تعليقا على ما سمي بمناظرة القرن(2)/ الطبيعة البشرية في فكر كارل ماركس


ارام محاميد
2019 / 5 / 24 - 18:46     


لا أنطلق في تعليقي الثاني على المناظرة التي جمعت سلافوي جيجك وجوردن بيترسون والتي سأعرض فيها قدر المستطاع نظرة كارل ماركس العلمية للانسان من تجميع قصص خرقاء، تشبه مواعظ رجال الدين، في عرض مدى انسانية وتفاني كارل ماركس. فمن يرِد الاعتراض علي لأني لا أجلب قصصا عن ماركس الانسان وكم كان ماركس يؤمن بالانسان، أطلب منه بكامل الود عدم قراءة المقال (رضا الناس غاية لا تدرك) وبدلا من قراءة المقال بامكانه اقتناء أحد الكتب التي صدرت في الاتحاد السوفيتي تحت عنوان "ماركس وانجلز في ذكريات معاصريهما". ففي هذا الكتاب قام مؤلفون سوفيت بتجميع العديد من القصص، التي تظهر وتبين كم كان ماركس انسانا مفعما بالانسانية ("لا شيء انسانياً غريبٌ علي" - مثل كارل ماركس المفضل).

وجه بيترسون نقدا لكتابات ماركس بزعم أنها لا تناقش الطبيعة نهائيا، وهذا يبين جهل بيترسون لكتابات كارل ماركس، وقبل أن ننتقل الى ماركس نفسه، نقول أن الرأسمالية بداهة لا علاقة لها بالطبيعة البشرية، فالرأسمالية نظام عمره 200 عام، وعمر الانسان ملايين السنين. فهل خالف الانسان طبيعته وفطرته الانسانية قبل هذه الـ200 عام؟ لا يقول بهذا أي عاقل.

ماركس لم يكتب كتابا ولا بحثا مفصلا عن موضوع "الطبيعة البشرية" بل كانت له ملاحظات على الموضوع في كتاباته ورسائله المتعددة، والتي قام عديد من الباحثين بتجميعها وخرجوا بنظريات حول ما سمي بالنظرية الماركسية حول الطبيعة البشرية. على العموم تبدو نظرة ماركس لموضوع الانسان والطبيعة جلية في انتقاداته لفيورباخ سواء في الموضوعات الـ12 أو في كتابات متفرقة اخرى. وأول ما نبدأ به هو الأطروحة السادسة من أطروحات ماركس حول فيورباخ: "الجوهر الانساني ليس تجريدا ملازما للفرد المنعزل. بل هو في حقيقته مجموع العلاقات الاجتماعية كافة". نلاحظ بوضوح أن ماركس يقول إن الانسان الفرد هو نتيجة العلاقات الاجتماعية كافة، كما لا ينفي وجود جوهر انساني.

ان حلقة الوصل بين الانسان والطبيعة عند ماركس هي العمل وقيمة العمل. لم ينكر ماركس أبدا خاصية الأفراد، ولم أجد في كتابات ماركس ما يشير إلى أن ماركس اعتبر أن الانسان يولد كصفحة بيضاء، بل نجد في كتابات ماركس أن هناك ما يمكن أن نسميه ثابتا ومتغيرا. الثابت هو السعي للتفوق والملذات كالجنس نتيجة لطبيعة الانسان البيولوجية، أما المتغير فهو الانسان كنتاج تاريخي كوعي وسلوك، وما قام به ماركس هو وضع الانسان في اطاره التاريخي وتبيان حقيقة وجوده الفعلية. ورغم رواج فكرة التوسير حول الفصل بين ماركس "الشاب" وماركس "الشيخ" (وهي فكرة لا أوافقها) الا أني لا أجد حرجا في اقتباس بعض التحف الفنية من مخطوطات 1844 الفلسفية والاقتصادية التي تؤكد ما قلت:
"وكنتيجة لذلك (العمل المغترب) فإن الإنسان (العامل) لا يعود يشعر نفسه يتصرف بحرية إلا في وظائفه الحيوانية – الأكل والشرب، والتكاثر وعلى أكثر تقدير في مسكنه وملبسه إلخ... أما في وظائفه الإنسانية فإنه لا يعود يشعر إلا بأنه حيوان، فما هو حيواني يصبح إنسانيا، وما هو إنساني يصبح حيوانيا."

