رأس المال: تعقيب على الطبعة الألمانية الثانية(1)


كارل ماركس
2019 / 6 / 1 - 12:13     

ينبغي أن أبدأ بإبلاغ قراء الطبعة الأولى عن التعديلات التي أجريت على الطبعة الثانية. لعل أول ما يثب إلى العين هر ترتيب الكتاب بصورة أوضح. والملاحظات التي أضيفت، جرت الإشارة إليها في كل المواضع كإضائات للطبعة الثانية. أما بخصوص النص ذاته فهذه أبرز التغييرات: في الفصل الأول، الفقرة الأولى، تم، بصرامة علمية أشد، استنتاج القيمة بواسطة تحليل المعادلات التي تعبر عن كل قيمة تبادلية، كما أن العلاقة بين جوهر القيمة وتحديد مقدار القيمة بوقت العمل الضروري اجتماعياً قد أبرزت، هنا، على نحو أوضح، في حين كانت الطبعة الأولى تمسّها مسّاً عابراً. وجرت مراجعة الفصل الأول، الفقرة الثالثة (شكل القيمة) مراجعة كاملة – وهو أمر كان يمليه العرض الوارد في الطبعة الأولى. وأود أن أشير، بهذه المناسبة، إلى أن الذي حثني على القيام بهذا الشرح الإضافي هو صديقي الدكتور ل. كوغلمان من هانوفر. فقد كنت في زيارته ربيع عام 1867 حين وصلت أولى المسوّدات الطباعية من هامبورغ، وقد أقنعني أن أغلب القرّاء بحاجة إلى شرح إضافي وتعليمي اوسع لشكل القيمة. وقد عدّلت الفقرة الأخيرة من الفصل الأول “صنمية السلعة… إلخ”، في جانب كبير منها. أما الفقرة الأولى من الفصل الثالث (مقياس القيمة) فقد نُقّحت بعناية كبيرة، لأن هذه الفقرة لم تنل العناية اللازمة في الطبعة الأولى حيث اكتفيت بإحالة القارىء إلى الشرح الذي سبق أن أجريته في كتابي مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي الصادر في برلين 1859. وأعدت صياغة الفصل السابع إلى حد كبير، وبالأخص الفقرة الثانية منه. إن الدخول في تفاصيل كل التعديلات الطفيفة التي طرأت على النص، مضيعة للوقت، فأغلب هذه التعديلات يمس الأسلوب لا غير، ويشمل الكتاب برمته. مع ذلك أجد الآن، بعد مراجعة الترجمة الفرنسية الصادرة في باريس، أن بعض أجزاء الأصل الألماني يعوزه تنقيح أعمق منا، وإحكام أفضل للأسلوب هناك، أو عناية أكبر في حذف الهفوات العرضية. بيد أن الوقت لم يتسع للقيام بذلك، لأنني لم أُبلّغ إلا في خريف 1871، حين كنت منغمراً في عمل آخر مُلح، أن الطبعة الأولى من الكتاب قد نفذت، وان الثانية سوف تبدأ في كانون الثاني / يناير 1872. كان التقدير الذي سرعان ما حظي به رأس المال في أوساط واسعة من الطبقة العاملة الألمانية خبر مكافأة لي على جهودي. ولقد أصاب صناعي من فيينا بدعى السيد ماير، يمثل وجهة النظر البورجوازية في الشؤون الاقتصادية، كبد الحقيقة في كرّاس له صدر في أثناء الحرب الفرنسية – الألمانية، حين بيّن أن المَلَكة النظرية العظيمة التي اعتُبرت ميراثاً للألمان، قد تلاشت تماماً لدى ما يُسمى بالطبقات المتعلمة، لتتفتح من جديد لدى الطبقة العاملة الألمانية.

