ستالين شيوعياً


عبدالرزاق دحنون
2019 / 7 / 20 - 15:14     

(سوّالنا الهور مرك والزور خواشيك)
مثل شعبي عراقي

أحاول من أربعين عاماً-وأنا في الحزب الشيوعي السوري ما أزال- أن أفهم كيف يكون الإنسان شيوعياً جيداً، لم أُفلح في ذلك، ولم أصل حتى اليوم إلى نتيجة مرضية. ما السر يا ترى؟ الشيوعية كفكرة متاحة للجميع، مشاع، يمكن فهمها نظرياً من الكتب. فقط اقرأ "البيان الشيوعي" وستفهم. ولكن عندما "زُرعتْ" في أرض "الواقع" كانت نتيجة الحصاد خليطاً فيه القمح والشعير والزيوان والتبن والحصى والتراب والعدس والجلبان. غربل إن كنت تستطيع الغربلة، وفي المثل: "من غربل الناس نخلوه"

في الأمس القريب ناقشت شيوعياً مخضرماً في الحزب الشيوعي السوري فأكد لي أن النظام القائم في كوريا الشمالية يسير نحو الشيوعية "بنكهة" كورية وقد أسس لهذه الشيوعية كيم إيل سونغ وعائلته الابن كيم جون إيل ومن ثمَّ الحفيد الحالي كيم جون أون. والناس يعيشون في ظلها أفضل مما يعيشون في ظل الحكم الرأسمالي في كوريا الجنوبية.
قلتُ له:
- بتحكي عن جد يا رفيق؟
قال:
-عن جد بكل تأكيد، لأن أغلب الأحزاب الشيوعية العربية والعالمية تقيم علاقات طيبة مع قيادة كوريا الشمالية فهل تعتقد أن الجميع على خطأ؟
قلتُ:
- هم على خطأ بكل تأكيد، الناس في كوريا الجنوبية في الواقع يعيشون حياة أفضل من حياة الناس في كوريا الشمالية. ولا مقارنة بين الشطرين، الفروقات هائلة، تكاد تكون جنة ونار.
-أنت شيوعي وتقول ذلك، خاطرك، نلتقي فيما بعد.
كأن أفعى لدغته، استأذن، وانصرف، رحل على عجل، وهذا وجه الضيف لم أره بعدها مطلقاً. وفي المثل الدارج "نحصد ما نزرع" فأنت لن تحصد قمحاً إذا زرعت شعيراً. ولن تحصد سلاماً إن زرعت إرهاباً. ولكن هيهات أن يُرضيه هذا الكلام. والمثل الشعبي العراقي يقول: "سوّالنا الهور مرك والزور خواشيك" معناه: أَعدَّ لنا طعاماً -مرق- بحجم الهور، وجعل من نباتات البرية ملاعق ليؤكل بها ذلك الطعام، وفي الحقيقة، لا طعام ولا ملاعق.

أنا لا افهم الأمر، هل تحولت الشيوعية في مفهومات الأحزاب الشيوعية إلى أيديولوجية، وبالتالي أصبحت عقيدة لا يُقْبل الشك فيها، وأمست عقيدة دينية، تعتمد الاعتقاد لا العمل. وهذا يُخالف "أسس الشيوعية" وفي اعتقادي حتى الله يُحاسب البشر على أعمالهم لا على عقيدتهم ونواياهم. العقيدة هي شر ما يملكه أهل الشيوعيَّة، يؤكد هادي العلوي البغدادي: "هي الرقيب الداخلي الذي لا يقل سوءاً عن الرقيب الرسمي. والعقيدة هي المسؤولة عن تكوين الوجدان القمعي للأفراد ومصادرة حرية الضمير والوجدان. وهي وإن كانت مفيدة لتحريك الجمهور في منعطف تاريخي معين، يجب أن تبقى في منأى عن النضال اليومي لئلا تكون كما يقول الإمام أبو حامد الغزالي حجاباً يمنع من النظر إلى حقائق الأشياء"

