في علم الثورة الشيوعية (5)


فؤاد النمري
2019 / 6 / 9 - 20:30     

في علم الثورة الشيوعية (5)

كان ستالين يملأ الفراغ في هيكل الحزب بعد الحرب وباغتياله لم يكن بمقدور عواجيز الحزب أن يملأوا أي فراغ وهو ما استدعى الجيش وهو الطليعة القوية للبورجوازية الوضيعة الروسية المنفلتة من عقالها بغياب ستالين بقيادة المخابرات وممثله في القيادة المارشال جوكوف لأن يضع يده على دست السلطة . لئن كان إبطال إنتخاب الأعضاء الإثني عشر الجدد في المكتب السياسي قد أتى من قبيل حماية سلطان العواجيز في الدولة فإن القرار الصادر باسم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في سبتمبر ايلول 53 القاضي بإلغاء الخطة الخمسية من أجل التسلح وهي التي أقرها المؤتمر العام للحزب في أكتوبر 52 هو بمثابة سقوط الحزب وتجريده من كامل صلاحياته وأي دور له في السلطة التنفيذية حيث من المعلوم تماماً أنه ليس من صلاحيات اللجنة المركزية مراجعة أية قرارات للمؤتمر العام للحزب بل إن الحزب بمختلف كوادره العليا والدنيا مسؤول عن تنفيذ كامل مقررات مؤتمر الحزب العام وأي مقصر في هذا الشأن يحاكم محاكمة عسيرة .
إلغاء الصناعات المدنية لصالح الصناعات العسكرية كما أشار ذلك البيان المشؤوم كان بمثابة سقوط النظام الإشتراكي فتراكم الإنتاج الحربي هو النفي العملي للإشتراكية . في العام 56 وقد ظل شبح ستالين يلاحق العسكر وأساطين البورجوازية الوضيعة فرض العسكر على رجلهم الخسيس خروشتشوف أن يهاجم ستالين وينسب إليه تاريخا سيئاً من التسلط والقمع والجريمة . ولما كان خروشتشوف يعلم تماما أن المكتب السياسي لن يوافق على ترهات ذلك الخطاب ولذلك لن يسمح له بقراءة الخطاب على المؤتمر، فقد لجأ إلى حيلة قذرة، فلدى انتهاء المؤتمر تقدم خروشتشوف إلى لجنة تنظيم المؤتمر برئاسة بولغانين يطلب جلسة خاصة يتحدث فيها للمؤتمرين الحضور . وافقت اللجنة على الطلب دون أن تعلم عما سيتحدث خروشتشوف طالما أن ذلك ليس من أعمال المؤتمر . فوجئ الحضور بالهجوم الوقح على ستالين ايقونة العمل الشيوعي – نشرت الغارديان البريطانية أن عدداً من الحضور أصيب بالإغماء .
نحن نستعرض هذه الوقائع لندلل على أن الإتحاد السوفياتي لم يعد اشتراكياً بعد إلغاء الخطة الخمسية لصالح الإقتصاد الحربي وهو ما زال سائداً في روسيا حتى اليوم . وفي يونيو حزيران 57 إجتمع المكتب السياسي لينظر في مشرع خروشتشوف "إصلاح الأراضي البكر والبور" الذي كتبه خروشتشوف دون الإستعانة بالخبراء حيث المشروع ليس غبياً فقط كما غباء خروشتشوف بل مثيراً للضحك والسخرية أيضاً – ويمكن قراءته في مذكرات خروشتشوف من قبيل ساعة لقلبك – وهناك سحب المكتب السياسي الثقة من خروشتشوف بأغلبية 2:7 ولما كان جوكوف حاضرا بحكم أنه مرشح لعضوية المكتب السياسي عقب في الحال بالقول .."الجيش لن يقبل هذا القرار" وهو ما يكشف النظام السوفياتي على حقيقته في الخمسينيات وما بعد . فأن تكون قرارات الحزب محل قبول أو معارضة من الجيش فذلك يعني أن الدولة السوفياتية وهي دولة دكتاتورية البروليتاريا قبل الحرب باتت بعد الحرب وبغياب ستالين دولة دكتاتورية العسكر وهو ما يعني أيضاً أن الدولة السوفياتية الإشتراكية قبل الحرب لم تعد اشتراكية بعد الحرب . وتأكيداً على ذلك قام جوكوف في اليوم التالي لسحب الثقة بانقلاب عسكري ضد الحزب تم بموجبه طرد كل الأعضاء في المكتب السياسي الذين صوتوا مع سحب الثقة، وهكذا بات الحزب، حزب لينين وستالين، أراغوز بيد العسكر وقد أكد ذلك قرار الحزب في مؤتمره الثاني والعشرين في العام 61 بإسقاط دولة دكتاتورية البروليتاريا واستبدالها بما أسموه "دولة الشعب كله" . ماذا يعني دولة الشعب كله أي أن جميع الطبقات في المجتمع مشاركة في الحكم، وذلك له معنى واحد لا لبس فيه ولا إبهام وهو نهاية الإشتراكية طالما أن الإشتراكية كما عرفها لينين هي محو الطبقات ودولة الشعب كله لا تمحو أي طبقة بطبيعة الحال طالما أن جميع الطبقات في المجتمع مشاركة في السلطة وفي الدولة – وهنا تجدر الإشارة إلى أن فلسفات فيلسوف الحزب الشيوعي اللبناني مهدي عامل إنما كانت تهويمات فارغة جوفاء فالثورة الشيوعية انتهت في العام 53 وهو بدأ يكتب في الثورة الشيوعية بعد انتهائها بربع قرن، بل وبدأ ينظر فيما أسماه "الإقتصاد الكولونيالي" بعد انهيار النظام الرأسمالي . يا لهول الفقر في الوعي الماركسي !!

