في علم الثورة الشيوعية (2)


فؤاد النمري
2019 / 5 / 28 - 19:29     

كانت البداية لدى ماركس وإنجلز في العام 1847 أن رأى كلاهما نظام الإنتاج الرأسمالي يتطور تطوراً ثورياً ويجتذب قوى العمل من مختلف الطبقات للعمل كبلوريتاريا وهو ما سينتهي إلى أن علاقات الإنتاج الثابتة في النظام الرأسمالي بشكل العمل المأجور لن تقوى على احتمال تطور قوى العمل المتنامية مع تطور النظام الرأسمالي وسينتهي ذلك إلى ثورة تستولي فيها البروليتاريا على السلطة وتحطم علاقات الإنتاج الرأسمالية كآخرعلاقات إنتاج في المجتمعات البشرية . من أجل ذلك أهاب ماركس وإنجلز في بيانهما الشيوعي (المانيفيستو) بعمال العالم لأن يتحدوا ويشكلوا أحزابهم الشيوعية استعداداً للثورة وإعلان دولة دكتاتورية البروليتاريا وصولاً إلى الحياة الشيوعية . في العام 1871 نهض عمال باريس في كومونة غير أن القوى الرجعية في ألمانيا لم تحتمل انتصار الكومونة في باريس فتدخلت بوحشية فائقة وقتلت عشرات الألوف من عمال باريس . النهوض التالي كان نهوض البلاشفة في بطرسبورغ في أكتوبر 1917 واستيلاؤهم على السلطة ؛ وبعد أن نجحوا في القضاء على الثورة المضادة وعلى جيوش التدخل من كافة الدول الرأسمالية تم إرساء دولة دكتاتورية البروليتاريا في ثورة اشتراكية عالمية دعت عمال العالم لتشكيل أحزاب شيوعية تعمل على انتصار الثورة الشيوعية في العالم كله .
الثورة البلشفية برهنت خلال عشرين عاماً فقط 1921 – 41 رغم الحصار المحكم الجائر وأعمال التخريب الواسعة من قبل العصابات التروتسكية برهنت على أن مبدأ لينين الذي قال به في الإجتماع التأسيسي للأممية الشيوعية 1919 وهو أن مصائر شعوب العالم ستقررها البروليتاريا الروسية هو مبدأ العصر، عصر الثورة الشيوعية . لكن ما الذي طرأ في هذا السياق !؟ وهل ما زال مبدأ لينين قائما بعد أن انهيار الإتحاد السوفياتي الذي جسّد مشروع لينين تجسيداً حيّا !؟
عساكر ألمانيا الذين استطاعوا أن يلغوا كومونة باريس من التاريخ عادوا بحشد قوى عسكرية لا مثيل لها في التاريخ يلغون ثورة أكتوبر البلشفية، وكأن قانون الطبيعة في وحدة التناقض يتجلى في ألمانيا فالفكر الألماني هو الذي أنجز عبقرية النظرية الشيوعية (ماركس وإنجلز) والعسكر الألمان بالمقابل هم الذين أخذوا على عاتقهم إلغاء هذا الفكر ومنعه من أن يأخذ مجراه الطبيعي في الحياة .
كان الإمبرياليون الإنجليز والفرنسيون قد أملوا شروطاً قاسية وهمجية على ألمانيا في نهاية الحرب العالمية الأولى بموجب معاهدة فرساي 1919 تمنعها من تطوير قوى الإنتاج في نظام رأسمالي ينتج البضائع . في مواجهة تلك الشروط الهمجية كان الخيار الوحيد المطروح أمام الشعب في ألمانيا هو الثورة الإشتراكية حيث الإشتراكية تنتج مختلف حاجيات الإنسان دون أن تكون بضاعة . وفعلاً قامت الثورة في بافاريا في ابريل نيسان 1919 وتشكلت حكومة سوفياتية إلا أن فلول العسكر المهزومين (Freikorps) وبدعم من "الحزب الإشتراكي" القائم أصلاً على خيانة الإشتراكية قضوا على الثورة ؛ ومرة أخرى يقضي الحزب الإشتراكي على الثورة الشيوعية في همبورغ في أكتوبر 1923 . حزب الخيانة، الحزب الإشتراكي، رفض في جمهوريته المنهارة فيمار (Weimar) تسليم السلطة للشيوعيين مقترفاً آلاف الجرائم بحقهم وسلمها في العام 33 للنازي عن طيب خاطر، أي خونة هم هؤلاء الخونة الصفر !!؟ هؤلاء الخونة الصفر أغرقوا الشيوعيين بالدماء في عامي 19 و 23 وقرأوا السلام على هتلر يتسلم السلطة منهم في العام 33 .
