كيف تعمل الرأسمالية؟

جوش ليس
2019 / 5 / 16 - 09:29     


من أشهر ما كَتَبَ ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي أن “تاريخ أي مجتمع حتى الآن ليس سوى تاريخ صراعات طبقية”. لقد مهَّدا الطريق بطرح فكرة أننا، من أجل فهم أيِّ مجتمع، لابد أن نبدأ بتجنيب أي ظواهر أيديولوجية وندخل في صلب الموضوع -كيف تُنتَج الأشياء؟

يتسم النظام الرأسمالي بصفتين رئيسيتين: استغلال الرأسماليين للعمال، والمنافسة بين الرأسماليين وبعضهم. ليست هذه مجرد مفاهيم اقتصادية بحتة، بل هي أساس العلاقات الاجتماعية التي توضِّح لنا الحال المُروِّع لعالمنا اليوم.

تألَّفت المجتمعات القائمة على الاستغلال من طبقاتٍ مُتنوِّعة: “حر وعبد، نبيل وعامي، بارون وقن، معلم وصانع، وبكلمة ظالمون ومظلومون”، كما كتب ماركس وإنجلز. العامل المشترك بينهم جميعًا هو وجود طبقة حاكمة طفيلية تمثِّل أقليةً تعيش من فائض إنتاج باقي السُكَّان. الوضع لا يختلف كثيراً اليوم.

يجري الإنتاج في ظلِّ الرأسمالية الحديثة بأيدي الطبقة العاملة، وهم غالبية سُكَّان العالم. وما يُحدِّد هذه الطبقة كطبقة هو افتقارها للملكية الخاصة أو التحكُّم في وسائل الإنتاج التي يستخدمونها -الآلات والأراضي والعقارات وما شابه ذلك- والتي يمتلكها عددٌ صغيرٌ من الرأسماليين. هذا الواقع هو ما يُجبِر العمال على بيع قوة عملهم للرأسماليين مقابل أجر، وإلا سيواجهون الجوع والفقر. يستغل الرأسماليون قوة العمل هذه، إذ يدفعون للعمال مقابلًا فقط لجزءٍ مِمَّا ينتجون، أما الباقي فهو أرباح، يهدف الرأسماليون إلى مراكمتها عبر الزمن حتى تتحوَّل إلى كمياتٍ أكبر وأكبر من رأس المال، أي من إمبراطورية الشركات التي تهيمن على السوق اليوم.

وهكذا فإن الاستغلال ليس مجرد شيءٍ يجري في المصانع المُستغِلة للعمال في البلدان الفقيرة فقط. كلُّ عامل في العالم يخضع للاستغلال، لأننا جميعا نصنع الثروة التي تصل في آخر المطاف إلى جيوب أصحاب الشركات ليعيشوا حياة المليونيرات، أو ليعيدوا الاستثمار في إمبراطوريات شركاتهم من أجل الدورة التالية من الإنتاج والتراكم. وإلا فلماذا يُوظِّف صاحب العمل عاملًا إذا كان لن يُحقِّق ربحًا من عمله؟

السمة الرئيسية للرأسمالية هي الصراع والانقسام بين طبقتين: الرأسماليون والعمال. تتعارض المصالح المادية لهاتين الطبقتين تمامًا مع بعضها، ولهذا السبب لا نحصل على أي شيء من حقوقنا دون نضال. إذ لا يمكن أن نحصل على أجورٍ عادلة وشروط عمل منصفة إلا على حساب أرباح أصحاب العمل. يريد الرأسماليون من العمال الدفع مقابل الرعاية الصحية، ورعاية الأطفال وتعليمهم، عن طريق خصخصة الخدمات، بدلًا من نظام يُموَّل من الضرائب على أرباح الشركات والأغنياء. وعندما تندلع الحروب، يُرسَل العمال لملاقاة الموت بينما يستفيد أصحاب الشركات من ورائها.

السمة الثانية للرأسمالية هي المنافسة بين الرأسماليين وبعضهم. النظام الرأسمالي ليس نظامًا عقلانيًا أو مُخطَّطًا؛ فهو يتكوَّن من رؤوس أموال الشركات الكبيرة والصغيرة، وجميعهم يحاولون دائمًا التغلُّب على بعضهم. هذا الصراع الدائم بين الشركات يعني عدم ثبات النظام الرأسمالي، ولكن هذه الشركات يجب أن تتوسَّع باستمرار، مُحقِّقًا المزيد والمزيد من الأرباح، وإلا سيواجهون خطر الخروج من المنافسة وسوق الأعمال. إذا تمكَّنَت إحدى الشركات من زيادة معدل استغلال عمالها -عن طريق إدخال بعض التقنيات الجديدة أو إجبارهم على العمل بجهدٍ أكبر أو لفترةٍ أطول أو بتكلفةٍ أقل- فإن هذا يضع ضغطًا متزايدًا على الرؤساء الآخرين لكي ينتهجوا الأسلوب نفسه.