في حادثة حقيقية رواها لي أحد الرفاق القدماء في الحزب الشيوعي السوري، تُجسد العقيدة بأبشع صورها، مع انه كان يراها مثالاً فذاً لصلابة الشيوعي وبطولته وتفانيه في خدمة حزبه وأيديولوجيته. يقول بفخر واعتزاز:

كانت الأيام برداً زمهريراً، وكنتُ أسكن مع زوجتي في "بيت على قدنا" يتألف من غرفة واحدة وشبه مطبخ وحمام. وفي مساء ذلك اليوم أوقدنا المدفأة وجلسنا حولها نشرب الشاي. بعد قليل سمعت صوت نداء أحد الرفاق في الشارع، فتحت الباب فإذا أربعة رفاق في الخلية الحزبية التي أنتمي إليها قد نقلوا الاجتماع إلى بيتي. دخلت البيت وقلت لزوجتي أين سأضعك الآن؟ بعد مشاورات رضيت أن تدخل في خزانة الثياب وتنتظر هُناك إلى حين انتهاء "اجتماع الخلية الحزبية السري" حول المدفأة. وفعلاً بقيت محبوسة في خزانة الثياب لأكثر من خمس ساعات دون حركة ولا صوت.

رويتُ هذه الحكاية في دبي للأديب السوري الساخر حسيب كيالي-كان محسوباً على الحزب الشيوعي السوري وسجن أيام الوحدة بين سورية ومصر بسبب ذلك- فقال بعد أن ضحك كثيراً- أضحك الله سنكم-: والله لو كنت مكان المرأة تلك لأخرجت "الخيزرانة" من خلف الخزانة وبدأتُ ضرب هؤلاء الرفاق بما فيهم الزوج ولحقت بهم وهم يصيحون أمامي ويركضون ولا اتركهم حتى حدود تركيا.

ما علاقة الرفيق ستالين بالأمر هًنا، أقول لك. من سنوات يعمل السيد فلاديمير بوتين الرئيس الروسي عبر وسائل مختلفة على تصفية ما علق بشخصية ستالين من أدران ورد الاعتبار إليه والاحتفاء به عبر عودة تماثيله إلى شوارع موسكو بعد أن شوهها الرفيق نيكيتا خروتشوف في خطابه الشهير في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي. وبما أن ما بقي من "الحرس القديم" وأنصار ستالين الجدد يشجعون هذا التوجه ويباركونه حيث دأبت وسائل الاعلام الروسية على الزعم أن ستالين قُتل في مؤامرة قادها أعضاء المكتب السياسي أدت في النهاية إلى قتله بالسم وموته. ومن يومها بدأ الانهيار في التجربة الاشتراكية على حد زعمهم.

ماذا يستفيد فلاديمير بوتين من ترويج تلك الفكرة؟ الجواب: خلط الحقائق وتميعها، وإشاعة الكذب والنميمة وإرضاء غروره وصلفه من خلال شخصية القيصر الذي يمثلها خير تمثيل، وهو اليوم أغنى من القيصر في زمانه ويعيش مثلما يعيش أغنياء وقياصرة العالم. ها هو يعود إلى عسكرة المجتمع الروسي وقتل معارضيه في الشارع العام وتصفية من يفتح فمه في وجهه. وحوَّل روسيا إلى دولة أمنية تُنتج وتُصدر السلاح، وحول بنات تولستوي إلى عاهرات تجول العالم، ولا غرابة في ذلك لأنه "قواد" حقيقي، كما كان سلفه الذي سلَّمه مقاليد البلاد شرط أن "ينفد بريشه" نعم "القواد" الأخر بوريس يلتسن.

يحكم فلاديمير بوتين روسيا بفظاظة وغشم من يملك عضلات ولا يملك عقلاً، والأوطان على العموم لا تُبني بالعنتريات واستعراض العضلات، ومن يُفيده في هذا الشأن غير ستالين الشيوعي المقاتل الجبار الذي قتل معارضيه ومن ثمَّ هزم الفاشية في عقر دارها وسحق رفاقه في الحزب الشيوعي السوفييتي وأزاح كل من وقف في وجهه من أجل بناء الشيوعية.

