مداخلة حول كتاب - رأس المال لماركس (4)


خليل اندراوس
2019 / 7 / 30 - 10:20     


يقول ماركس في مقدمة كتابه "رأس المال": "ان الهدف النهائي لهذا الكتاب هو الكشف عن القانون الاقتصادي لحركة المجتمع القائم حاليا، أي المجتمع الرأسمالي البرجوازي. فدراسة علاقات الانتاج في هذا المجتمع المحدد تاريخيا من حيث نشوؤها وتطورها وزوالها، ذلك هو مضمون مذهب ماركس الاقتصادي.

ان الانتاج السائد في المجتمع الرأسمالي هو انتاج البضائع ولهذا يبدأ تحليل ماركس بتحليل البضاعة (باربون نيكولاس 1640 – 1698 – اقتصادي برجوازي انجليزي كان يعتقد بان قيمة الشيء تتحدد بمنفعته، وهو سلف ما يسمى بنظرية النقد الحكومية). "ان الناتج ومنتجه ايضا يكتملان بفضل تقسيم العمل" ويضيف ماركس: "واذا كان كتّاب العصور القديمة الكلاسيكية يشيرون احيانا الى نمو كتلة ما يجري انتاجه من منتجات فانهم لا يهتمون في هذا المجال سوى بوفرة القيم الاستعمالية، ولا نجد سطرا واحدا مكرسا للقيمة التبادلية وترخيص البضائع، وتسود وجهة نظر القيمة الاستعمالية سواء لدى افلاطون الذي يرى في تقسيم العمل الاساس لانقسام المجتمع الى مراتب، اما لدى كسينوفون الذي يقترب بحكم ما يتميز به من غريزة برجوازية اكثر من غيره من مبدأ تقسيم العمل داخل المشغل، وبما ان تقسيم العمل في جمهورية افلاطون يعتبر المبدأ الاساسي لبنية الدولة، فما هي اذًا سوى نسخة أثينية مثالية لنظام الطبقات المتعلقة المصري، وكانت مصر بالنسبة للمؤلفين الآخرين المعاصرين لافلاطون ومنهم ايزوقراط مثلا، نموذج البلد الصناعي واحتفظت بأهميتها هذه حتى في أعين الاغريق من عصر الامبراطورية الرومانية".

ولكن في عصر تطور تقسيم العمل المانيفاكتوري كوسيلة لانتاج المزيد من البضاعة بالكمية نفسها من العمل، وبالتالي لترخيص البضائع وتسريع تراكم رأسمال، وكما كتب ماركس في كتاب رأس المال الجزء الاول ص – 532: "وان هذا الناتج للتقسيم المانيفاكتوري للعمل كان بدوره ينتج الماكينات وتزيل هذه الاخيرة الطراز الحرفي للعمل بوصفه المبدأ الاساسي للانتاج الاجتماعي وبهذا تتم من جهة، ازالة الاساس التكنيكي لتقييد العامل طيلة حياته الى وظيفة جزئية معينة، وتتداعى من جهة اخرى الحواجز التي كان هذا المبدأ لا يزال يقيمها في وجه سيطرة الرأسمال". بعد ذلك في القسم الرابع الفصل الثالث عشر ص 576 يتطرق ماركس الى موضوع الماكينات والصناعة الكبيرة حيث يكتب ماركس ويقول: "لقد صور انجلز في كتابه "وضع الطبقة العاملة في انجلترا ومؤلفون آخرون ايضا تصويرا كاملا ومسهبا" الفساد الاخلاقي الناجم عن الاستغلال الرأسمالي لعمل النساء وعمل الاطفال بحيث انني اكتفي هنا بمجرد الاشارة الى ذلك. ولكن التوحش الذهني الذي يسببه بصورة مصطنعة تحويل الناس غير الناضجين الى ماكينات بسيطة لانتاج القيمة الزائدة، والمختلف تماما عن ذلك الجهل الفطري الذي يبقي الذهن في ظله بكرا بدون الحاق الضرر بمقدرته الذاتية على النمو واخصابه الطبيعي، ان هذا التوحش قد ارغم اخيرا حتى البرلمان الانجليزي على اعلان التعليم الابتدائي شرطا الزاميا للاستخدام "المنتج" للاطفال دون الرابعة عشر من العمر في جميع فروع الصناعة الخاضعة للتشريع المصنعي" "وتتجلى روح الانتاج الرأسمالي بوضوع في الصياغة غير المتقنة لنقاط قوانين الفبارك المتعلقة بالتربية المزعومة، وفي عدم وجود ذلك الجهاز الاداري الذي يصبح هذا التعليم الالزامي بدونه وهميا في غالبية الحالات وفي معارضة اصحاب الفبارك حتى لمثل هذا القانون عن التعليم، وفي مراوغاتهم واحاييلهم للتخلص منه".