تدفع المنافسة الطبقة الحاكمة لأن تبدو كوحشٍ لا يعرف الرحمة في سعيها وراء المكاسب متجاهلةً أي عواقب. فقط تذكَّروا الآلاف الذين ماتوا بسبب شركة جيمس هاردي، التي استمرَّت في تصنيع مادة الإسبستوس لعقودٍ من الزمن بعد علمها أنه يسبِّب السرطان، وذلك لأنه كان يُحقِّق أرباحًا طائلة. تذكَّروا آلاف العمال الذين يُقتلون أو يُصابون كلَّ عامٍ لأن الأرباح تأتي دائمًا قبل السلامة المهنية. وفي الوقت نفسه، فإن إدارة العالم بغية تحقيق الأرباح تعني عدم الإنفاق في المجالات التي لا تُولِّد أرباحًا؛ مثل الإنفاق على الفقراء أو منع التغيُّر المناخي الكارثي. بالنسبة للرأسماليين يقع مصير الكوكب أو من يعيشون عليه في آخر اهتماماتهم.

تتسبَّب المنافسة أيضًا في الأزمات الاقتصادية. فإذا كان المجتمع عقلانيًا، كان ليُخطِّط عملية الإنتاج فيه بما يتناسب مع الاحتياجات والرغبات البشرية. في المقابل، تتسم السوق الرأسمالية بفوضويتها وعدم استقرارها دومًا. وعلى عكس النظريات الطوباوية الموجودة في الكتب الدراسية، لا تؤدي السوق الرأسمالية إلى “التوازن”، بل إلى الفوضى وفترات الركود المُتكرِّرة. القرن الواحد وعشرين وحده يثبت ذلك بالكثير من الأمثلة، إذ تهرع رؤوس الأموال للاستثمار في فقاعاتِ مضارباتٍ تلو أخرى، من أزمة فقاعة تكنولوجيا المعلومات (1995-2000) إلى أزمة الرهن العقاري (2007).

شُرِّدَ ملايين من العمال في جميع أنحاء العالم نتيجةً للأزمة الاقتصادية العالمية. وبينما ارتفعت أعداد المشردين في الولايات المتحدة، ظلَّت المباني السكنية الحديثة فارغةً، حتى أن بعضها كان يُهدَم لعدم وجود ربح من تسكينهم فيها. أُهدِرَت تريليونات الدولارات على مصانع ومشاريع بناء تظلُّ إلى الآن غير مكتملة، وتريليونات أخرى أُهدِرَت من أجل إنقاذ الأغنياء من أزمتهم. سيتكرَّر ذلك مرارًا لأن تلك هي النتيجة الحتمية للنظام الرأسمالي.

علاوة على ذلك، يخلق الاستغلال، الذي هو جوهر الرأسمالية، نظامًا قمعيًا وليس اقتصاديًا فقط. إذ لا يمكن أن يُجدي هذا الاستغلال نفعًا دون أن يصاحبه جهازٌ أيديولوجي وقانوني مدعومٌ على الدوام بالقوة المُسلَّحة من جيش وشرطة.

تأخذ المنافسة بين رأسماليي العالم شكلًا آخر أيضًا؛ ألا وهو الإمبريالية. فمن جانب، يستغل الرأسماليون العمال في وطنهم، لكنهم من جانبٍ آخر ينافسون على السيطرة على الموارد الطبيعية، والأسواق، وطرق التجارة، واستغلال المزيد من العمال في بلدانٍ أخرى. خلال القرن التاسع عشر، تسابقت القوى الرأسمالية الأوروبية لاستعمار العالم، وتقسيمه بينهم، وإعادة تشكيل الإنتاج الاستعماري بما يتناسب مع احتياجات الرأسماليين في أوروبا -وبخاصةٍ احتياجهم للمواد الخام والعبيد. كانت وحشية الاستعمار والعبودية شرطًا لتطوُّر الرأسمالية الحديثة. بحلول نهاية القرن العشرين، وأصبح العالم منقسمًا وصارت الحرب أكثر دمويةً، إذ حوَّلَت القوى العظمى أنظارها إلى بعضها البعض.

اليوم، تتربَّع الولايات المتحدة على قمة العالم باعتبارها القوة العظمى الوحيدة، لكن آليات الإمبريالية لا تزال قائمة. والإرهاب الأمريكي في الشرق الأوسط ما هو إلا تعبير عن سياسة الطبقة الحاكمة في أمريكا في منافستها مع خصومها في أوروبا وآسيا. الأمر الأساسي في خطط الولايات المتحدة للبقاء على قمة النظام الإمبريالي هو السيطرة على دول الشرق الأوسط ونفطها.

الرأسمالية، في جوهرها، تُمثِّل نظامًا استثماريًا مدفوعًا بالمنافسة من أجل الربح. وهذه السمات لا يمكن إصلاحها، بل الإطاحة بها. وهذا غير ممكنٍ إلا عن طريق سيطرة الطبقة العاملة جماعيًا على وسائل الإنتاج لخلق مجتمع عادل لا تتحكَّم فيه الأرباح والمنافسة.

– هذا المقال مترجم عن موقع “الراية الحمراء” الأسترالي



تعليقات الفيسبوك