إن الاقتصاد السياسي في ألمانيا لا يزال، حتى الآن، علماً أجنبياً. وكان غوستاف فون غوليش، في كتابه المعنون: عرض تاريخي للتجارة والصناعة، والزراعة، إلخ) وبالتحديد في المجلدين الأولين المنشورين عام 1830، قد درس بإسهاب الظروف التاريخية التي حالت دون تطور نمط الإنتاج الرأسمالي في ألمانيا، وأعاقت بالتالي قيام المجتمع البورجوازي الحديث. لذلك تعوزنا التربة الحية التي ينبت فيها الإقتصاد السياسي، واقتضى الأمر استيراده، من إنكلترا وفرنسا كمادّة جاهزة، وبقي أساتذته الألمان تلامذة. وعلى أيديهم، تحوّل هذا التعبير النظري عن واقع غريب، إلى مجموعة من العقائد الجامدة يؤولونها بلغة عالم المالك الصغير المحيط بهم، فيسيئون، لذلك، تأويلها. وقد حاولوا التستر على شعورهم بالعجز العلمي، وهو شعور لا يسع المرء كبته، وتبرّمهم من الاضطرار إلى تعليم موضوع غريب عن واقعهم، فجعلوا يختالون باستعراض إحاطتهم بالثقافة الأدبية والتاريخية، أو بعرض خليط من مواد غريبة مستعارة من علوم “إدارية” مزعومة، يتعمّد بها كل مرشح يحدوه الأمل(2) إلى الإنخراط في البيروقراطية الألمانية وأخذ الإنتاج الرأسمالي في ألمانيا يتطور حثيثاً منذ عام 1848، وهو اليوم يعيش في دوامة الإزدهار، غير أن الحظ لم يحالف اقتصاديينا المحترفين بعد. فحين كان بوسعهم معالجة الإقتصاد السياسي باستقامة، لم تكن الظروف الاقتصادية الحديثة متوافرة في ألمانيا. ولكن عندما ظهرت هذه الشروط إلى الوجود، حلّت في ظروف لم تعد تسمح بإجراء دراسة حقة ومتجردة في حدود النظرة البورجوازية. وما دام الاقتصاد السياسي بورجوازياً، أي ما دام يرى في النظام الرأسمالي شكلاً نهائياً ومطلقاً للإنتاج الاجتماعي، عوضاً عن أن يرى فيه مرحلة تاريخية انتقالية عابرة من مراحل تطوره، فإن هذا الاقتصاد السياسي لا يستطيع أن يبقى علماً إلا حين يظل الصراع الطبقي كامناً، أو حين لا يبرز إلى العيان سوى في مظاهر منعزلة متفرقة.
لنأخذ إنكلترا مثالاً. إن اقتصادها السياسي الكلاسيكي ينتمي إلى الحقبة التي لم يكن فيها الصراع الطبقي قد تطور بعد. وآخر ممثل عظيم لهذا الاقتصاد، ريكاردو، هو أول عالم يتخذ بوعي من التعارض بين المصالح الطبقية، والتعارض بين الأجور والأرباح، والأرباح والريع، نقطة الانطلاق في أبحاثه، لكنه اعتبر، بسذاجة، أن هذا التعارض قانون اجتماعي طبيعي، وعند هذه النقطة بلغ علم الاقتصاد البورجوازي الحدود التي لا يستطيع اجتيازها. وكان ريكاردو ما يزال على قيد الحياة حين اتخذ سيسموندي موقفاً مضاداً له، فتعرّض هذا العلم إلى النقد، على يده(*). وتنمية الفترة التالية في إنكلترا، من عام 1820 إلى عام 1830، بفيض من النشاط العلمي في حقل الاقتصاد السياسي، وكان ذلك أيضاً عهد ابتذال ونشر نظرية ريكاردو ، وكان أيضاً عهد صراع هذه النظرية مع المدرسة القديمة (3) ووقعت مبارزات رائعة ، بيد أن القارة الأوروبية لا تعرف إلا النزر اليسير عن هذه المعارك بوجه عام، نظراً لأن أغلب السجالات تبعثرت في مقالات نشرت في مجلات، وبهيئة كراريس، وأدب مناسبات. إن الأوضاع السائدة حينذاك، تُفسر خلو هذه السجالات من طابع التحيز، على الرغم من أن نظرية ريكاردو باتت، منذئذ، تُسخّر في حالات استثنائية معيّنة، كسلاح ضد الاقتصاد البورجوازي. فمن جهة كانت الصناعة الحديثة قد اجتازت لتوها عمر الطفولة، ومن شواهد ذلك أن هذه الصناعة دشنت، بازمة عام 1825، ولأول مرة، الأزمة الدورية في حياتها المعاصرة. ومن جهة أخرى ظل الصراع الطبقي بين رأس المال والعمل في المؤخرة، وذلك من الناحية السياسية، بفعل الصراع بين الحكومات والإقطاعيين الملتفين حول الحلف المقدس من جانب، والجماهير الشعبية بقيادة البورجوازية من جانب آخر، ومن الناحية الاقتصادية، بفعل النزاع بين رأس المال الصناعي والملكية العقارية الأرستقراطية، وهو نزاع كان يتستر، في فرنسا، وراء التعارض بين مصالح الملكية الكبيرة والملكية الصغيرة، فيما انفجر في إنكلترا، بصورة مكشوفة، بعد تشريع قوانين الحبوب. إن أدب الاقتصاد السياسي الإنكليزي في هذه الحقبة يذكرنا بفترة التحرك العاصف للاقتصاد إلى أمام في فرنسا في أعقاب وفاة الدكتور كينيه، ولكن فقط مثلما يذكرنا صيف الهند بالربيع. فبحلول عام 1830 جاءت الأزمة الحاسمة.