الماركسية بكل عمائرها الأخّاذة والمدهشة تمحورت اليوم في محور واحد لكن لأسف الإنسانية البالغ ولسؤء حظها فإن هذا المحور الرئيس معطل لا يعمل وليس من سبب لذلك سوى أن الثورة المضادة للثورة الشيوعية في العام 53 التي قامت بها البورجوازية الوضيعة السوفياتية وطليعتها الجيش الأحمر الذي انقلب إلى جيش أصفر، قد نجحت أيما نجاح في تغريب الشيوعيين والماركسين . كانت الضربة للثورة الشيوعية فنية وقاصمة حيث ادّعت طلائع الثورة المضادة على أنها ثورة إصلاح للثورة الشيوعية وأن قادتها خروشتشوف وميكويان وجوكوف هم شيوعيون أصلاء وأعضاء في المكتب السياسي للحزب. ظلت أكاذيب خروشتشوف وعصابته تنطلي على عامة الشيوعيين والماركسيين أو الأحرى أنصاف الماركسيين وأمل قليلون منهم أن يتم التصحيح آليّاً كما أمل مولوتوف وكاغانوفتش وربما مالنكوف الذي اكتفى بمعارضة إلغاء الخطة الخمسية في سبتمبر 53 بالإستقالة من منصب الأمين العام للحزب ليحل محله خروشتشوف رجل العسكر .
عامة الشيوعيين في العالم اعتبروا الثورة البورجوازية المضادة ليست إلا عملية إصلاح للثورة الشيوعية إلى حد القبول والترحيب باستبدال دولة دكتاتورية البروليتاريا بدولة الشعب كله، ولما لا !؟ فالبورجوازية الوضيعة السوفياتية يتوجب أن تتمتع بحقوق سياسية مثلها مثل العمال !! يا لهول الفقر في الوعي الماركسي !!
قرار إلغاء الخطة الخمسية في سبتمبر كان بحجة أن الخطة "توهن وسائل الدفاع عن الوطن"، وهكذا تم استبدال الإنتاج المدني بالإنتاج العسكري . الإنتاج المدني يوفر الحياة الرخية للشعب وهو المعامل الأساس في تطور طبقة العمال بالعكس من الإنتاج العسكري الذي لا يعود بأدنى منفعة للشعب ويعمل على إفقار الطبقة العمالية وانكماشها حيث دورها في الإنتاج هو ثانوي ولا قيمة له في المجتمع .

