في علم الثورة الشيوعية (4)


فؤاد النمري
2019 / 6 / 4 - 20:06     

في علم الثورة الشيوعية (4)

ما كان الإتحاد السوفياتي لينجح في التصدي للعدوان النازي الهمجي والوحشي لما يفوق كل التصورات لو لم يكن النظام السوفياتي هو الإشتراكية حيث تكون كامل قوى الإنتاج في انتظام مرسوم بالغ الحساسية ؛ فحالما توغل العدوان الهتلري في الأراضي السوفيلتية أمكن تحويل كل الإقتصاد الإشتراكي السلمي إلى اقتصاد حرب ونقل آلاف المصانع من اروبا السوفياتية إلى شرق الأورال في آسيا . ولما استطاعت النازية الهتلرية تجنيد كل قوى الحرب في أوروبا بما في ذلك فرنسا نفسها في الحرب على الإتحاد السوفياتي، وأن بريطانيا والولايات المتحدة لم تحاربا قط ألمانيا طيلة الحرب وانشغلتا بالحرب على ايطاليا على شواطئ المتوسط وهو ما أطال الحرب على الإتحاد السوفياتي لخمس سنوات مما كبده خسائر بالعمار والرجال تفوق كل الأوصاف ؛ كل ذلك ترك آثاراً عميقة على النظام السوفياتي لم يتم تجاوزها وهو ما أدى بالتالي إلى انهيار مركز الثورة الإشتراكية العالمية ما زال العالم يعاني من تبعاته حتى اليوم .
ستالين بعد الحرب غيره ما كان قبل الحرب ؛ قبل الحرب كان على رأس دولة دكتاتورية البروليتاريا وهي أرقى دولة مقارنة بكل أجناس الدولة الأخرى، ويقود حزباً قوياً يسيطر على كافة مفاصل السياسة والإقتصاد السوفياتيين وكان قد قطع شوطاً طويلاً في عبور الإشتراكية . بعد الحرب كان قد تراجع دور الحزب دون أن يعقد مؤتمراً عاماً له طيلة أربعة عشر عاماً (1938 – 52) وقد فقد خيرة كوادره في الحرب وتقدم الجيش يقرر مختلف شروط الحرب والحياة في الإتحاد السوفياتي وبذلك لم تعد الدولة هي دولة دكتاتورية البروليتاريا، كما لم يعد هناك اقتصاد اشتراكي فالقائم بعد الحرب هو اقتصاد عسكري حربي مناقض للإقتصاد الإشتراكي .
كان ستالين هو الشيوعي الوحيد في الاتحاد السوفياتي الذي رأى الآثار العميقة للحرب بأم عينية وقدرها حق قدرها، وأن واجبه كقائد للثورة الشيوعية في العالم وتلميذ لينين النجيب أن يمحو تلك الآثار ويتجاوزها كي يعيد للثورة الشيوعية حيويتها ويمكّن البروليتاريا السوفياتية من استعادة دولتها الدكتاتورية .