لقد استولت البورجوازية على السلطة السياسية في إنكلترا وفرنسا. ومنذ ذلك الحين اتخذ الصراع الطبقي، في النشاط العملي كما في النظرية، اشكالاً واضحة منذرة بالخطر أكثر فأكثر. ودق ذلك أجراس نَعي علم الاقتصاد البورجوازي. فلم يعد الأمر يتعلق، من الآن فصاعداً، بما إذا كانت هذه النظرية او تلك صائبة، بل بما إذا كانت مفيدة لرأس المال ام مضرّة، ملائمة أم غير ملائمة، تتفق مع الاعتبارات البوليسية أم لا. واخلى البحث النزيه مكانه للملاكمة المأجورة، للضمير الفاسد ونيات السوء التبريرية. ولكن، حتى الكراريس المفحمة التي انهالت على الجمهور من “رابطة معارضي قانون الحبوب” (Anti-Corn Law League)(4) بزعامة رجلى الصناعة كوبدت وبرايت، تتمتع بفائدة، إن لم تكن عملية على الأقل تاريخية، بفضل ما تنطوي عليه من سجال ضد الأرستقراطية العقارية. غير أن قانون حرية التجارة الذي شرّعه السير روبرت بيل جرّد الاقتصاد المبتذل من آخر شركاته اللاسعة.
وكان للثورة في القارة عام 1848 انعكاساتها على إنكلترا هي الأخرى. فالرجال الذين كانوا لا يزالون يتمتعون بمكانة علمية معينة، ويتوقون إلى أن يكونوا شيئاً أكثر من مجرد سفسطائيين ومدّاحين أذلاء للطبقات الحاكمة، أخذوا يسعون للتوفيق بين الاقتصاد السياسي لرأس المال ومطالب البروليتاريا، التي لم يَعُد يمكن إغفالها. من هنا منشأ التوفيقية الضحلة التي يُعد جون ستيوارت ميل خير ممثليها. وكان ذلك إعلاناً بإفلاس الاقتصاد البورجوازي، وهو منعطف سلط عليه المفكر والناقد الروسي العظيم ن. تشيرنيشيفسكي ضياء ثاقباً في مؤلفه الخطوط العامة للإقتصاد السياسي كما يراها ميل.
وعلى هذا لم يبلغ نمط الإنتاج الرأسمالي في ألمانيا درجة النضج إلا بعد أن كشفت المعارك التاريخية، بضراوة، طابعه التناحري في فرنسا وإنكلترا. يضاف إلى ذلك أن البروليتاريا الألمانية كانت قد اكتسبت في هذه الأثناء وعياً طبقياً نظرياً أعمق بكثير من وعي البورجوازية الألمانية. وهكذا ما إن أوشك علم الاقتصاد السياسي البورجوازي أن يبدو ممكناً في ألمانيا، حتى غدا مستحيلاً من جديد.
في هذه الظروف انقسم الناطقون باسم الاقتصاد السياسي إلى صنفين : الصنف الأول أشخاص أذكياء، عمليون، من محبي التجارة، اصطفوا تحت راية باستيا، أكثر ممثلي الاقتصاد التبريري المبتذل سطحية، وبالتالي خير من يمثل هذا الاقتصاد ؛ أما رجال الصنف الآخر، فقد استحوذ عليهم الاعتزاز بالكرامة المهنية للعلم، واقتفوا أثر جون ستيوارت ميل في السعي إلى التوفيق بين عناصر يستحيل التوفيق بينها، وفي العهد الكلاسيكي للاقتصاد السياسي مثلما في عهد انحطاطه، ظل الألمان مجرد تلامذة مبتدئين، يقلدون الآخرين ويقتفون آثارهم، ظلوا باعة متجولين صغاراً يبيعون بالمفرق الحساب محلات التجارة الأجنية الكبرى.
إذن فالتطور التاريخي الخاص للمجتمع الألماني، حال دون أي تطور اصيل في ميدان الاقتصاد «البورجوازية، ولكنه لم يحل دون نقده، وعلى قدر ما يمثل هذا النقد طبقة معينة ، فإنه لا يمكن إلا أن يمثل تلك الطبقة التي تكمن مهمتها التاريخية في قلب نمط الإنتاج الرأسمالي وإزالة كل الطبقات في خاتمة المطاف – إنها البروليتاريا. باديء الأمر حاول الناطقون، العالمون والجهلة على حد سواء، باسم البورجوازية الألمانية وأد رأس المال بالصمت، على غرار ما فعلوا بمؤلفاتي السابقة. وما إن وجدوا أن هذا التكتيك لم يعد مجدياً في الأوضاع القائمة، حتى أخذوا، بذريعة نقد كتابي، يكتبون وصفات “لتهدئة خاطر البورجوازية”. ولكنهم واجهوا في الصحافة العمالية ـ انظر مثلا مقالات جوزيف ديتزغين في صحيفة فولكسشتات volksstaat(5). خصوماً

