هل حقاً الشعب العراقي غير مؤهل للديمقراطية؟


عبدالخالق حسين
الحوار المتمدن - العدد: 6242 - 2019 / 5 / 27 - 13:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

ذكرنا مراراً مع غيرنا، أنه ليس من السهل حكم العراق لأسباب تاريخية وجغرافية وديموغرافية، وهناك مقولات كثيرة من إسكندر المقدوني وغيره عن صعوبة حكم العراق، وعلى سبيل المثال ينقل عن معاوية أنه أوصى ابنه يزيد قائلاً: " إذا طلب منك أهل العراق عاملاً جديداً في كل يوم، فاستجب لهم، لأن تبديل العامل أسهل عليك من أن يرفعوا بوجهك عشرة آلاف سيف". وقد ظهرت صعوبة حكم العراق بشكل جلي منذ إسقاط أسوأ نظام دكتاتوري عام 2003، وإقامة نظام ديمقراطي بديل. ومنذ ذلك الوقت واجهت الديمقراطية معارضة شرسة بمختلف الوسائل من فلول البعث الذين فقدوا الحكم والنفوذ، وبدعم من الدول الخليجية خوفاً من وصول عدوى الديمقراطية إلى شعوبهم، ومنعاً لنهضة العراق واستقراره وازدهاره. لذلك راح أعداء الديمقراطية الوليدة يشنون حملة تلوى أخرى لتشويه صورتها، وبث روح اليأس في نفوس العراقيين لتحطيم معنوياتهم، وتضليلهم، ونشر البلبلة الفكرية بينهم، وإرباك السلطة، والادعاء بأن كل ما أصاب العراق بعد 2003 هو بسبب الديمقراطية التي "فرضتها أمريكا"، وأن الشعب العراقي غير مؤهل للديمقراطية بعد.(1، 2، 3)

ينشط هؤلاء في مجموعات الحوار، ومواقع الانترنت، والتواصل الاجتماعي، وهم يجيدون تسفيط الكلام المنمق، والاستشهاد بمقولات ظاهرها حق، يراد بها باطل، لإثبات وجهات نظرهم الباطلة. ولم يتورع البعض منهم ليبدأ بشتم صدام والبعث، والادعاء بأنه وعائلته من ضحايا البعث ليكسب ثقة القارئ، ومن ثم ليصب سمومه على العراق الجديد. كذلك الملاحظ أنه إذا أراد أحدهم تشويه صورة أي سياسي من طائفة معينة يتبنى اسماً من نفس طائفة ذلك السياسي، وأحياناً حتى لقبه العشائري، ليعطي المصداقية إلى ما يفتري به على ذلك السياسي.

وفي حملة بث روح اليأس بين العراقيين ضد الديمقراطية، كتب أحدهم ما معناه أنه لا أمل في نجاح الديمقراطية في العراق لأن نجاح الديمقراطية في أي بلد يجب أن تنبت جذورها من تربة ذلك البلد، إذ لا يمكن استيراد الديمقراطية من الخارج وفرضها بالقوة!! وهو يعني أن الشعب العراقي لم يبلغ بعد مرحلة النضج ليقيم نظاماً ديمقراطياً وبدون مساعدة خارجية.

فلو كان هذا القول صحيحاً، واتبعته الشعوب، لبقيت الديمقراطية الحديثة حبيسة مسقط رأسها، أي بريطانيا، ولجمدت الحياة، وبقيت شعوب العالم كقطعان الماشية يحكمها الطغاة إلى أبد الآبدين. إذ لا يمكن أن يتبنى أي شعب مضطهد الديمقراطية ما لم تتسرب إليه أفكار الديمقراطية وجدواها من الخارج. فكلما كانت هذه الشعوب متخلفة ومضطهدة، كلما ازدادت حاجتها إلى الدعم الخارجي لإخراجها من تخلفها، وخلاصها من أنظمتها الجائرة. وفي هذا الخصوص يقول السياسي الفرنسي جان بيار شوفينمان: "لن تغسل الشعوب العربية إذلالها إلا إذا تداركت تأخرها، ولن تتدارك تأخرها إلا إذا ساعدها الغرب بقوة على ذلك"