هل كان بإمكان ستالين توفير قوى اجتماعية كافية لإنجاز مثل تلك المهام الخطيرة التي توازي إعادة بناء الإشتراكية مرة أخرى من جديد في مجتمع حربي تشكل فيه طبقة البورجوازية الوضيعة ممثلة بالجيش في طايعتها وقد أضحت بعد الحرب الطبقة الأعرض والأقوى يقودها عشرات المارشالات وآلاف الجنرالات وهم الأكثر مهارة في فنون الصراع، تدعمها صناعات حربية هائلة !!؟ ذلك كان أكثر صعوبة من تأسيس الإشتراكية في العشرينيات حيث كانت طبقة البروليتاريا هي الطبقة الأقوى من خلال تحالفها مع طبقة الفلاحين الفقراء الواسعة جداً آنذاك وخاصة أن قوى الإنتاج خلال الحرب وإعادة الإعمار (1941 – 51) اعتمدت بصورة رئيسية على النساء والأطفال .
كان الإفتراض الشائع والعام هو أن ذلك ليس موضع تساؤل على الإطلاق، والسبب الوحيد لذلك كان قوة شخص ستالين الأدبية التي تجاوزت كل المعايير التي عرفتها البشرية خلال تاريخها الطويل فلم يحدث قط أن تراصف الشعب بقوة ملحمية غريبة خلف قائده في حرب كلفته 27 مليوناً من الضحايا حتى تحقيق الإنتصار . ذلك تجاوز كل الحدود التي يمكن أن تُفترض بالقياس مع وقائع التاريخ . لذلك تحديداً لم يكن ما يمكن التعبير عنه ببناء الإشتراكية من جديد موضع تساؤل واشتباه إلا من قبل ستالين نفسه بمثل ما أفصح عن هواجسه في الندوة الإستثنائية في العام 51 وفي المؤتمر التاسع عشر للحزب في العام 52 وفي قراره التحول من الصناعات الثقيلة إلى الصناعات الخفيفة .
ثمة توجه آخر لستالين لم يكن موضع بحث من قبل مختلف المراقبين، ويُعتقد أن ستالين نفسه عمد ألا يكون موضع بحث لدى المراقبين، وهو أن ستالين انتهح سياسة تحجيم الجيش والحد من نفوذه المتعاظم بعد الحرب . فثمة أكثر من مراقب لاحظ أن ستالين عمد إلى توزيع قطعات الجيش في أركان الاتحاد السوفياتي المتباعدة ومنع التراسل فيما بينها، وتعيين المارشال جوكوف صاحب الإنتصارات الكبرى في الحرب في وظيفة إدارية بعيدا في الأورال ؛ ولعل أحد رموز سياسة ستالين في معارضتة للجيش كان محاكمة المارشال جوكوف وهو القائد لجميع الإنتصارات السوفياتية في الحرب، محاكمته بتهمة السرقة وإحالته للتقاعد وكان مرذولاً تماماً في منزله عندما ارتقى رجل العسكر في قيادة الحزب خروشتشوف سدة الرئاسة واستعاد جوكوف لدائرة القيادة وعينه وزيراً للدفاع ومرشحاً لعضوية المكتب السياسي بأمر من العسكر بطبيعة الحال .