أشد منهم بأساً لم يستطيعوا، حتى يومنا هذا، الرد عليهم (**) لقد نشرت ترجمة روسية ممتازة لـ رأس المال في ربيع 1872. وأوشكت اليوم نسخ هذه الطبعة بآلافها الثلاثة على النفاذ. وكان البروفيسور ن. زيبر، أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة كييف، قد أشار عام 1871 في مؤلفه الموسوم نظرية ريكاردو في القيمة ورأس المال(6) إلى أن نظريني في القيمة والنقد ورأس المال هي، من حيث الجوهر، تكملة ضرورية لمذهب سميث وريكاردو، وأن ما يدهش القارىء الأوروبي الغربي عند مطالعة هذا الكتاب الرائع هو الاستقامة والتمسك بالموقف النظري الخالص. إن المنهج المستخدم في رأس المال لم يُفهم إلا فهماً ضئيلاً، ودليل ذلك التصورات المتضارية التي تكونت عنه.
فالمجلة الوضعية(7) «Revue Positiviste» الصادرة في باريس تلومني على تناول الإقتصاد السياسي بطريقة ميتافيزيقية، من جهة، وتأخذ عليّ من جهة ثانية – إحزر! – أنني قَصَرتُ نفسي على مجرد تحليل نقدي للوقائع الفعلية عوضاً عن تدبيج وصفات (كونتيه؟)(8) لمطاعم المستقبل. أما بصدد اتهامي بالميتافيزيقية، فالجواب عند البروفيسور زيبر: “إن منهجية ماركس، في ما يتعلق بمعالجة النظرية الصرف، هي المنهجية الاستدلالية التي تميز المدرسة الإنكليزية؛ إنها مدرسة يشترك في سيئاتها وحسناتها أفضل النظر يين الاقتصاديين”(9).
أما السيد موريس بلوك (نظريو الاشتراكية في ألمانيا، مقتطف من مجلة الاقتصاديين، تموز/ يوليو – آب/ أغسطس 1872 ,Les Theoriciens du Socialisme en Allemagne 1872 Extrait du Journal des Economistes,Juillet et Aoit) فيكتشف أن طريقتي

