معاداة روح العصر: شيوعيو -العملية السياسية- وليبراليوها في العراق!


طلال الربيعي
2019 / 5 / 11 - 01:41     

في عصر رأسمالية الألفية الثالثة, وبالتحديد في عام 2015, كانت الاشتراكية الكلمة الأكثر بحثًا عنها في قاموس Merriam Webster على الإنترنت. الاشتراكية لا تحمل عبئا تاريخيا لجيل شاب سحقته مظالم الرأسمالية. وجدت دراسة في جامعة هارفارد أن غالبية بشر الألفية الثالثة يرفضون الرأسمالية وأن الثلث يؤيد الاشتراكية.
A majority of millennials now reject capitalism, poll shows
https://www.washingtonpost.com/news/wonk/wp/2016/04/26/a-majority-of-millennials-now-reject-capitalism-poll-shows/?utm_term=.c71694cc1572

و بالرغم من النتائج المذهلة لاستبيان جامعة هارفارد، إلا أن هذه النتائج تتفق مع الأبحاث الحديثة الأخرى حول كيفية تفكير الأمريكيين بخصوص الرأسمالية والاشتراكية. في عام 2011, على سبيل المثال, وجد مركز بيو للأبحاث أن الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا كانوا محبطين من نظام السوق الحرة. في هذا الاستطلاع, كان لدى 46 في المائة آراء إيجابية عن الرأسمالية, و47 في المائة كانت لديهم آراء سلبية - وهو استبيان أوسع نطاقا مما مارسته استطلاعات الرأي في جامعة هارفارد, وهو ما إذا كان المجيب يدعم النظام. فيما يتعلق بالاشتراكية, على النقيض من ذلك, كان لدى 49 في المائة من الشباب في استطلاع بيو لديهم آراء إيجابية, و 43 في المائة فقط لديهم آراء سلبية.
Little Change in Public’s Response to ‘Capitalism,’ ‘Socialism
https://www.pewresearch.org/fact-tank/2012/01/10/little-change-in-publics-response-to-capitalism-socialism/

وعدد كبير من الكتب يبشر الآن بنهاية الرأسمالية، على حد تعبير عالم الاقتصاد ولفغانغ ستريك. يقول ستريك:
"لا تستطيع العلوم الاجتماعية فعل الكثير, إن استطاعت شيئا، للمساعدة في حل التوترات والتناقضات الهيكلية الكامنة وراء الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية اليوم. لكن ما يمكن أن تفعله هو إلقاء الضوء عليها وتحديد الاستمرارات التاريخية التي يمكن من خلالها فهم الأزمات الحالية بشكل كامل. كما يمكن - بل ويجب - الإشارة إلى مأساة الدول الديمقراطية التي تحولت إلى وكالات تحصيل الديون نيابة عن الأوليغارشية العالمية للمستثمرين مقارنةً بها حيث تبدو "نخبة السلطة "...مثالاً ساطعًا على التعددية الليبرالية. يبدو أن القوة الاقتصادية أصبحت اليوم قوة سياسية, في حين يبدو أن المواطنين جُردوا بالكامل تقريبًا من دفاعاتهم الديمقراطية وقدرتهم على التأثير على مصالح الاقتصاد السياسي ومطالبهم التي لا تتناسب مع مصالح أصحاب رأس المال. في الواقع، إذا نظرنا إلى الوراء في تسلسل الأزمات الديمقراطية الرأسمالية منذ سبعينيات القرن الماضي, يبدو أن هناك احتمالًا حقيقيًا للتوصل إلى تسوية جديدة, وإن كانت مؤقتة, للنزاع الاجتماعي في الرأسمالية المتقدمة, وهذه المرة تؤيد تمامًا الطبقات المتنفذة, الراسخة بقوة في معقلها المحصن سياسيا، الصناعة المالية الدولية."
The Crises of Democratic Capitalism
https://newleftreview.org/issues/II71/articles/wolfgang-streeck-the-crises-of-democratic-capitalism

وفقًا لمجلة نيو ريبابليك, ان الفيلسوف والمحلل النفسي الأكثر خطورة في الغرب, سلافوي جيجك, هو شيوعي؛ واحدى مؤلفاته الأخيرة تستحضر"العيش في النهاية"، الإحساس المروع بمخاض موت الرأسمالية.

