بورتو ريكو : 15 يوما من الإحتجاجات أ زاحت من السلطة الحاكم المكروه


شادي الشماوي
2019 / 8 / 1 - 00:20     

جريدة " الثورة " عدد 606 ، 29 جويلية 2019
https://revcom.us/a/606/puerto-rican-timeline-15-days-that-drove-a-hated-leader-from-power-en.html

أذكر أنّي شاهدت بخوف سلسلة من المسيرات الجماهيريّة أتت نتيجة ارتفاع أسعار المواد الأساسيّة و غيرها من المشاكل الاقتصادية ، أطاحت بالرئيس عمر البشير في السودان ، هذه السنة . و ما كنت أتوقّع حصول هذا في برتوريكو . لقد نشأت على التفكير في أنّ البرتوريكيّين قد قبلوا ببساطة بقدرهم في الحياة . أكيد أنّ الطلبة في الجامعات أو مجموعات النقابات كانوا ينظّمون إحتجاجات من حين لآخر ، لكن في آخر المطاف ، كانت تلك الإحتجاجات ، تخمد .
- لورا أوليفيارا روبلاس ، صحفيّة مستقلّة من بورتوريكو ، جريدة " النيويورك تايمز " ، 25 جويلية 2019

لأزيد بقليل من أسبوعين ، بداية من إحجاج عشرات النشطاء ، أخذ مئات الآلاف يحتلّون الشوارع في إحتجاجات في النهار ( و في الليل ) ، متحدّين عادة القمع الوحشي للشرطة ، و باعثين حركة مصمّمة على تغيير الظروف غير المحتملة التي تتسبّب في عذاب شعب بورتوريكو الذى بالكاد يعدّ 3.5 مليون نسمة ،و فارضة تنحّى الحاكم المكروه .
كيف حصل هذا ؟

من غير الممكن فهم هذا دون الإنطلاق من الواقع الأكثر أساسيّة لبورتوريكو – أنّه طوال 120 عاما كان مستعمرة تابعة للولايات المتّحدة التي هيمنت على كامل إقتصاده و شوّهته خدمة لمراكمة الثروة لمصلحتها ، و أنّ الحكم بما فيه ، قوات الشرطة المتميّزة بالفساد و البطش – ركّزته الولايات المتحدة وهو قائم لخدمة سيطرتها على شعب بورتوريكو ، بينما فئة قليلة من " نخبة " البورتوريكيين تقوم بتسيير هذه الآلة و تجنى " حصّتها " من هذه الأرباح .

و قد جعل هذا الواقع الحياة الكريمة في بورتوريكو مستحيلة تقريبا ، كما حمل الملايين على مغادرة وطنهم بحثا عن فرص حياة في الولايات المتّحدة ما أدّى إلى أزمة إقتصاديّة مدمّرة تعرقل آمال الملايين و أحلامهم . و قد برز كلّ هذا للعيان عندما تركت عمليّا حكومة الولايات المتّحدة برتوريكو دون مساعدة غداة إعصارات إرما و ماريا متسبّبة في وفاة الآلاف، وفاة غير ضروريّة ، و في عذابات لا تطاق للملايين . و بدوره ، فاقم هذا بصفة كبيرة أنواع البؤس الأخرى ، و منها العنف في صفوف الجماهير ، لا سيما العنف الأسري و المرأة ضحيّته الأولى .

و مع ذلك ، كان يبدو ، مثلما وضعت ذلك الصحفيّة المذكورة أعلاه ، بالكاد وجدت إحتجاجات تذكر متواصلة و ظاهريّا كان " البرتوريكيّون قد قبلوا ببساطة بقدرهم في الحياة ".
ثمّ ، ...

يوم الثلاثاء 9 جويلية ، سندرا رود ريغاز كوتو ، مدوّنة أنترنات محلّية ، سرّبت عددا صغيرا من محادثات في صفوف حكومة ريكاردو روسايو ومحيطه الأقرب ، قام المتحادثون خلالها بإصدار تعليقات مناهضة للمثليين جنسيّا و معادية للمرأة، و مهاجمة بطرق أخرى البرتوريكيين . و تُبع هذا في 10 جويلية ، بإيقاف كاتب روسايو للتعليم و موظّفين سامين آخرين بتهم الفساد .

و أخذ تداخل الأمرين يمزّق شرعيّة الحكومة إلى درجة أنّ روسايو الذى كان في رحلة بحريّة بأوروبا ، ترك أسرته خلفه و إمتطى طائرة عائدا إلى البلاد ليصدر إعتذارات و ليعقد إجتماعات ماراطونيّة من الصباح إلى الليل مع الموظّفين السامين لحزبه ، الحزب التقدّمي الجديد . ( وهو حزب يدافع عن إستقلال برتوريكو و يتحكّم في فروع الحكم الثلاثة هناك ).