تحليلية، ومما يقول: “بهذا المؤلف يتبوأ السيد ماركس مكانة بارزة بين أعظم العقول التحليلية” Par cet ouvrage M .Marx se classe parmi les esprits analytiques les plus) éminents).

ويزعق نقاد الكتب الألمان بطبيعة الحال حول السفسطة الهيغلية. أما مجلة الرسول الأوروبي (فيستنيك يفروبي) التي تصدر في سانت بطرسبورغ فترى، في مقالة مكرسة للحديث عن الطريقة المعتمدة في رأس المال (عدد أيار/ مايو 1872، ص 427 – 436)، إن منهجيتي في البحث صارمة في واقعيتها، لكن منهجيتي في العرض، لسوء الحظ، هي منهجية الديالكتيك الألماني. وتقول المجلة: “للوهلة الأولى يبدو ماركس، إذا حكمنا عليه من الشكل الخارجي لعرض الموضوع، أكثر الفلاسفة المثاليين مثالية، وذلك بالمعنى الألماني، أي بالمعنى السيئ للكلمة، أما في الواقع فإن ماركس واقعي، بل أكثر واقعية، على الاطلاق، من جميع أسلافه في أعمال النقد الاقتصادي.. ولا يمكن نعته بالمثالية بأية صورة”.
ولا يسعني أن أرد على السيد الكاتب(10) بأحسن من الاستعانة بمقتطفات من نقده هر نفسه، لعلها تهم بعض القراء ممن يتعذر عليهم قراءة الأصل الروسي بعد أن يورد الكاتب مقتطفاً من مقدمتي لكتاب مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، برلين، 1859، ص 4- 7، حيث أعالج الأسس المادية التي تستند إليها منهجيتي في البحث، يمضي السيد الكاتب قائلاً: “ثمّة شيء واحد يهم ماركس، هو أن يعثر على قانون الظواهر التي يقوم بدراستها. والمهم عنده ليس القانون الذي يتحكم بهذه الظواهر في شكلها الساكن وعلاقاتها المتبادلة في نطاق حقبة تاريخية معينة، فحسب، بل، وهذا هو الأهم، قانون تغيّرها وتطورها، أي قانون تحولها من شكل إلى شكل آخر، من نظام علاقات معيّن إلى نظام علاقات آخر. وما إن يكتشف هذا القانون، حتى يتحرّى، بالتفصيل، النتائج التي يتجلى بها في الحياة الإجتماعية … وعلى هذا فماركس يسعى إلى شيء واحد: أن يثبت، ببحث علمي صارم، حتمية تعاقب نُظُم معينة من العلاقات الاجتماعية، وأن يثبت بأكبر قدر من التجرد، الوقائع التي يتخذها نقاط انطلاق جوهرية، وحسبه لذلك أن يبرهن، في آن واحد، ضرورة النظام الراهن، وضرورة نظام آخر ينبغي للأول أن ينتقل إليه بصورة محتومة، سواء كان الناس يؤمنون به أم لا يؤمنون، وسواء كانوا بعون ذلك أم لا يعونه. ويرى ماركس الحركة الاجتماعية بمثابة عملية تاريخ طبيعي تسيّرها قوانين ليست مستقلة عن إرادة ووعي ومقاصد البشر فحسب، بل، على العكس من ذلك، تتحكم بتلك الإرادة والرعي والمقاصد… وإذا كان العنصر الواعي يلعب دوراً ثانوياً