حسب جيجيك, في هذا الكتاب, لم يعد هناك أي شك: فالرأسمالية العالمية تقترب بسرعة من أزمتها النهائية. حدد جيجيك الرافعات الأربعة لنهاية العالم الرأسمالي القادمة: الأزمة البيئية العالمية؛ الاختلالات داخل النظام الاقتصادي؛ الثورة الوراثية الحيوية؛ وتفجر الانقسامات الاجتماعية والتمزق. لكنه يسأل, إذا كانت نهاية الرأسمالية تبدو لكثير من الناس مثل نهاية العالم، كيف يمكن للمجتمع الغربي أن يواجه أوقات النهاية, او يوم القيامة قد يحلو للبعض تسميته اذا استدعوا الرواية الألاهية. في تحليل جديد رئيسي لوضعنا العالمي, يجادل جيجيك بأن استجابتنا الجماعية تجاه ارماجيدون Armageddon الأقتصادي (ارماجيدون اشارة الى فيلم الخيال العلمي بنفس الأسم الذي يدمر فيه نيزك هائل مكوك الفضاء أتلانتس المداري, قبل الدخول إلى الجو وتدمير مدينة نيويورك والساحل الشرقي للولايات المتحدة وفنلندا).
Living in the End Times
By Slavoj Zizek
https://www.penguinrandomhouse.com/books/233075/living-in-the-end-times-by-slavoj-zizek/9781786630803/

الاستجابة او ردود الفعل ستكون متوافقة مع مراحل الحزن نتيجة الفقدان, مثلا في حالة فقدان شخص عزيز علينا وهي: الإنكار (الإيديولوجي), انفجارات الغضب ومحاولات التأقلم, تليها الاكتئاب والانسحاب. وهذا النوع من الحزن يسمى في الطب النفسي
Grief Reaction
https://medical-dictionary.thefreedictionary.com/grief+reaction
وقد يتحول الى كآبة تشل العقل والجسم. ولذا ان رد فعل الحزن وخاصة في حالة تحوله الى كآبة (اجتماعية-تزايد حالات الانتحار في العراق موثقة رسميا) يعمل بالضد من اي مشروع ثوري جماهيري ويصب لصالح الرأسماليىة وآيديولوجياتها المضللة والمدمرة في آن واحد. وبعض مدّعي الشيوعية الرسمية في العراق يستخدم رد الفعل النفسي هذا كمبرر او كآلية دفاعية للدفاع عن مشروعه المهادن للرأسمالية ونيوليبراليتها, التي هي كلمة مُحرم نطقها عندهم, حيث يكتفون فقط باللعب بكلمات عائمة مثل المحاصصة والفساد, وكلها كلمات لا تلامس جوهر القضية ولا تبحث عن جذورها, وبذلك لا تتفق مع منطق الديالكتيك في البحث عن جذور المشكلة.

وهذ الشلل النفسي-بدني, الذي تجسده وتقوّيه لغة معطوبة مهادنة ومحترقة, يتفق مع تحليل زيجمونت بومان ان النيوليبرالية تقوض كل جوانب الحياة الاجتماعية والعامة, وبذلك تضعف فكرة المسؤوليات المشتركة والواجبات الأخلاقية. كما يقول بومان إن "التخدير الأخلاقي" أصبح طبيعياً الآن على افتراض أن الحرية تقتصر على الحق في النهوض بمصالح الفرد ومصالح الأسواق فقط."
Zygmunt Bauman, Liquid Fear (London: Polity Press, 2006), p. 89.

وكمحصلة ل (لا)وعي نيوليبرالي, اوليبرالي فاقد الصلاحية, يرى الشيوعيون الرسميون والليبراليون في العراق ان الفساد الاقتصادي والاخلاقي يمكن محاربته بدون اقتلاع جذوره المتمثلة في قوانين بريمر النيوليبرالية التي صادقوا هم عليها والتي لا تزال نافذة المفعول في العراق, ولكن الكلام عنها في اروقة صالوناتهم الدبلوماسية-برلمانية في جمهوريتهم الخضراء, التي تشكل النقيض الديالكتيكي للمنطقة الحمراء او عموم العراق, يعتبر من المحرمات. وهؤلاء الشيوعيون والليبراليون, تستخدمهم الرأسمالية العالمية-المحلية, على حد سواء, كخبراء تجميل مجانيين او مدفوعي الثمن لتجميل قباحات ما يطلق عليه "العملية السياسية", وهي تسمية شمولية ايضا وتنفي بحد ذاتها اية امكانية لنشوء بديل مغاير, باعتبار ان ذلك, ضمن اموراخرى, سيشكل جريمة يعاقب عليها القانون العراقي -مادة ارهاب 4, وكعقاب يستمد مشروعيته المفترضة او الخرافية بكونه نكوص الى عهد الديكتاتورية الدموية ما قبل الاحتلال. "كان لهذا النص القانوني أبعاد آخرى لا تمت للإنسانية بِصلة معتقلين وسُجناء تمت محاكمتهم بإعترافات تحت التعذيب والقتل ومازلوا حتى يومنا هذا يقبعون خلف قضبان السجون ..!"
4 ارهاب وما بعدها
تمارة عماد
http://www.rudaw.net/arabic/opinion/221020183