كذلك نقول، إذا كانت غالبية الأنظمة الدكتاتورية قد أقيمت في دولنا العربية بمساعد الدول الغربية مثل نظام البعث الفاشي في العراق، فلماذا نرفض مساعدة تلك الدول إياها لإقامة الأنظمة الديمقراطية بعد أن تأكدت أن الأنظمة المستبدة البغيضة قد أنتهى مفعولها ودورها، وباتت تشكل خطراً ليس على شعوبها فحسب، بل وعلى شعوب العالم؟

كذلك هناك من يحاول إلقاء اللوم في عدم استقرار العراق على ثورة 14 تموز 1958، فيقول أحدهم: (.... العراقي لم يعش سنة واحدة منذ 1958 براحة نفسية وإطمئنان...الخ). وكأن العراق كان مستقراً في العهد الملكي، إذ يتحدثون كثيراً عن "عبقرية" نوري السعيد، وديمقراطيته الليبرالية!!، وفي هذا الخصوص يكفي أن نذكِّرهم بحادثة واحدة فقط على سبيل المثال لا الحصر، وهي في عام 1954 أجرت حكومة أرشد العمري انتخابات برلمانية، ورغم الضغوط الحكومية على الناخبين، ومحاولات تزييف النتائج، فازت أحزاب المعارضة الوطنية بـ 11 مقعدا من مجموع 131 مقعداً، فلم يتحمل الديمقراطي جداً نوري السعيد هذا العدد القليل من نواب المعارضة، لذلك قام بعد يوم واحد فقط من خطاب العرش، بانقلاب القصر على زميله أرشد العمري، وعطَّل البرلمان، وأعلن الأحكام العرفية، وشكل حكومة الطوارئ برئاسته. هكذا كانت "الدولة الواعدة بالديمقراطية" التي يدافع عنها أعداء الديمقراطية اليوم، نرجو من الأخوة هؤلاء مراجعة مقالنا الموسوم (هل حقاً كان العهد الملكي ديمقراطياً، واعداً ومستقراً؟)(4)

فالذين يشيعون اليأس في نفوس العراقيين ضد الديمقراطية، وأن العراق غير مؤهل لها، بدون أدنى شك، يريدون عودة الدكتاتورية والانقلابات العسكرية. والكل يعلم ما عملت الأنظمة الدكتاتورية بالعراق وما جلبت له من كوارث من حروب داخلية وخارجية أهلكت الحرث والنسل، وأن جميع مشاكل اليوم هي نتاج تلك الأنظمة الدكتاتورية البغيضة. والغريب أن المروجين للدكتاتورية أغلبهم يقيمون في البلدان الغربية الديمقراطية، فهم يريدون مساعدة الغرب لهم والتمتع بأنظمتها المتحضرة، ولكن عندما تحاول هذه الدول مساعد الشعب العراقي في إقامة نظام ديمقراطي له، هنا تُسكب العبرات والدموع، فيرفعون عقيرتهم بالصراخ مدعين أن هذه المساعدات تسيء إلى السيادة والكرامة، وأن الشعب العراقي غير مؤهل للديمقراطية.