كهذا في تاريخ الحضارة، فبديهي أن البحث النقدي الذي يجعل من الحضارة موضوعاً لا يمكن أن يتخذ، أساساً له، أي شكل أو نتيجة من أشكال ونتائج الوعي، ويعني هذا أن الظاهرة المادية، وليس الفكرة، هي الشيء الوحيد الذي يمكن لهذا البحث أن يتخذه نقطة انطلاق. فالبحث النقدي يتنصر على المقارنة والمقابلة بين واقع وآخر، لا بين واقع وفكرة.
والأمر الوحيد الذي يهم هذا البحث هو دراسة كلا الواقعين بأكبر قدر من الدقة، وأن يؤلفا، بالفعل، الواحد بالنسبة للآخر، مرحلتين حقيقيتين من مراحل التطور، بيد أن الشيء الأهم هو التحليل الذي لا يقل في الدقة، عن سابقه، لسلسلة الأنظمة، أي التتابع والترابط اللذين تنجلي فيهما مختلف مراحل التطور. ولكن قد يقال إن القوانين العامة للحياة الإقتصادية هي واحدة لا تتغير، سواء طبقناها على الحاضر أو الماضي. هذا بالضبط ما ينكره ماركس. فلا وجود لمثل هذه القوانين بناتاً في نظره … على العكس من ذلك، إنه يرى أن لكل مرحلة تاريخية قوانينها الخاصة… وما إن تتخطى الحياة حقبة معينة من التطور، وينتقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى، حتى يأخذ بالخضوع لقوانين جديدة . وباختصار فإن الحياة الاقتصادية تقدم لنا ظاهرة مماثلة لظواهر تاريخ التطور التي نجدها في فروع أخرى من علم الأحياء (البيولوجي)… وقد أخطأ الاقتصاديون القدامى فهم طبيعة القوانين الاقتصادية حيث شبهوها بقوانين الفيزياء والكيمياء. فمن شأن تحليل أعمق للظواهر أن يبين أن العضويات الاجتماعية يختلف بعضها عن بعض اختلافاً جوهرياً كاختلاف العضويات الحية النباتية والحيوانية… أجل، فالظاهرة ذاتها تخضع لقوانين مختلفة تماماً وذلك تبعاً لاختلاف البنية الكلية لتلك العضويات، أو اختلاف أعضاء جزئية منها، أو تغير الظروف التي تعمل في ظلها، إلخ. وينفي ماركس، على سبيل المثال، أن قانون السكان يظل على حاله في كل العصور والأماكن. ويؤكد، على عكس ذلك، أن لكل حقبة من التطور قانونها السكاني الخاص، .. فتتغير العلاقات والقوانين التي تتحكم بها تبعاً لاختلاف تطور القوى المنتجة. وإذ يضع ماركس نصب عينيه هدف تفحّص واستجلاء النظام الاقتصادي الرأسمالي من وجهة النظر هذه، فإنه لا يقوم في ذلك إلا بصياغة علمية صارمة للهدف الذي ينبغي أن تتوخاه كل دراسة دقيقة للحياة الاقتصادية …
فالقيمة العلمية لمثل هذا البحث تكمن في الكشف عن القوانين الخاصة التي تتحكم بنشوء ووجود وتطور وموت كائن عضوي اجتماعي معيّن واستبداله بكائن عضوي أرقى. وهذه هي بالضبط القيمة الحقيقية التي يتمتع بها كتاب ماركس”.