من فترة قريب شاهدتُ فيلماً وثائقياً يظهر فيه "يوري سولوفييف" الحارس الشخصي الذي رافق ستالين حتى وفاته وقد بلغ اليوم أرذل العمر، وقد دُهشتُ مما قال: "لقد كان ستالين رجلاً مؤمناً، وقد كان يحضر في أعوامه الأخيرة في أوقات كثيرة إلى كنيسة الكرملين وحده بعيداً عن الأعين، وقد رأيته مراراً يُشعل شمعة ويُصلي".

الفيلم يحكي حكاية موت ستالين ويذهب في تحليل جنائي وسبر دوافع المحيطين به لقتله. من قتل ستالين؟ يخلص الفيلم إلى نتيجة مفادها أن ستالين قتل نفسه بنفسه بمعنى مات لأن النفس الأمارة بالسوء التي ينطوي عليها جسده قد قتلته. لم يكن رحيماً مع رفاقه ولا مع نفسه. وأنت لو عدت إلى الأفلام الوثائقية التي صورته في سنواته الأخير لوجدت أن صحته كانت تتدهور بسرعة ولعل العدد الكبير من الأطباء الذين أحاط نفسه بهم، ومن ثمَّ اتهمهم بالخيانة العظمى، وحبسهم ليقتلهم، خير دليل على ذلك.

وقد أعاد فلاديمير بوتين إحياء فكرة قتل ستالين بالسم من قبل أعضاء المكتب السياسي من خلال دفع مُعد البرامج السوري خالد رشد عبر قناة "RT" الروسية الناطقة بالعربية صاحب البرنامج الشهير "في الذاكرة" إلى لقاء العديد ممن يؤمنون بهذه "النظرية" والترويج لها وهي موت ستالين بالسم، وفتح فلاديمير بوتين أمامهم الأرشيف السري الخاص في الكرملين ليستخرجوا وثائق هي الأخرى في حاجة إلى "توثيق" وهذا الامعان في اتهام أعضاء المكتب السياسي بقتل ستالين لا أساس له من الصحة.

ما فائدة ترويج فكرة مؤامرة قادها أعضاء المكتب السياسي لقتل زعيمهم الذي حكم البلاد ثلاثين عاماً ثمَّ مات كما يموت كل الناس، نعم هكذا عاش ستالين مرعوباً من أقرب المقربين إليه، لماذا؟ جنون العظمة! لقد اتعب الخلق في حياته كما أتعب الخلق في مماته. والسؤال الذي يخطر في البال كيف بنى ستالين "الشيوعية" مع هؤلاء "الخونة" من رفاقه، ولم تأخر في قتلهم جميعاً كباقي رفاقه في الحزب والذين قتلهم قبل ذلك حتى لو وصلوا إلى المكسيك.

كان موت الرفيق ستالين بمثابة "زلزال" ضرب المجتمع السوفييتي المحكوم بقبضة من فولاذ. مات الأب والقائد والرفيق على عجل، ومن بعده ماتت الشيوعية كما يُقال. مات نبي الشيوعية فماتت معه. كيف مات؟

يقول البعض:

مات ستالين الرجل الفولاذي من سهر الليل وشرب الخمور-كان سكيراً مُدمناً- قتلته نفسه المضطربة القلقة الخالية من الرحمة والعطف، المليئة بالخوف من الشيخوخة، وقرَّب تفكك عائلته الأجل، فمات وحيداً، أقلقه مصيره بعد الموت لأن في شبابه درس ليكون رجل دين مش أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوفييتي. الكيفية التي مات فيها تفصح إفصاحاً عن إنسان معذب ونفس آثمة بطشت بالبلاد والعباد بطش الصبيان. لم يُقتل ستالين بالسم ولكن شُبِّه لهم.

وثائقي من قتل ستالين:
https://www.youtube.com/watch?v=JM5Di2351VQ

ستالين قُتل إثر انقلاب عسكري! ملفات خطيرة تظهر للعلن لأول مرة:
https://www.youtube.com/watch?time_continue=354&v=SQ3BbWwl_qg



تعليقات الفيسبوك