ويضيف ماركس ويقول: "ان الماكينة اذ تضم عددا ساحقا من الاطفال والنساء الى الملاك العمالي المركب، تحطم اخيرا المقاومة التي كان العامل الرجل يبديها في المانيفاكتورة في وجه استبداد الرأسمال" (كتاب رأس المال الجزء الاول ص 580). بعد ذلك يتطرق ماركس الى تطويل يوم العمل ويقول: "اذا يخلق الاستخدام الرأسمالي للماكينات من جهة بواعث جبارة جديدة على تطويل يوم العمل الى حد الافراط ويحدث ثورة في اسلوب العمل نفسه وفي طابع عضوية العمل الاجتماعية بحيث يحطم اية مقاومة في وجه هذا الميل نوع تطويل يوم العمل، وينتج من جهة ثانية – جزئيا باخضاعه للرأسمال فئات من الطبقة العاملة كانت سابقا في غير تناوله وجزئيا بابقائه بلا عمل للعمال الذين ازاحتهم الماكينات – سكانا عاملين فائضين يضطرون الى الخضوع للقوانين التي يمليها عليهم الرأسمال، ومن هنا تلك الظاهرة الجديرة بالاعتبار في تاريخ الصناعة الحديثة وهي ان الماكينات تقلب جميع الحدود المعنوية والطبيعية ليوم العمل، وذلك التناقض الظاهري الاقتصادي وهو ان اقوى وسيلة لتقليص وقت العمل تتحول الى أمن وسيلة لتحويل مجمل وقت حياة العامل واسرته الى وقت عمل يقع تحت تصرف الرأسمال من اجل زيادة قيمته" (كتاب رأس المال ص 587 – 588) ويستمر ماركس ويقول: "وان انتيباروس الشاعر الاغريقي من ايام شيثرون قد رحب باختراع الطاحونة المائية لطحن الحبوب، هذا الشكل الاولي لكافة الماكينات المنتجة بوصفه محررة للاماء ومعيدة للعصر الذهبي. "وثنيون! يا لهؤلاء الوثنيين!"، فهم كما اكتشف باستيا الثاقب الفكر ومن قبله ماك – كولوخ الاكثر حكمة، لم يفقهوا شيئا في الاقتصاد السياسي والمسيحية. انهم لم يفهموا ضمن اشياء اخرى ان الماكينة هي اضمن وسيلة لتطويل يوم العمل، واذا كانوا قد برروا عبودية البعض فكوسيلة لتطور الآخرين تطورا انسانيا كاملا، ولكن من اجل التبشير بعبودية الجماهير بغية تحويل قلة من حديثي النعمة الغلاظ وانصاف المتعلمين الى "غزالين بارزين" و"صانعي سجق الكبار" و"تجار اصباغ احذية متنفذين" من اجل ذلك كانت تنقصهم المشاعر المسيحية المتميزة" (كتاب رأس المال الجزء الاول ص 588 – 589) ويستمر ماركس ويقول "يبدأ الصراع بين الرأسمالي والعامل المأجور منذ بداية نشوء العلاقة الرأسمالية، واستمر هذا الصراع على شدته طيلة مرحلة المانيفاكتورة ولكن من ادخال الماكينات فقط يشرع العامل في الصراع ضد وسيلة العمل ذاتها التي هي الشكل المادي لوجود الرأسمال، انه يهب ضد هذا الشكل المحدد لوسائل الانتاج بوصفه الاساس المادي للاسلوب الرأسمالي للانتاج" (كتاب رأس المال الجزء الاول ص – 616).