هتلر لم يخرق معاهدة فرساي التي منعت التطور الرأسمالي على ألمانيا حيث أعلن حزبه النازي حزباً اشتراكياً قومياً للعمال معادياً للرأسمالية . لكن ذلك المعتوه الأرعن تصور أن بإمكانه إستعباد العالم كله لتحل برلين محل روما القديمة عن طريق القوى العسكرية ويقيم الرايخ الثالث لألف عام يستعبد العالم . المؤسف حقا أن الشعب الألماني صدق ذلك الجنوح الأحمق باستثناء الشيوعيين منه وقد عمل هتلر على تصفيتهم . تحقيقاً لذلك الجنوح الأحمق وظف كل قوى الإنتاج في ألمانيا وهي قوى كبيرة بمختلف المقاييس والأكثر تطوراً وظفها في العسكرة وصناعة الأسلحة وهي ليست صناعة رأسمالية خلافاً لما يعتقد الكثيرون . خلال خمس سنوات (1933 – 38) غدت ألمانيا القوى العسكرية الأولى في العالم . واعتقد الإمبرياليون الحمقى في بريطانيا وفرنسا أنهم يستطيعون استخدام هذه القوى الجبارة في القضاء على الإتحاد السوفياتي الذي كانوا هم قد عجزوا عن النيل منه . في هذا المنحى تم عقد مؤتمر ميونخ في سبتمبر 38 بين الإمبرياليين بريطانيا يمثلها رئيس الوزراء تشيمبرلن وفرنسا يمثلها الرئيس ديدرو والفاشيين هتلر وموسوليني . وتم في ذلك المؤتمر الخياني دفعة على الحساب تمثلت باعتراف بريطانيا وفرنسا باحتلال هتلر للنمسا وضم حزء كبير من تشيكوسلوفاكيا (السوديت) إلى ألمانيا رغم أن تشيكوسلوفاكيا كانت تتمتع بحماية الدولتين بريطانيا وفرنسا، وتنازلت بريطانيا عن الحبشة والقرن الأفريقي لموسوليني . ولما لم يتوفر أمام ستالين غير ممر ضيق لتوفير الأمن للإتحاد السوفياتي بعد أن رفضت الدول الغربية الكبرى الثلاث عقد تحالف معه ضد النازية إضطر ستالين لعقد اتفاقية عدم اعتداء مع هتلر وهو ما سمح لهتلر باحتلال بولندا محمية بريطانيا وفرنسا مما اضطرهما لإعلان الحرب على هتلر لكنها كانت حرباً صوتية بلا نيران (Phoney War) .
في الساعات الأولى من يوم الثاني والعشرين من حزيران 41 خرق هتلر اتفاقية عدم الإعتداء مع الإتحاد السوفياتي بتشجيع من الجاسوس تروتسكي الذي كان محل إعجاب هتلر وهو من قال على صفحات المجلة الأميركية (Post-Dispatch) عدد يناير 1940 .. " When foresight and initiative are necessary, Stalin knows only defeat"، عندما تتطلب المواجهة من القائد الفراسة والمبادرة فالهزيمة هي مصير ستالين الحتمي . وزاد على ذلك أن الجيش الأحمر لا يضم بقيادة ستالين سوى المخروعين الجبناء ومدمني الخمور . هتلر كان يقدر أن مشروعه "الرايخ لألف عام" سيؤمنه احتلال الإتحاد السوفياتي واعتماداً على وصفات تروتسكي، وهو محل إعجاب هتلر الشديد بموجب كاتب سيرة حياة هتلر، أنه يستطيع أن ينجز ذلك خلال ثلاثة شهور ليس أكثر . لذلك دفع بكل قوى ألفاشية في أوروبا وتعد 180 فرقة أي حوالي 3 ملايين جندياٌ يستخدمون أحدث أنواع الأسلحة آنذاك ليصلوا خلال 3 أشهر فقط إلى عتبات موسكو ولينينغراد ؛ لكن ستالين قاد بشخصه معركة موسكو وكانت أول هزيمة تلحق بهتلر خلال حروبه الكثيرة، ثم معركة ستالينغراد حيث أعلن هتلر الحداد في ألمانيا لسبعة أيام حداداً على خسائر المانيا، ثم معركة كورسك التي كسرت العمود الفقري للعسكرية الألمانية في صيف 43، وأخيراً معركة 12 يناير 45 وكانت أكبر معركة في تاريخ الحروب حيث امتد خط النار فيها على كل عرض القارة الأوروبية من الشرق، تلك المعركة التي لم تعرف باسم مكان أو موقع لأنها ظلت زاحفة حتى احتلال برلين ومخدع هتلر .