في المؤتمر الإستثنائي الحادي والعشرين للحزب أعلن خروشتشوف القطيعة بين الثورة الإشتراكية وثورة التحرر الوطني بدعوى أن ثورة التحرر الوطني تجلب للإتحاد السوفياتي أخطاراً عديدة هو في غنىً عنها . وكان ذلك محل تقدير الإمبرياليين وسعادتهم فقابلوا ذلك بعشرات الإنقلابات العسكرية الرجعية في البلدان المستقلة حديثاً في الستينيات وكان موقف السوفييت المخزي في العدوان الإسرائيلي على مصر في 5 يونيو حزيران 67 .
بالرغم من أن المخابرات السوفياتية كانت قد دبرت انقلاب بومدين في الجزائر 65 وانقلاب حافظ الأسد في سوريا 70 مستهدفة ضرب وإخماد حركة التحرر الوطني التي كانت تحول دون إلتقاء القيادة السوفياتية مع قيادة الإمبريالية في منتصف الطريق، وهو ما طالب به بريجينيف دون حياء أو خجل قادة الإمبريالية في مؤتمر هلسنكي 75، إلا أن ثورة التحرر الوطني كاستمرار وتماهي مع الثورة البولشفية نجحت في تقويض النظام الإمبريالي العالمي مع بداية السبعينيات وهو ما كان الرفيق ستالين قد أكده في أكتوبر 52 . الأسواق القديمة لمراكز الرأسمالية باتت دولاً مستقلة لا تستقبل فائض الإنتاج في المراكز الرأسمالية الأمر الذي أدى بالطبع إلى انهيار النظام الرأسمالي في العالم . الإمبريالية هي بالتحليل الأخير بيع قوى العمل الوطنية المستهلكة في إنتاج فائض الإنتاج في المركز الرأسمالي بيعها في الأسواق الخارجية . ففي الإجمال لم تبع أميركا فائض قوى العمل لديها للشعب في اليابان وفي كوريا الجنوبية ؛ العكس هو الصحيح فقوى العمل في ذينك البلدين كما في الصين الشعبية يتم استبدالها في السوف الأميركية . الدولة الإمبريالية تبيع قوى عمل عمالها الفائضة لكننا ها نحن نرى الولايات المتحدة القلعة الأخيرة للنظام الرأسمالي تشتري قوى عمل من كل أطراف الدنيا، فكيف يمكن وصفها بالإمبريالية !؟ تشتري الولايات المتحدة قوى عمل من كل أطرف الدنيا وتدفع مقابل ذلك دولارات بحساب الدولار بقيمة 4 ريالات سعودية بينما قيمته الحقيقية لا تتعدى 4 هللات . الإمبريالية مهما تغولت لا تحقق مكاسب كما يحقق بيعها للدولار لجميع دول العالم بحساب الدولار يساوي 4 ريالات سعودية أو ما يعادلها بينما هو لا يساوي 4 هللات .

لا تخامرنا أدنى الشكوك في أن الذين يعفون أنفسهم من البحث والنظر في مستقر الثورة الإشتراكية البلشفية هم الذين يدعون أن الإشتراكية السوفياتية لم تكن اشتراكية بل نظام قمع وإرهاب كما قدمها خروشتشوف في خطابه السري، وأن انهيارها كان بسبب الدكتاتورية الفردية والغياب التام للديموقراطية أو أن النظام في الاتحاد السوفياتي كان نظام رأسمالية الدولة، هؤلاء الذين يدعون مثل هذه الإدعاءات السخيفة لم يكونوا يوماً شيوعيين بل كانوا منافقين أوغاداً راهنوا رهاناً خاسراً على اعتبار الشيوعية سلماً آمنا يمكن تسلقه إلى درجاته العليا حيث هناك امتيازات تغري بالرهان عليها . هذا ما كنت أكدته للأمين العام المساعد للحزب الشيوعي الأردني في مايو أيار 65 وهو قد أقر بصحة نظريتي في العام 70 بينما هو ينسحب من الكونفيرنس ويعلن إنشقاقه لينظم " الكادر اللينيني" ؛ قال لرفيقه الذي انسحب معه وكان قد حضر لقائي معه في العام 65 قال .. "كان يجب أن نصغي أكثر لفؤاد النمري" .

(يتبع)



تعليقات الفيسبوك