فيما كان ستالين القائد الفذ للثورة الشيوعية العالمية يخوض معركة إعادة بناء الإشتراكية من جديد فائقة الصعوبة، ظهر في تلك الإنعطافة الخطيرة في مجابهة ستالين أهم قوتين في المجتمع وهما المكتب السياسي للحزب وهو القائد الفعلي للحزب رغم تقادم كافة أعضائه، والقوة الثانية وهي الجيش وقد بات أقوى من الحزب . كان ستالين يعتقد أن باسطاعته أن ينجح في التغلب على ذينك التجمعين الخطيرين، وكان ذلك صحيحاً لكن ضمن شروط معينة ليس منها أن يصل عداء المكتب السياسي له إلى حد الإغتيال، وهو ما كان .
اجتمع مجلس الوزراء برئاسة ستالين قبل انتهاء فبراير شباط 53 حيث إقترح ستالين تقاعده وقد بلغ الرابعة والسبعين من العمر وتعيين مكانه أحد الذين انتخبهم مؤتمر الحزب مؤخرا أعضاء في المكتب السياسي . برز من بين الوزراء الذين عارضوا بشدة إقتراح ستالين أربعة من أعضاء المكتب السياسي هم خروشتشوف ومالنكوف وبيريا وبولغانين وقد اعتبروا إقتراح ستالين استصغاراً لهم وتأكيدا على هدفه الصريح وهو إحالتهم للتقاعد، وكانوا محقين في ذلك .
استدعى ستالين أولئك الأربعة لتناول العشاء معه في منزلة في 28 فبراير شباط . اتفق ثلاثة من أولئك الأربعة على اغتيال ستالين وهم بيريا ومالنكوف وخروشتشوف وتطوع بيريا بدس السم (Warfarin) في شراب ستالين . كان الهدف المتفق عليه هو بقاؤهم في القيادة وقد تأكد ذلك بقرار الأعضاء القدامى في المكتب السياسي باجتماعهم بعد سويعات قليلة من موت ستالين في صباح 6 ماارس آذار وقرارهم غير الشرعي القاضي بإلغاء انتخاب الأعضاء الجدد في المكتب السياسي وهم الذين سيكونون بدلاءهم في القيادة كما رسم ستالين .
المراقب الحثيث لأدق التفاصيل في الحياة السوفياتية لا بد أن يرى أن الدافع الأول لبيريا لإرتكاب أكبر وأخطر جريمة ضد الإنسانية ليس هو إحتفاظ القيادة المتقادمة بموقعها القيادي الذي عزم ستالين على شطبه كما اعتقد المجرمان الآخران مالنكوف وخروشتشوف، بل كان بالحقيقة هو أن التحقيق في مؤامرة الأطباء اليهود على حياة القادة السوفييت سيكشف سريعاً دور بيريا في تنظيم تلك المؤامرة وهو ما سيؤدي قطعاً إلى إعدامه بمثل ما أعدم وزراء الأمن الثلاثة الذين سبقوه .
شريكاه في الجريمة، مالنكوف وخروشتشوف، تدبرا أمر إعتقاله في يونيو حزيران 53 ومحاكمته بسرية مطلقة خلافاً للقانون في محكمة عسكرية طارئة وإعدامه حال النطق بالحكم مما يثير شبهات عديدة خاصة وأن الجريمة التي نسبت إليه وبررت إعدامه كما أُعلن هو الخيانة بالعمالة للمخابرات البريطانية وذلك كان أمراً في غاية السخافة حيث لا يمكن لأي شخص مهما كان غبياً وساذجاً أن يمتلك كل السلطة التنفيذية في الدولة كما امتلك بيريا وحتى في دولة هامشية وليس في دولة هي أعظم دولة في العالم أن يرضى لنفسه أن يكون متعاوناً أو عميلاً لمخابرات دولة أجنبية .
الأثر الذي تركه المجرمان خروشتشوف ومالنكوف خلفهما ليس هو الإتهمات السخيفة لبيريا كما أُعلنت رسمياً بل سبقها أن عمد المجرمون الثلاثة أن منعوا إسعاف ستالين خلال 24 ساعة بعد أن وقع ضحية التسميم ولم يستدعَ الإسعاف قبل حضور مولوتوف وتساؤله عن أسباب عدم استدعاء الإسعاف الطبي وهو ما يستبطن الإتهام بالتآمر على حياة ستالين .
كان الدافع لبيريا لإقتراف أعظم جريمة في تاريخ الإجرام هو حماية حياته بينما كان الدافع لكل من مالنكوف وخروشتشوف هو تبوء مركزستالين . وفعلاً تبوأ كلاهما مركز ستالين في عامي 53 و 54 لكن كلا الخائنين ليسا أكثر من موظفين تابعين سبق أن كانا تابعين لستالين وبعد رحيل ستالين غدوا تابعين لقيادة الجيش ممثلة بالمخابرات السوفياتية (KGB) وكان الجيش قد وصل خلال الحرب لأن يكون أقوى من الحزب الشيوعي الذي بات هيكلاً مفرغاً من القوى بفعل الحرب . منذ رحيل ستالين في مارس آذار 53 وحتى اليوم لم يتسلم القيادة في الإتحاد السوفيتي وفي روسيا من بعد سوى من تسميه المخابرات من خروشتشوف وبريجينيف وأندروبوف قائد المخابرات حتى غورباتشوف ويلتسن وبوتين . للمخابرات السوفياتية تاريخ طويل للعمل ضد الإشتراكية منذ العام 34 حال وفاة تلميذ البولشفي الكبير فلكس دزيرجنسكي مؤسس المخابرات السوفياتية، وهو البولشفي الطهور فياتشسلاف منجانسكي .

(يتبع)



تعليقات الفيسبوك