ونحن لا نحتاج الى اقتباس كارل ماركس في - لويس بونابرت - الثامن عشر من برومير- لندرك ان منطق هؤلاء هو منطق الارهاب نفسه (الصدامي- او منطق جورج بوش الأبن, فالاثنان وجهان لعملة واحدة تكشف زيف الزعم بتحرير الأخير للعراق), حيث يكرر نفسه كملهاة. ويذكرنا هو ايضا بالتكتيكات النازية لنزع الإنسانية عن الأعداء, الحقيقيين او المفترضين . وبذلك تصبح ديموقراطية المحتل شكلا من اشكال الفاشية. ويشارك ما يسمى بعض اعمدة الليبرالية في العراق بنشر آيدلوجيتهم الفاشية, لربما ليس بسبب سوء نية, ولكن بسبب انهم يعيشون خارج التاريخ ولا يدركون ان الليبرالية قد تم تنحيتها عن العرش والى الابد وان النيوليبرالية هي التي تتولى العرش الآن. وهذه الملكة هي العدو اللدود للديموقراطية. وهي, او احدى ممثلاتها, تتاجر باليورانيوم المخضب لتحقيق الارباح, وقد استخدم هذا السلاح المحرم دوليا في العراق مما سبب في زيادة نسبة السرطانات والتشوهات الجينية فيه.
The British Queen deals extensively in the --------$--------17 TRILLION Depleted Uranium Trade
https://envirowatchrangitikei.wordpress.com/2018/01/21/the-british-queen-deals-extensively-in-the-17-trillion-depleted-uranium-trade/

و مشكلة خبراء تحميل قباحات "العملية السياسية", كما يحلوا لهم تسميتها, هي اغفالهم اللا مثيل له لأدراك مغزى وقدرة الكلمات في تغيير الواقع نحو الأحسن او الآسوء,

ونحن لانعاتب الليبرايين اذا كان منطقهم غير مادي, وان كان هذا لا ينفي مأزقهم وانعدام افقهم التاريخي وتسخير انفسهم لخدمة فاشية رجالات المال والأعمال. ولكن هل يمكن قول نفس الشئ عمن يزعم الشيوعية؟ الأثنان, الشيوعيون الرسميون والليبراليون, في العراق يكرّسان الفاشية في حلف غير مقدس, حيث ان الحدود بين القداسة والدناسة تختفي وتضمحل وتصبح الاثنتان صنوا ليعضهما البعض. فهم يقفون بالضد من حركة التاريخ ووعيه ويسخرّون انفسهم كأداة جهنمية معادية لروح العصر ويساهمون, بوعي او بدون وعي, في ايقاد شعلة الفاشية الجهنمية وتوهجها, محليا وعالميا. انهم من (يريد ان) يقودنا الى الجحيم ولذا ليس من المستغرب بمكان ان تستبق ميري دوغلاس اصداء فيلم ارماجيدون وتطلق على اقتصاد هؤلاء, كنظام متكامل, اقتصاد النفايات
Mary Douglas
https://monoskop.org/images/7/7d/Douglas_Mary_Purity_and_Danger_An_Analysis_of_Concepts_of_Pollution_and_Taboo_2001.pdf
https://monoskop.org/images/7/7d/Douglas_Mary_Purity_and_Danger_An_Analysis
_of_Concepts_of_Pollution_and_Taboo_2001.pd
فأليس أقتصاد الفاشية هو نفسه اقتصاد الغائط والنفايات؟ فنحن نعلم من التحليل النفسي ان الذهب هو المعادل النفسي للغائط!

واقتصاديو النفايات ينطبق عليهم ما قاله قبل أكثر من ثلاثة عقود المؤرخ اليساري باسيل ديفيدسون بخصوص الحرب ضد النازية
" الآن ، في عصرنا, المسابقة القديمة [الفاشية مقابل المقاومة الديمقراطية] موجودة مرة أخرى. وطنيون متفوقون من اليمين المتطرف يعينون أنفسهم ويندفعون بأصواتهم الشبيهة بنقنقة الضفادع وكأنها أنغام نصر التي هي, حسب اعتقادهم ، ملكهم: بينما الحقيقة هي العكس تمامًا. و معتقداتهم لم تكن أقل أو أكثر غباء من معتقدات النازيين عندما بدأوا. يتم فقط استبدال المراوغات القديمة بمراوغات جديدة التي تبدو وكالقديمة وكأنها "محترمة وسليمة""!
Basil Davidson, Scenes from the Anti-Nazi War. New York: Monthly Review Press, 1980 , 278

انهم "محترمون" و"وقورون" وهم مثال "الجنتلمان الانكليزي", المؤدب والمتحضر فوق العادة, بالرغم من ان نظامه وملكته يزرعان الخراب في كل مكان, و بضمن الأمكنة, او بالأخص, وطنهم العراق!

وهؤلاء من يجب مقاومتهم . الآن كما في ذلك الحين: ولكن عاجلاً هذه المرة. عاجلاً كثيرا



تعليقات الفيسبوك