دروس أساسية في الماركسية اللينينية الماوية . ترجمة : ابراهيم شيبة . الحلقة الثالثة


حزب الكادحين
2019 / 7 / 23 - 16:44     

دروس أساسية في الماركسية اللينينية الماوية .
ترجمة : ابراهيم شيبة .
الحلقة الثالثة
الفصل 2
الظروف الاقتصادية الاجتماعية المؤدية إلى ميلاد الماركسية
تعلمنا الماركسية -كما سنرى لاحقا -أن أي أفكار أو نظريات هي دائماً نتاج لشروط مادية. وعندما تنشأ ظروف مادية جديدة ، لا بد أن تصاحبها أفكار ونظريات جديدة. هذا الأمر ينطبق على الماركسية أيضا. لذلك ومن أجل فهم أفضل ، علينا أن نحاول معرفة الظروف المادية ، أي الظروف الاجتماعية الاقتصادية ، التي صاغ فيها ماركس وإنجلز الماركسية.
تأسست الماركسية منذ أكثر من 150 عامًا ،أي خلال أربعينيات القرن التاسع عشر. وقد ظهرت لأول مرة في أوروبا ، التي هيمنت على العالم في ذلك الوقت اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا. حيث كانت كل الحضارات السابقة مثل الهند والصين وبلاد فارس تابعة لها. ولد كل من ماركس وإنجلز وعاشا في أكثر أجزاء أوروبا تقدمًا اقتصاديًا. و قد شاركا وتأثرا أثناء تطوير أفكارهما بجميع الأحداث السياسية الرئيسية في ذلك الوقت.
1) كان العامل الأكثر أهمية هو الثورة الصناعية ، التي استمرت ما بين 1760 و 1830 تقريباً ، وعلى الرغم من أنها كانت متمركزة في إنجلترا ، إلا أنها أثرت على العالم بأسره.وقد سميت الثورة الصناعية على هذا النحو لأنه خلال هذه السنوات السبعين شهد العالم طفرة وخطوة جبارة في التنمية الصناعية. فتم لأول مرة إنشاء المصانع الكبيرة و الحديثة و التي نمت بوتيرة سريعة للغاية ، خاصة في إنجلترا. إلى جانب ذلك شهدت السوق العالمية توسعا هائلا ، و أرسلت السلع المصنعة الإنجليزية إلى جميع أنحاء العالم.و على الرغم من أن دولا أخرى مثل فرنسا وهولندا وأجزاء من ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية أنشأت مصانع كبيرة ، إلا أن إنجلترا كانت تهيمن علي هذه الفترة بشكل كبير. فكانت تدعى حينها "ورشة العالم" التي تزود جميع البلدان بالسلع المصنعة.
حولت الثورة الصناعية الطبقة الرأسمالية التي كانت في وقت سابق غير قوية من الناحية الاقتصادية (كانت تسمى البرجوازية لأن البرجوازية تعني بالفرنسية الطبقة الوسطى).إلى طبقة من الصناعيين أصحاب الملايين - البرجوازية الصناعية الحديثة-. لقد أعطى الثراء الذي لا حد له القوة لهذه الطبقة الجديدة لتحدي الطبقات الإقطاعية، والتي كانت لا تزال الطبقات الحاكمة حتى ذلك الحين.
إلى جانب البرجوازية الصناعية الحديثة ، ولدت الثورة الصناعية طبقة أخرى هي - الطبقة العاملة الصناعية الحديثة ، أو البروليتاريا. هذه الطبقة التي تتكون من عمال يعملون معاً في المصانع بأعداد كبيرة, كانت مختلفة كثيراً عن العمال السابقين الذين كانوا يعملون في الورش في مجموعات صغيرة. إمتلكت هذه الطبقة من البروليتاريا الحديثة قوة و ثقة لم تعرفها الأجيال التي سبقتها من العمال و الكادحين. امتلك العمال هذه القوة من اتصالهم بالصناعة الحديثة ، وتعلم نظامهم من نظام المصنع ، و لحمتهم الفعالة بسبب أعدادهم الكبيرة المجمعة في المصانع تحت سقف واحد. وضعهم داخل المجتمع جعلهم القوة الأكثر ثورية في التاريخ.