و حتّى في تلك المرحلة ن فكّر بعض قادة هذا الحزب أن الوضع غير قابل للسيطرة و أنّ المحادثات إيّاها " قد تغرق كامل الحزب على الجزيرة ".

يوم الخميس ، 11 جويلية ، نظّم نشطاء – 100 على الأقلّ – أوّل إحتجاج أمام الفرتاليزا ( مقرّ الحكومة ) منادين بإستقالة روسايو .
يوم السبت ، 13 جويلية ، أطلق المركز البرتوريكي للصحافة الإستقصائيّة على الأنترنت مجمل 889صفحة من المحادثات السرّية ، وهي بمثابة إعصار من معاداة النساء و مناهضة للمثليين الجنسيين و كذلك نقاشات عن لإطلاق يد الشرطة و عنف آخر ضد الخصوم السياسيين ، و مزحات عن الناس الذين قُتلوا أثناء الإعصار . و مثلما كتب الأستاذ ماريسول لوبرون من جامعة التكساس : " ما توضّحه المحادثات هو أنّ التوافق السياسي الحالي ليس بوسعه أن يوفّر المستقبل [ الكريم ] للبرتوريكيين . لهذا نزل الناس إلى الشوارع – ليس لمطالبة روسايو بالإستقالة و حسب بل أيضا ليعبّروا بوضوح عن أنّ الوضع السياسي الراهن غير مقبول "

و طفقت إحتجاجات على نطاق واسع تتشابك في النهار و في الليل أمام الفرتاليزا ، و كان بعضها يعدّ عشرات الآلاف .
و يومها إستقال سكرتير روسايو للدولة معلنا أنّ ذلك " واجبه الأخلاقي ".

و يوم السبت 14 جويلية ، إتّجه روسايو إلى كنيسة إنجيليّة ليبحث عن " التوية العامة " و عن مساندة المحافظين المسيحيين وهم جزء هام من قاعدة الحزب التقدّمي الجديد .

و تواصل نموّ المسيرات الضخمة ضد روسايو .

يوم الإثنين ، 15 جويلية ، حاصرت مرّة أخرى الإحتجاجات مقرّ الحكومة . و بالرغم من كون الأمور سارت سيرا سلميّا لعدّة ساعات ، عند حلول الظلام ، أعلنت الشرطة فجأة أنّ الحشد الضخم غير قانوني و أمرت الحضور بالتفرّق ، ثمّ سرعان ما هاجمت الحشد بالغاز المسيل للدموع و مرشّات رذاذ الفلفل ، و الرصاص المطّاطي . على ما يبدو ن كانوا يأملون في إمكانيّة كسر الحركة السلميّة على هذا النحو ؛ و قد صرّح أحد أعضاء الشرطة حتّى ( في غضب تجاه شعار المحتجّين " نحن أكثر عددا و لن نخاف " ، بأنّ " الطريق العام نظيف و أولئك الذين قالوا إنّهم لن يخافوا نسوا أنّنا أقلّ عددا لكنّنا نملك الكثير من الغاز " ( التشديد مضاف )

لكن عوض أن تكسر المقاومة ، فاقمت هذه الهجمات عدم شرعيّة الدولة و أدّت إلى تكاثر سريع للإحتجاجات ، ما عني مزيجا من المسيرات الكبرى الجيّدة التنظيم ( عادة تدعو لها قوى سياسيّة تساند إستقلال بورتوريكو ) و ظاهرة " المسيرات " المنظّمة ذاتيّا " – مسيرات ينظّمها أفراد أو جماعات صغيرة إلخ قد تشمل قراءات جماهيريّة للدستور و الغناء و اليوغا أو عديد التعبيرات الأخرى . و قد جلبت هذه " المسيرات المنظّمة ذاتيّا " المزيد من الناس و وفّرت نفسا أكبر و مزيدا من الوعي بأنّ " الشعب " كان من جهة و الحكم اللاشرعي من الجهة الخرى .

يوم الأربعاء ، 17 جويلية ، إلتحق عشرات الآلاف بمسيرة يقودها مشاهير شعبيين من برتوريكو على غرار باد بونى و رزيدنتى و ريكى مارتن . و مجدّدا حاصر المتظاهرون مقر الحكومة يومي الخميس و الجمعة .

يوم السبت ، 20 جويلية ، ليلا ، وقعت مهاجمة المعتصمين حول مقرّ الحكومة من جديد على يد الشرطة و إستمرّت معارك الشوارع إلى ساعات متقدّمة من الليل و قد جاء في تقارير بعض الصحفيّين أنّ سان خوان القديمة كانت تشبه " ساحة حرب".