لم يدرك مختلف مؤرخي الحروب والمحللين الإستراتيجيين جوهر المواجهة الفاشية السوفياتية التي طحنت أوروبا وقتلت ما يزيد على خمسين مليونا من بني الإنسان . كانت الثورة الشيوعية في موسكو قد أثبتت خلال عمرها القصير (1921 – 41) أنها ثورة الإنسان من أجل الإنسان، من أجل تحرير الإنسان وحيد الخلقة والنوع من مختلف القيود التي رسف فيها خلال تاريخه الطويل . الثورة الشيوعية الإنسانية في الجوهر واجهت أعتى قوى الشر المتطورة مع تطور الجيوان الإنسان . ومن هنا لم يكن لتقدم قوى الحرب لألمانيا سبيل للإنتصار على قوى الحرب المتخلفة السوفياتية . كانت القوى السوفياتية هي قوى الإنسانية في الجوهر في مواجهة القوى الفاشية الحيوانية في الجوهر أيضاً . كان تخلف قوى الحرب السوفياتية في البداية ناجماً عن طبيعة النظام الإشتراكي التي لزمها ستالين أكثر مما يلزم وهو لم يسامح نفسه على ذلك الخطأ ذي التداعيات الخطيرة، كما أن تقدم القوى الحربية السوفياتية في السنة الثالثة من الحرب على نظيرتها الألمانية ناجم أيضاً عن طبيعة النظام الإشتراكي .
التداعي الأخطر من قصور قوى الحرب السوفياتية في البداية هو أن دولة دكتاتورية البروليتاريا لم تستطع وحدها أن تجابه العدوان الهتلري الغاشم مما اضطرها لاستدعاء البورجوازية الوضيعة السوفياتية للمشاركة في حرب وطنية . ولما استطالت الحرب لخمس سنوات أغرقت بالدماء وانغمر فيها كافة السوفياتيين من مختلف المهن والطبقات، أُزيحت دولة دكتاتورية البروليتاريا فعليا جانباً لتحل محلها "دولة الشعب كله" لاثنتي عشرة سنة . انتهت الحرب وبرنامج إعادة الإعمار في العام 51 والدولة الفعلية في الإتحاد السوفياتي هي "دولة الشعب كله" وإن كان على رأسها يوسف ستالين القائد الطليعي للبروليتاريا .
في العام 51 كان هم ستالين الأول والأخير هو أن يعيد دولة دكتاتورية البروايتاريا إلى السلطة . وفي ضائقة البحث في تحقيق هذا الهدف الكبير خاصة وأن ستالين يعلم جيداً القاعدة الماركسية التي تقول أن لا شيوعية بدون دكتاتورية البروليتاريا، دعا إذاك لعقد ندوة استثنائية تضم كبار قادة الحزب والأخصائيين السوفييت في الإقتصاد من الشيوعيين وغير الشيوعيين للبحث فيما أسماه "القضايا الإقتصادية للإشتراكية في الإتحاد السوفياتي" .

(يتبع)



تعليقات الفيسبوك