تُرى أي شيء وصفه كاتب المقال هنا، بتصوير ما يعتقد أنه منهجي في البحث، بمثل هذه الدقة، ومثل هذا اللطف (في ما يتعلق بتطبيقي لها)، أي شيء وصف غير المنهج الديالكتيكي؟
وبالطبع فإن طريقة العرض لا بد أن تختلف عن طريقة البحث من حيث الشكل . فينبغي للبحث أن يحيط بالمادة في كل تفاصيلها، ويحلل مختلف أشكال تطورها، ويسبر غور ارتباطها الداخلي، ولا يمكن وصف الحركة الفعلية على نحو مناسب، قبل أن يتم ذلك. وإذا تحقق هذا بنجاح، فانعكست حياة مادة الموضوع بصورة مثالية انعكاسها في مرآة، عندئذ قد يبدو لنا أننا إزاء بناء قَبلي (a priori).
إن منهجيتي الديالكتيكية لا تختلف من حيث الأساس عن المنهجية الهيغلية فحسب، بل هي نقيضها المباشر. فهيغل يعتبر أن عملية التفكير، التي جعل منها ذاتاً قائماً بنفسه أطلق عليه اسم الفكرة، هي خالق (Demiurg) العالم الواقعي، وهذا العالم الواقعي لا يمثل سوى الظاهرة الخارجية لتجلي الفكرة. أما عندي فالأمر معكوس، إذ ليس المثالي سوى انعكاس وترجمة للعالم المادي في الدماغ البشري.
لقد انتقدت الجانب الصوفي من ديالكتيك هيغل قبل زهاء ثلاثين عاماً يوم كان يمثل الموضة السائدة. ولكن بينما كنت أعمل في المجلد الأول من رأس المال، راق أنصاف المثقفين، المتغطرسين، التافهين المشاكسين(11)، الذين لهم الكلمة العليا اليوم بين متعلمي ألمانيا، أن يعاملوا هيغل معاملة موسى مندلسون الشجاع لسبينوزا في عهد ليسنغ، أي يعاملوه مثل «كلب ميت». لذلك أعلنت نفسي جهاراً تلميذاً لذلك المفكر الجبار، بل عمدت في هذا الموضع أو ذاك من الفصل الخاص بنظرية القيمة، إلى مغازلة أسلوبه الخاص في التعبير. وعلى الرغم من أن الديالكتيك قد عانى على يد هيغل من الصوفية، فإن ذلك لم يمنع هيغل من أن يكون أول من عرض الأشكال العامة لحركة الديالكتيك بأسلوب شامل وواع. الديالكتيك عند هيغل يقف على رأسه، فينبغي أن يوقفه المرء على قدميه ليكتشف النواة العقلانية داخل القشرة الصوفية.
لقد أصبح الديالكتيك، في شكله الصوفي، موضة ألمانية، لأنه بدا وكانه يمجد ما هو قائم. أما في شكله العقلاني فهو شيء فاضح بغيض في نظر البورجوازية ومفكريها النظريين، لأنه ينطوي على فهم إيجابي لما هو قائم، ونفي هذا الوضع القائم وانهياره المحتوم في آن واحد؛ لأن هذا الديالكتيك يرى الأشكال القائمة من منظور الحركة المتدفقة، أي من جانبها الزائل ايضاً، لأنه غير هيّاب، ولأنه في جوهره نقدي وثوري.
إن البورجوازي العملي يلمس، على نحو صارخ، الحركة المتناقضة للمجتمع الرأسمالي، في تقلبات الدورة المتكررة التي تمر بها الصناعة الحديثة، بالغة الذروة في الأزمة الشاملة. إن هذه الأزمة تقترب من جديد، مع أنها لا تزال بعد في نُذُرها الأولى، وهي بشمولية مسرحها وشدة فعلها، ستقحم الديالكتيك حتى في رؤوس حديثي النعمة في الإمبراطورية البروسية ـ الألمانية المقدسة الجديدة .