و كان دعم الطبقة الحاكمة للحكومة يتداعى فقد كشف مقال يوم 20 جويلية في جريدة " هيرالد ميامي " لماذا : " إن لم تقد الجهود إلى ترحيل روسايو ، يقول البعض ، سيسخدم ذلك كتأكيد على خوف منتشر و متنامى من أن البرتوريكيين العاديين لا يتحكّمون كثيرا أو لا يتحكّمون مطلقا في مستقبلهم السياسي و الاقتصادي ..."

و قد أوردت جريدة " هيرالد ميامي " مقتطفا من ما صرّح به عالم اجتماع وُلد في برتوريكو :

" كافة الإدعاءات – و خاصة المحادثات على الأنترنت – كشفت ما كان يشكّ فيه العديد منّا من أنّنا ننحدر من بلد له واقعان ... واحد هو طبقة سياسيّة قويّة تتحكّم في جميع مجالات السلطة و تقوم بما يحلو لها دون خشية أيّة تبعات . و الآخر هو طبقة إجتماعيّة تشعر بالغبن و اليأس وهي الآن تتّقد نشاطا جراء واقع أنّه ليس لديها ما تخسره ، سياسيّا و إجتماعيّا ، بإستثناء الكرامة و الإحترام . لقد لمست هذه الوضعيّة عصبا جماعيّا لا أعتقد أنّه سيهدأ ما لم يرحل روسايو ".

و بالرغم من فقدان الشرعيّة في صفوف الشعب و نقص دعم الطبقة الحاكمة ، يوم السبت 21 جويلية ، أعلن روسايو أنّه لن يستقيل ( على أنّه وعد بعدم التقدّم للإنتخابات مرّة أخرى ).

و قد جعل هذا غضب الجماهير يتعاظم إلاّ أنّه وضع أمامها تحدّيا تحدّثت عنه شابة عادت إلى موطنها لتشارك في الإحتجاجات قائلة : " في آخر المطاف ، سينال منّا التعب و سيستهلك قوانا ، و عندها سيكون علينا أن نقرّر إمّا أن نوقف تحرّكاتنا و إمّا أن نذهب إلى هناك [ مقرّ الحكومة ] حتّى و إن كان علينا أن نتوسّد أي نوع من الأفرشة و ننام في سان خوان . لكن علينا القيام بذلك لأنّنا الآن نمثّل من سيقرّر ما سيحدث هنا ."

هذه هي الروح التي سادت ، و يوم الإثنين 22 جويلية ، تحوّل مئات الآلاف من مروحة عريضة من البرتوريكيّين إلى أنهار جارفة ، مستولين على طريق سيّارة كبرى و مواجهين مجدّدا غالبا الشرطة العدوانيّة ، مطالبين بعناد بضرورة رحيل روسايو . و ذات الشابة شرحتذلك على النحو التالى :

" لقد أدركت بأنّ هذه الجزيرة كنز ، و كلّنا نعلم ذلك . لذلك نهضنا و فتحنا أعيننا و نحن هنا لأنّنا لن نتخلّى عن جزيرتنا . لن نتركها و سندافع عنها كما لو أنّها أثمن ما لدينا . "

و في النهاية ، بات جليّا أنّه ليس بوسع روسايو المواصلة . و رغم أنّه تمسّك بمنصبه ليومين آخرين ، يوم الأربعاء 24 جويلية ، حوالي منتصف الليل ، أعلن أنّه سيستقيل يوم 2 أوت .

و إنفجرت شوارع سان خوان فرحا !

إستقالة روسايو تعدّ إنتصارا عظيما – فقد فتح نشر المحادثات على ألنترنت و كذلك إيقاف الموظّفين الفاسدين نافذة على الطبيعة الإضطهادية للنظام ، و بإتّخاذ تحرّكات معيّنة بداية من قبل البعض ، إستطاع النشطاء و الجماهير العريضة تقديم نبذ مذهل للطريقة التي كانت تتعامل بها و تسيئ التعامل بها كافة أجهزة السياسة الرسميّة القائمة في برتوريكو .

لا يزال طريق التقدّم نحو الخروج من البؤس و الإضطهاد يحتاج إلى أن يُرسم و لا تزال هناك حاجة إلى تشكيل حزب طليعي ثوري . إلاّ أنّ هذا النضال قد مكّن الجماهير في برتوريكو – جميعها – من الحلم بإمكانيّات جديدة ، حاضرا و مستقبلا .

إلى الأمام !

++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++



تعليقات الفيسبوك