"فالإنسان كائن نوعي (being Species)، ولا يرجع هذا فحسب إلى أنه يتخذ النوع – في الممارسة وفي النظرية – موضوعا له (نوعه فضلاً عن أنواع الأشياء الأخرى) وإنما هو يرجع كذلك – وليس هذا سوى أسلوب آخر للتعبير – إلى أنه يعامل نفسه باعتباره النوع الحي الفعلي، يعامل نفسه ككائن كلي وبالتالي حر."

"وذلك في المقام الأول لأن العمل – أي النشاط الحياتي، الحياة الإنتاجية ذاتها – يبدو للإنسان مجرد وسيلة لإشباع حاجة هي الحاجة إلى المحافظة على الوجود الجسدي. غير أن الحياة الإنتاجية هي حياة النوع، إنها حياة تولّد حياة، وطابع أي نوع – طابعه كنوع – يحويه طابع نشاطه الحياتي، والنشاط الحر الواعي هو طابع النوع الإنساني. والحياة نفسها لا تظهر إلا كوسيلة للحياة"

"والإنسان إذ يخلق عالما موضوعيا بنشاطه العملي، وإذ يصوغ الطبيعة غير العضوية يؤكد ذاته ككائن نوعي. صحيح أن الحيوانات أيضا تنتج، فهي تبني لنفسها أعشاشًا ومساكن مثل النحل والقندس والنمل الخ.... لكن الحيوان لا ينتج إلا ما يحتاجه مباشرة لنفسه أو لصغاره، إنه ينتج إنتاجا أحادي الجانب في حين ينتج الإنسان إنتاجا كليا، لا ينتج إلا تحت ضغط الحاجة الجسدية المباشرة في حين ينتج الإنسان حتى حين يكون متحررا من الحاجة الجسدية، ولا ينتج حقًا إلا متحررا منها"

مما قرأناه أعلاه، نرى بوضوح أن ماركس يميز الانسان عن سائر الأحياء بوعيه وبكونه كائنا نوعيًا، ولا يعتبر الانسان مجرد كتلة مادية تافهة تطورت شأنها شأن الفئران. وان أردنا أن نضع تفسيرًا للجوهر الانساني عند ماركس فسنقول الآتي: جوهر الانسان هو نشاطه الحر الواعي، الذي يميزه ككائن نوعي، عمله هو نشاطه الحياتي، ويتميز عمله عن عمل الحيوانات في كونه اكثر انتاجية عندما يكون متحررًا من الحاجة الجسدية بعكس الحيوانات.

في الأيدولوجيا الألمانية شرح ماركس نفسه أكثر، ووضح ما يعنيه بالانسان الفعلي التاريخي: "انه (أي فيورباخ) يقول "الانسان" بدلا من أن يقول "البشر التاريخيين الفعليين". و"الانسان" هو في واقع الأمر "الألماني". في الحالة الاولى لدى تأمل العالم الحسي، يصطدم (الإنسان) بالضرورة بأشياء تناقض وعيه وعاطفته، تعكر تناسق الانسان والطبيعة ..انه (أي فيورباخ) لا يرى العالم الحسي الذي يحيط به، (فالعالم) ليس موضوعا معطى مباشرة منذ الأزل ومشابهاً لنفسه من دون انقطاع، بل انه نتاج الصناعة ونتاج حالة المجتمع وهذا يعني أنه نتاج تاريخي، نتيجة لنشاط وفعالية مجموعة كاملة من الأجيال كان كل جيل منها يرتفع على اكتاف الجيل السابق، ويُحكِم صناعته وتجارته ويعدل نظامه الاجتماعي وفقا للحاجات المتغيرة.(ص43)...إن وحدة الانسان والطبيعة، هذه الوحدة الذائعة الصيت، قد وُجِدت قائمة منذ أقدم الأزمنة في الصناعة وتمثلت بطريقة مختلفة، في كل حقبة، وفقا لتطور الصناعة تطوراً أعظم أو أقل، وينطبق الأمر نفسه على "صراع" الانسان مع الطبيعة حتى تمكنت القوى المنتجة لهذا الانسان من التطور التطورَ المناسب (ص44)..ولنعترف بأن فيورباخ يتفوق على الماديين "الأقحاح" تفوقا كبيرا لادراكه أن الانسان هو "شيء حسي" أيضا، لكن لندع جانبا حقيقة أنه يدركه بوصفه شيئا حسيا فحسب وليس بوصفه "نشاطاً حسياً" ذلك أنه يتمسك هنا أيضا بالنظرية ولا يدرك البشر في صلاتهم الاجتماعية المحددة، ولا في ظروف حياتهم المحيطة بهم، والتي تجعلهم من هم عليه في الواقع، ومع ذلك فانه لا يتوصل في تحليله مطلقا الى البشر الفعليين الموجودين واقعيا، بل انه يتمسك بتجريد الانسان ولا يتوصل الى الاعتراف بالانسان "الفعلي"، الفرد الذي هو من لحم ودم الا في العاطفة. بكلام اخر إنه لا يعرف أية "علاقات انسانية" اخرى "للانسان مع الانسان" الا الحب والصداقة، والحب والصداقة المصوران بصورة مثالية أيضا (ص45)".