كارل ماركس

لندن 24 كانون الثاني / يناير 1873



الهوامش ______________

(1) في الطبعة الرابعة حذفت الفقرات الأربع الأولى من المقدمة. أما في طبعتنا الحالية فإن المقدمة منشورة بكاملها . إن. برلين).
(2) في الطبعتين الثالثة والرابعة، مرشح يائس. (إن. برلين).
(*) راجع كتابي مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، ص 39.
(3) في النص الفرنسي: الصراع مع كل المدارس المنبثقة عن مذهب آدم سميث، (ن. ع).
(4) “رابطة معارضي قانون الحبوب” ( Anti.Com Law League) جمعية تناصر التجارة الحرة اسسها عام 1838 رجلا الصناعة كربنن وبرايت. وكانت قوانين الحبوب الإنكليزية التي طبقت عام 1815 تستهدف تضييق أو منع استيراد الحبوب لمصلحة كبار ملاكي الأرض. وكانت الرابطة تدعو إلى الحرية التامة للتجارة، وتعمل على إلغاء قوانين الحبوب بغية تخفيض أجور العمال وإضعاف المواقع الاقتصادية والسياسية للأرستقراطية العقارية، وحاولت الرابطة زج الجماهير العمالية في المعركة مع ملاكي الأرض، بيد أن أكثر عمال إنكلترا تقدماً شقوا، يومذاك، طريقهم السياسي المستقل في حركة عمالية تدعى بالحركة الشارتية (أو الميثاقية Chartism) وانتهى الصراع بين البورجوازية الصناعية والأرستقراطية العقارية عام 1846 بقرار تشريع يلغي قوانين الحبوب، وعلى اثر ذلك حلت الرابطة نفسها. (ن. برلين).
(5) نشر ي. ديتزغين مقالته المعنونة “راس المال”، نقد الاقتصاد السياسي لكارل ماركس، هامبورغ 1867 في الصحيفة الأسبوعية الديموقراطية الأعداد 31-34-35-36 ني عام 1868. وقد صدرت تلك الصحيفة خلال 1869 – 1876 باسم دير نولكشتات Der Volksstaat . (ن.

برلين)

(**) شن ثرثارو الاقتصاد الألماني المبتذل، بألسنتهم الوضيعة، هجوماً ضارياً على أسلوب كتابي وطريقة العرض فيه. والحق ليس ثمة من يشعر بالنواقص الأدبية في “راس المال” أكثر مني. مع ذلك، ففي سبيل فائدة وإمتاع هؤلاء السادة وجمهورهم، أقتبس هنا تعليقين احدهما إنكليزي والآخر روسي، فمجلة ساترداي ريفيو Saturday Review المعادية تماماً لوجهات نظري، نقول في معرض التعليق على الطبعة الألمانية الأولى: “إن طريقة العرض تُسبغ سحراً (charm) خاصاً متميزاً على اشد المسائل الاقتصادية جفافاً”، اما صحيفة سانت بطرسبيرغ جورنال فتعلق في العدد الثامن، 20 نيسان/ أبريل 1872 قائلة: “ما عدا أقسام على جانب كبير من الخصوصية، تنميز طريقة العرض بأنها تجعل الموضوع يسيراً في متناول القارىء الأعتيادي، واضحاً ومتمتعاً بحيوية خارقة للعادة، على الرغم من التعقيد العلمي الذي يكتنف المادة، ولا يشبه المؤلف، في هذا . أغلبية الباحثين الألمان أيما شبه … فهؤلاء يكتبون مؤلفاتهم بلغة جافة، غامضة، تصدع رؤوس معشر الناس”. أما ما يكتبه الأساتذة هذه الأيام بروح قومية ألمانية ليبرالية فإنه لا يصدع رؤوس القراء بل أشياء غيرها تماماً .

(6) ن. زيبر، نظرية ريكاردو في القيمة ورأس المال، كييف، 1871، ص 170.



(7) وهي مجلة الفلسفة الوضعية La Philosophie Positive التي صدرت في باريس من عام 1867 إلى 1883، وقد نشرت في عددها الثالث من عام 1868 عرضاً سريعاً للمجلد الأول من “رأس المال” بقلم دي روبيرتي، من اتباع الفيلسوف الوضعي الفرنسي اوغست كونت. (ن. برلين).

(8) (Comtiste) نسبة إلى الفيلسوف الوضعي أوغست كونت (1798 – 1857). (ن. ع).

(9) ن. زيبر، المرجع المذكور نفسه، ص 170. (ن. برلين).

(10) الكاتب هو إ. أ. كاوفمان ( I.I.Kaufman ). (ن. برلين).

(11) يقصد ماركس، بهذا، الفلاسفة: بوشنر، لانغه، دوهرينغ، وفيشنر وغيرهم، (ن. برلين).



تعليقات الفيسبوك