسس مبدئية، تضع الحدود الفاصلة بين الماركسيين ــــ اللينينيين و التحريفيين، قبل تحديد أي وحدة ممكنة و الشروع في تحقيقها، مع التأكيد على مضمون النقطة الرابعة.
-6- على الماركسيين – اللينينيين الثوريين الحقيقيين أن يقوموا بتقييم تجاربهم المختلفة، السياسية و النضالية و التنظيمية و الجماهيرية. و فيما يخص الجانب الجماهيري ضرورة تقييم التجارب القطاعية و استخلاص دروسها، من أجل تجاوز الحركية و العفوية و التجريبية، و كذلك تجاوز التجارب الإصلاحية و التحريفية في الإطارات الجماهيرية.
إن تجربة حركة 20 فبراير في المغرب رغم محدوديتها (حركة طابعها مطلبي و احتجاجي، سياسي و جماهيري)، كما تجارب باقي شعوب المنطقة العربية، تثبت الطاقات الهائلة، التي تتوفر عليها الجماهير الشعبية، من حيث قدرتها على المبادرة و إبداع أساليب النضال المناسبة، كما تظهر إمكانية تحويل الشعارات الثورية للماركسيين ــــ اللينينيين إلى واقع جماهيري، و من تم التحول نحو قيادة الجماهير و إنجاز المهام التاريخية الملقاة على عاتقها، و في مقدمتها بناء أداتها الثورية : الحزب الماركسي ــــ اللينيني.
إن الحديث و الثرثرة حول أفق حركة 20 فبراير، أو أي حركة أخرى تفجرها الجماهير، دون التقيد بالنقط المحورية أعلاه، هو مجرد جعجعة بدون طحين و "فرازيولوجيا ثورية" (جملة ثورية) ليس إلا.

وليد الزرقطوني
1- 8 - 2019

الهوامش
1 ـ تشكل البورجوازية الصغيرة المغربية قاعدة اجتماعية لأغلب الأحزاب السياسية في المغرب، كما أنها تنتظم في العديد من جمعيات المجتمع المدني (130 ألف جمعية مقابل حوالي 45 ألف في التسعينات من القرن الماضي). إن هذا الاندفاع و التهافت نحو ما يسمى بالمجتمع المدني، يفسر بالتراجع، الذي تعرفه ساحة العمل السياسي في المغرب و فقدان كل الأحزاب للمصداقية عند الجماهير، إضافة إلى سياسة النظام الهادفة إلى ضرب فكرة النضال و تشجيع سياسة التسول و الاعتماد على المساعدة بدل النضال، و قد وجدت العديد من فئات البورجوازية الصغيرة ضالتها في ذلك، و قد دفعها وضعها المادي إلى الانخراط في ذلك و التهافت عليه، محاولة بذلك خلق جسور التواصل مع السلطة و السلطات المحلية، و ذلك عبر تقديم المطالب و البحث عن الدعم عندها. إن البورجوازية الصغيرة تؤمن بشكل كبير بأن السلطة تخلق الثروة. و سواء هل ركبت هذه الفئات أو الشرائح من البورجوازية الصغيرة قطار العمل الحزبي، أو استقلت عربة المجتمع المدني، ففي جميع الأحوال تحاول خدمة مصالحها عبر شبكات الزبونية و الوصولية، و ذلك تحت شعارات متعددة تتقن استعمالها وتجتهد في اختراعها، من قبيل "ديموقراطية المشاركة" و "التنمية المستدامة" و "الاقتصاد الاجتماعي".

موقع 30 غشت
http://www.30aout.info



تعليقات الفيسبوك