من الفقرات السابقة نستنتج:
1. البشر والطبيعة متلازمة تاريخية
2. الانسان الفرد ليس كياناً منعزلاً عن علاقاته الاجتماعية المحكومة بشروط الانتاج
3. الانسان الفعلي هو مفهوم تاريخي طبقي وليس مفهوما تجريديا
4. لا ينفي ماركس أيضا الجوهر الإنساني الذي يخص الانسان بالذات، ووجود الجوهر الإنساني ليس تجريدًا

ويشرح ماركس فكرته أكثر في نفس الكتاب: "ان الشيوعية عصية على فهم قديسنا بكل بساطة، لأن الشيوعيين لا يقيمون الأنانية ضد التفاني أو التفاني ضد الأنانية، كما أنهم لا يعبرون عن هذا التناقض نظريا سواء في شكله العاطفي أو في شكله الأيديولوجي الطنان، ان الأمر على النقيض من ذلك، اذ هم يبينون أساسه المادي بحيث يتلاشى من تلقاء نفسه. الشيوعيون لا يبشرون بالأخلاق في أي حال من الأحوال، وهو ما يبشر به شترنر على نطاق واسع جدا. انهم لا يطرحون على البشر مطلبا أخلاقيا: أحبوا بعضُكم بعضا، لا تكونوا أنانيين، الخ، بل على النقيض من ذلك، يدركون جيدا أن الأنانية مثلها مثل التفاني بالضبط، هي ظروف محددة، شكل ضروري لتأكيد الأفراد لذواتهم. وهكذا فان الشيوعيين لا يريدون في أي حال من الأحوال، كما يعتقد القديس ماكس، وكما يردد صاحبه المخلص الدكتور غرازيانو، أن ينقضوا "الفرد الخاص" لمصلحة الانسان المتفاني "العالم". (الأيدولوجية الألمانية ص316)

ما يقوله كارل ماركس يعني أن العبارات الأيديولوجية التي نستعملها في حياتنا اليومية لوصف البشر في محيطنا، أو ما نسميه بالمنظومة الأخلاقية، كالانسان المتفاني والأناني، والتي من الممكن أن نضيف اليها الفضيلة والطهارة والنجاسة كذلك (وهي أيضا ناقشها ماركس في أسطر سبقت هذه الفقرة) هي نتاج علاقات اجتماعية محددة. فالانسان "الأناني" قد يكون ذلك الذي يفضل مصلحته على مصلحة المجموعة على الصعيد العام، وقد يكون ذلك الذي يملك من المال كثيرا ولا ينفقه، وقد يكون كثيرًا، ولكن المهم في هذا الانسان أنه نتيجة علاقات مادية أدت به إلى أن يكون ما نطلق عليه صفة "أناني"، وليس نتاج طبيعة بشرية محددة ولدت معه، والا لقلنا إن ذلك "المتفاني" هو عدو الطبيعة الانسانية، ولكننا، على العكس، غالبًا ما نصفه بأخلاق الفضيلة، والمهم في كليهما، في "المتفاني" و"الأناني"، أنهما بشر فعليون وليسوا مجرد بشر حسيين، وما يهم ماركس هو بحث الشروط المادية التي حددت كون هذا هذا انانيا وذاك متفانيا، وليس الدعوة لأي من الاثنين.

هذا بالمجمل هو الانسان عند ماركس، ولكن ما ذكرناه لا يمنع قراءة اجتهادات المفكرين الذين اتوا ببحر من النصوص من ماركس وخرجوا بنظريات وتفصيلات عديدة حول الانسان في فكر ماركس.

ختاما، مع رائعة كارل ماركس في رأس المال: "العنكبوت يقوم باعمال تشبه ما يقوم به صانع النسيج، والنحلة تبني خليتها بمهارة يخجل امامها اكثر المهندسين المعماريين. ولكن اسوأ المهندسين المعماريين يمتاز عن امهر النحلات في انه يبني بنيانه في مخيلته اولاً قبل ان يشيده على ارض الواقع" (كارل ماركس)



تعليقات الفيسبوك