ويستمر ماركس ويقول: "باختصار عندما تتوافر الشروط العامة للانتاج المناسبة للصناعة الكبيرة، عندما يكتسب الانتاج الآلي تلك المرونة، تلك القدرة على الاتساع السريع وبشكل قفزات والتي لا تضع حدودا لها سوى المادة الخام وسوق التصريف". (رأس المال – الجزء الاول ص 650) وبعد ذلك يتطرق ماركس الى سوء استخدام الاسلوب الرأسمالي للاستغلال ويقول "الا انه ليس سوء استخدام سلطة الاهل هو الذي خلق استغلال الرأسمال المباشر او غير المباشر لقوى العمل غير الناضجة، بل على العكس فالاسلوب الرأسمالي للاستغلال بقضائه على الاساس الاقتصادي المطابق لسلطة الاهل قد حولها الى سوء استخدام. ولكن مهما يكن فظيعا ومقززا تفسخ الاسرة القديمة في ظل النظام الرأسمالي، الا ان الصناعة الكبيرة بتخصيصها الدور الحاسم في عملية الانتاج المنظمة اجتماعيا خارج نطاق البيت للنساء والاحداث والاطفال من كلا الجنسين، انما ترسي اساسا اقتصاديا جديدا لأعلى شكل من اشكال الاسرة والعلاقة بين الجنسين. وبديهي انه من السخف على درجة واحدة اعتبار الشكل المسيحي الجرماني للاسرة شكلا مطلقا، وكذلك الشكل الروماني القديم او الاغريقي القديم او الشرقي الذي يؤلف واحدها بالارتباط مع الآخر على أي حال سلسلة تاريخية موحدة من التطور، ومن الواضح ان تكوين ملاك العمال المركب من اشخاص من كلا الجنسين ومختلف الاعمار لكونه وفي شكله الرأسمالي الفظ والعفوي، عندما يوجد العامل من اجل عملية الانتاج وليس عملية الانتاج من اجل العامل، مصدرا موبوءا للهلاك والعبودية، يجب ان يتحول على العكس في ظل الظروف المناسبة الى مصدر للتطور الانساني" (كتاب رأس المال الجزء الاول ص 706 – 707).

ويضيف ماركس: "فإذا كان الانتشار الشامل للتشريع المصنعي كوسيلة لحماية الطبقة العاملة جسديا ومعنويا قد اصبح لا مفر منه من جهة، فان من جهة اخرى وكما اشرنا سابقا يجعل ذا طابع وشامل ويسرع تحول عمليات العمل المبعثرة والجارية على نطاق صغير الى عمليات عمل مركبة على نطاق كبير اجتماعي، أي انه يسرع تركز الرأسمال والتحكم المطلق للنظام الفابريكي، ويجعل ذلك ذا طابع شامل، انه يدمر كافة الاشكال العتيقة والانتقالية التي لا تزال تخفى وراءها الى حد ما سيطرة الرأسمال ويستعيض عنها بسيطرة الرأسمال المباشرة والسافرة، وهو يضفي بذلك طابعا شاملا على النضال المباشر ضد هذه السيطرة وبإرغامه المشاغل المنفردة على وحدة الطراز والانتظام والنظام والتوفير فانه يزيد بفضل تلك الدفعة القوية التي يحصل عليها التكنيك بنتيجة تحديد وضبط يوم العمل، فوضى وكوارث الانتاج الرأسمالي المأخوذ ككل ويزيد من شدة العمل وتزاحم الماكينة مع العامل، بالاضافة الى القضاء على مجالات الانتاج الصغير والعمل في البيت يقضي ايضا على الملاجئ الاخيرة للعمال "الفائضين"، ويقضي بالتالي على صمام الامان لكل الآلية الاجتماعية الذي كان موجودا حتى ذلك الوقت وهو يؤدي بالاضافة الى نضج الشروط المادية والتركيب الاجتماعي لعملية الانتاج، الى نضج تناقضات وتناحرات شكلها الرأسمالي ويؤدي بالتالي وفي الوقت نفسه الى نضج العناصر لتكوين مجتمع جديد وعناصر قلب المجتمع القديم" (كتاب رأس المال الجزء الاول ص 722 – 723).




تعليقات الفيسبوك