2) العامل المهم الآخر ، الذي سيطر على الوضع السياسي في أوروبا في ذلك الوقت كان موجة الثورات الديمقراطية البورجوازية التي قادتها الطبقة الرأسمالية الصاعدة والتي كانت أهمها الثورة الفرنسية عام 1789. لم تؤد الثورة الفرنسية إلى تغييرات جذرية في فرنسا فحسب. بل أدت إلى الحروب النابليونية حيث غزت جيوش البرجوازية الفرنسية تقريبا كل أوروبا وأدخلت إصلاحات برجوازية كإلغاء الإقطاع أينما ذهبت وهكذا سددت ضربة قاضية للملوك والطبقات الإقطاعية القديمة. و على الرغم من هزيمة الجيوش الفرنسية في وقت لاحق ، لم تستطع الطبقات الحاكمة القديمة استعادة موقعها . واصلت البرجوازية الحديثة موجتها الثورية مع العديد من الثورات البرجوازية الأخرى ، التي أسفرت عن هزيمة حاسمة للطبقات الإقطاعية وانتصار الرأسمالية كنظام عالمي.
وهكذا على المستوى الاقتصادي والسياسي ، كانت فترة ولادة الماركسية فترة من الإنجازات والانتصارات العظيمة للطبقة الرأسمالية التي كانت تؤسس حكمها في أكثر دول العالم تقدمًا وسيادة.
3) على الرغم من أن هذه هي فترة التقدم الأكبر للبرجوازية ، فإن العامل الرئيسي الذي ولد الماركسية خلال هذه الفترة كان ظهور وعي الطبقة العاملة والمنظمات والحركات البروليتارية مما يشير إلى بروز البروليتاريا كقوة مستقلة واعية بذاتها.
أول ظهور للبروليتاريا الواعية طبقيا كان في إنجلترا وفرنسا. وكان هذا في المقام الأول بسبب الانتشار المبكر للصناعة الحديثة في هذين البلدين. ورغم أن انتشار الصناعة الحديثة جلب ثروة كبيرة للبرجوازية ، كان يعني في نفس الوقت ظهور أكثر ظروف العمل والمعيشة اللاانسانية. كان ما يقارب ثلاثة أرباع القوى العاملة مكونا من النساء والأطفال لأنهم يقدمون عملاً أرخص و هم أكثر سهولة في السيطرة عليهم من قبل الرأسماليين. أُجبر الأطفال من سن السادسة فصاعدا على العمل بين أربعة عشر وستة عشر ساعة في مصانع الغزل. و بينما كانت البرجوازية تجمع ثروة عظيمة ،كان العمال يقعون في بؤس أكبر وأكبر. وبينما كان أصحاب مصانع القماش يضاعفون رؤوس أموالهم مرات عديدة ، فإن أجور نساجيهم قد تقلصت إلى ثمْن ما كانوا يحصلون عليه في وقت سابق.
وهكذا عاشت البروليتاريا ظروفا لم يكن فيها التمرد ممكنا فحسب بل إلزاميا. كانت أولى هذه الاندفاعات عفوية ، بدون اتجاه واضح. على سبيل المثال : احداث كسر الآلات في الفترة من 1810 إلى 1811 في إنجلترا ، حيث كانت مجموعات من النساجين تقوم بمهاجمة مصانع النسيج وتحطيم أي آلات يمكنهم الوصول اليها. كانت هذه طريقتهم للاحتجاج ضد الصناعة الحديثة التي كانت تدمر حياتهم. مثل هذه الاحتجاجات التي ليس لها اتجاه واضح ، جرى قمعها بشدة و تلاشت بسرعة.