يخبرنا التاريخ أن الأنظمة الديمقراطية في الغرب قد بدأت بمشاكل وأخطاء كبيرة لا تقل خطورة عما يواجهه العراق اليوم، و لكن مع مرور الزمن تعلمت الشعوب من أخطائها، وتعودت على الديمقراطية إلى أن صارت جزءً من تقاليدها، وأعرافها وثقافتها ولن تتخلى عنها ولو على أسنة الحراب. بل وحتى اليوم نلاحظ التشرذم والفوضى العارمة في البرلمان البريطاني حول اتفاقية الخروج من الوحدة الأوربية، حيث رفض البرلمان الاتفاقية التي عقدتها رئيسة الوزراء السيدة تريزة مي، ثلاث مرات، وطرحت الكتل السياسية نحو 14 لائحة بديلة، كلها فشلت في الحصول على موافقة الأغلبية. وقد حاولت السيدة مي طرح اتفاقيتها للمرة الرابعة على البرلمان بعد إجراء تعديلات طفيفة عليها، إلا إنها ووجهت بالرفض من غالبية برلمانيي حزبها، وأعضاء حكومتها، مما أدى بهم إلى تنحيتها، فأجبرت على الاستقالة، والاستعداد لاختيار رئيس جديد، وعلى الأغلب سيفشل هذا الجديد تنسيق الخروج بشكل مرضي من الأغلبية البرلمانية، لذا ربما سيزاح بعد فترة قصيرة من توليه رئاسة الحكومة بسحب الثقة منه خاصة إذا جاء بوريس جونسن الذي يريد الخروج من الوحدة الأوربية حتى ولو بدون إتفاقية، وهذا ما تعارضه الأغلبية البرلمانية الساحقة. فهل والحالة هذه، نقول أن الشعب البريطاني غير مؤهل للديمقراطية؟ كلا وألف كلا. فالديمقراطية ليست بلا مشاكل، إذ كما قال ونيستون تشرتشل: "الحكومة الديمقراطية هي ليست مثالية، ولكن لحد الآن لم توجد حكومة أفضل من الحكومة الديمقراطية".

أما الديمقراطية الوليدة في العراق فرغم الصعوبات والمعوقات الكثيرة والكبيرة التي تواجهها، إلا إنها تسير بخطى واعدة وثابتة نحو النجاح، إذ لا بد وأن تبدأ الديمقراطية من نقطة ما، ورحلة الألف ميل قد بدأت بالخطوة الأولى، ولا رجعة عنها مهما تعالى صراخ المتشائمين والحاقدين على الديمقراطية. فالبديل عن الديمقراطية هو النظام الدكتاتوري البغيض وقد نال منه الشعب فوق طاقته. لذلك فالشعب العراقي محكوم له وعليه بالنظام الديمقراطي الذي لا يمكن أن يتعلمه ويتعود عليه إلا بالممارسة، والتعلم من الأخطاء، ومهما واجه من صعوبات.

مرة أخرى أذكر القراء الكرام بمقولة الاقتصادي الهندي، أمارتيا كومر سين، الحائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية لعام 1998: "يجب أن لا نسأل أنفسنا هل هذا الشعب أو ذاك مؤهلاً للديمقراطية أم لا، وإنما نتصور أنه يجب أن يصبح مؤهلاً من خلال ممارسته للديمقراطية. لذلك، فالديمقراطية ليست الهدف البعيد فحسب، بل هي أيضاً الوسيلة لتحقيقها".
[email protected]
ـــــــــــــــــــ
1- د. عبد الخالق حسين: ما علاقة الديمقراطية بالتخلف وتفشي الخرافات؟
http://www.akhbaar.org/home/2019/5/257437.html

2- عبدالخالق حسين: إصرار العراقيين على تدمير أنفسهم
https://www.dw.com/ar/%D8%A5%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AA%D8%AF%D9%85%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D9%86%D9%81%D8%B3%D9%87%D9%85/a-17180360

3- أ.د. عبدالحميد العباسي: تعليق على مقال الدكتور عبدالخالق حسين: إصرار العراقيين على تدمير أنفسهم*
https://www.lalishduhok.com/articles/post/%D8%A3-%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%85%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%82-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84-%D8%A7/

4- د.عبدالخالق حسين: هل حقاً كان العهد الملكي ديمقراطياً، واعداً ومستقراً؟
http://www.akhbaar.org/home/2017/7/231226.html

5- عبدالخالق حسين - الديمقراطية لا تولد متكاملة ولن تكتمل
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=6436