ما تلى ذلك هو انتشار ونمو الحركة العمالية ومنظمات العمال التي قدمت الجواب والاتجاه لقتال البروليتاريا. بدأت النقابات والتي كانت مقتصرة على العمال المهرة في وقت سابق ، ، منذ 1818 توحيد جميع الرجال الذين يعملون معا في ما كان يسمى آنذاك "النقابات العامة". ومع نمو هذه النقابات في إنجلترا ، بدأت حركة لبناء اتحاد على المستوى الوطني . و قد تم تشكيله بنجاح، وبحلول 1833-1834 بلغ عدد أعضائه 500,000. إلى جانب النقابات ، بدأ العمال أيضا بتنظيم أنفسهم في التعاونيات وجمعيات المنفعة المتبادلة. في البلدان الأخرى التي تم حظر النقابات فيها إلى حد كبير ، كانت هذه الجمعيات هي الأشكال الرئيسية لمؤسسات الطبقة العاملة وكانت قد نمت أيضا من حيث العدد و القوة.
عندما بدأت منظمات العمال في النمو ، أطلق العمال في بريطانيا حركة "شارتيست" في عام 1837 مطالبين بالحقوق الانتخابية للعمال. كانت هذه أول حركة ثورية بروليتارية واسعة النطاق وحقيقية ومنظمة سياسياً. استخدمت طريقة العرائض الجماعية للبرلمان مشابهة إلى حد ما لحملات التوقيع التي يتم تنظيمها في بعض الأحيان. جمعت هذه العرائض 5 ملايين توقيع. بعض مظاهرات "شارتيست"و التي شارك فيها 350 ألف شخص ، أظهرت القوة المنظمة للطبقة العاملة. ولكن عندما ازدادت قوة ونضالية الحركة واجهت قمعًا شديدًا وتم إخضاعها بحلول عام 1850.
خلال أوائل الأربعينيات من القرن التاسع عشر ، بينما كان إنجلز مقيماً في مانشستر (في إنجلترا) ، كان على اتصال وثيق بزعماء شارتيين ثوريين إضافة إلى متابعته جريدتهم الاسبوعية النجم الشمالي وقد تأثر بالحركة الشارتية.
أدت القوة المتزايدة لحركة العمال في هذه الفترة أيضًا إلى الانتفاضات العمالية الأولى التي تم قمعها بوحشية. ومن الأمثلة على ذلك : الانتفاضات التي حدثت في لندن عام 1816 ومانشستر في عام 1819 ، انتفاضات عمال الحرير في ليون (فرنسا) في 1831 و 1834 ، وانتفاضة نساجي الكتان في سيليزيا في بروسيا ألمانيا (اليوم جزء من بولندا) في عام 1844.كان لهذا النضال الأخير تأثير قوي على جميع أنحاء ألمانيا و على ماركس الشاب كذلك.
وهكذا ، وبحلول أربعينيات القرن التاسع عشر ، كانت الحركة البروليتارية تنمو بسرعة وقوة في العديد من البلدان الصناعية. ومع ذلك ، كانت لا تزال ضعيفة للغاية ولا يمكن أن تشكل تهديدا للبرجوازية المهيمنة أو حتى للطبقات الإقطاعية القديمة الحاكمة. ومع ذلك ، كان بروز البروليتاريا كقوة طبقية مستقلة حدثًا ذا أهمية تاريخية عالمية. كما أن دخول الوجود المادي للبروليتاريا يعني في نفس الوقت ولادة الأفكار التي تمثل هذه الطبقة الثورية الجديدة. وهكذا ظهرت العديد من الأفكار والنظريات التي تدعي أنها تمثل مصالح الطبقة العاملة.
حتى الماركسية ، عندما تمت صياغتها لأول مرة في أربعينيات القرن التاسع عشر ، كانت واحدة فقط من بين هذه النظريات. لكن الماركسية فقط هي التي وفرت الأدوات اللازمة لفهم هذه الشروط بشكل صحيح وكذلك تغييرها. لذلك ستثبت في السنوات المقبلة أنها وحدها الأيديولوجية البروليتارية الحقيقية.



تعليقات الفيسبوك