حول ما سمي بمناظرة القرن(1)/ الطبقات والصراع الطبقي


ارام محاميد
2019 / 5 / 8 - 16:13     

حول ما سمي بمناظرة القرن (1)/ الطبقات والصراع الطبقي

توطئة: في المناظرة التي جمعت بين سلافوى جيجك وجوردن بيترسون، طرح هذا الأخير عدة نقاط تتعلق بالماركسية بدون أن تلقى الرد المناسب من سلافوى جيجك، معظمها بالامكان الرد عليها بالقول "خطأ" وكفى، ولكن من أجل توضيح عدة نقاط غير واضحة للكثيرين في فكر ماركس آثرت الاسهاب في الشرح. وقد يشعر القارئ ببعض الملل في أثناء قراءة المقال لكثرة النصوص المقتبسة من ماركس، ولكن ايراد النصوص من ماركس مباشرة لا مفر منه خصوصا في ظل انتشار الخرافات حول نظريته وأفكاره، كما أن كثرة الاستشهادات سيتبعها شرح لها واستنتاجات
**

الطبقات والصراع الطبقي

استهجن بيترسون فكرة الصراع الطبقي وأبدى تحفظه عليها، وخص بنقده أول جملة واردة في البيان الشيوعي تقول: إن التاريخ هو تاريخ الصراعات الطبقية. ومضى في شرح اعتراضاته على الفكرة، وذلك رغم أنه بدأ كلامه بالقول "أنا أعلم أن البيان الشيوعي هو نداء للثورة".
يمكن تلخيص اعتراضات بيترسون على فكرة الصراع الطبقي بنقطتين:
1. التاريخ عرف مجتمعات غير طبقية
2. الصراع الطبقي هو من ضمن التاريخ وليس هو التاريخ

بيترسون لم يخترع البحر بتذكيره بالحقبة اللا طبقية التي عاشها الانسان، ولم يقل شيئا جديدا، فالتطرق لهذه الحقبة موجود في كتابات ماركس قبل البيان الشيوعي. وأخص بالذكر هنا الأيدولوجية الالمانية وبؤس الفلسفة، حيث أوضح كارل ماركس وفريدريك انجلز نظرتهما المادية للتاريخ وما الذي يعنيانه بالصراع الطبقي.

قبل الدخول في صلب الموضوع اقتضى التنويه أن انجلز اضاف ملاحظة في الطبعة الأخيرة للبيان الشيوعي يقول فيها أن المقصود بكلمة التاريخ هو التارخ المكتوب. ولكن بالنسبة لي هذه الملاحظة لا تكفي لذلك سأحاول قدر المستطاع أن أشرح معنى الطبقات والصراع الطبقي عند ماركس.

وفق كلاسيكيات الماركسية فان أساليب الانتاج هي التي تحدد ماهية الوجود الاجتماعي، ولكن أساليب الانتاج لا تكون واضحة في الجماعات الصغيرة، ولا يظهر الانقسام في المجتمع سواء الانقسام التراتبي أو الطبقي قبل تقسيم العمل :
"ولا يظهر هذا الانتاج الا مع زيادة السكان، وهو يفترض تعاملا بين الأفراد وان شكل التعامل هذا لمشروط بدوره بالانتاج" (الأيدولوجية الالمانية ص 32). ومن ثم يكمل ماركس ليشرح أن أشكال الملكية ما قبل الرأسمالية هي 3: (ملكية القبيلة - ملكية الدولة - الملكية الاقطاعية)

ويشرح ماركس نفسه هذا أكثر في بؤس الفلسفة عندما يتكلم عن الصراع بين البرجوازية والبروليتاريا فيقول: "وهو صراع (بين البرجوازية والبروليتاريا) يعبر عن نفسه بادئ ذي بدء - قبل أن يُدرَك ويقدر ويفهم ويعرف ويعلن عاليا من كلا الجانبين بوقت طويل – في مجرد نزاعات جزئية ومؤقتة، في أعمال هدامة (ص184)... طالما لم تتطور البروليتاريا بعد حتى تشكل ذاتها كطبقة، وبالتالي طالما أن صراع البروليتاريا مع البرجوازية ذاته لم يكسب طابعا سياسيا وأن القوى الانتاجية لم تتطور بما يكفي في أحضان البرجوازية ذاتها بحيث نتمكن من أن نتبين الظروف المادية اللازمة لانعتاق البروليتاريا، ولتكوين مجتمع جديد (ص188)"

وفي رسالته الى جوزيف فيدماير (5/3/1852) يقول ماركس: "لا يرجع الفضل لي، في اكتشاف وجود الطبقات في المجتمع، الجديد الذي جئت به هو اثبات أن "وجود الطبقات يرتبط فقط باطوار تاريخية معينة من تطور الانتاج."
https://www.marxists.org/archive/marx/works/1852/letters/52_03_05-ab.htm

ما يجب الالتفات اليه في كتابات ماركس هذه أنه يخص كل أوروبا الغربية حصرا بتحليلاته، بينما عندما تطرق لمجتمعات الأخرى كان الكلام مغايرا، وأبرز تلك التحليلات كتاباته المشهورة حول الهند والجزائر، عندما أشار إلى أن بريطانيا بكل إجرامها تخلق ثورة اجتماعية في الهند، ذلك أن التناقضات الدينية لا تقدم ولا تؤخر: "انكلترا، منفذة الثورة الاجتماعية في هندوستان ، استرشدت، في الحقيقه، بأحط المصالح وأظهرت الغباء في الطرق التي فرضتها بها على الهند. ولكن ليس هذا هو المهم. والسؤال هو ما إذا كان يمكن للبشرية تحقيق هدفها دون ثورة جذرية في الحالة الاجتماعية لآسيا. إن لم يكن هذا ممكنا، فإنكلترا، على الرغم من كل جرائمها، كانت أداة اللاوعي التاريخي، منفذة هذه الثورة"
whatever may have been the crimes of England she was the unconscious tool of history in bringing about that revolution

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=589660

ويقول ماركس صراحة في رسالته للثورية الروسية فيرا زاسوليتش:
The ‘historical inevitability’ of this course is therefore expressly restricted to the countries of Western Europe.
أي أن الحتمية التاريخية تقتصر صراحة على كل اوروبا الغربية والحتمية التاريخية هي مسار تطور خاص بالنظام الرأسمالي في اوروبا الغربية، وهذا يبدو واضحا أيضا من مقدمة راس المال وتنبيه ماركس للعامل الألماني أن القضية لا تخص العامل البريطاني فقط.

عودة الى الفقرة الاولى من البيان الشيوعي، عندما يستعمل ماركس مصطلح "التاريخ" فانه لا يقصد التاريخ المكتوب فقط، بل يُدخِل ذلك في اطار علم التاريخ أيضا، وعلم التاريخ عند ماركس هو تاريخ "انماط الانتاج" التي عاشها بنو البشر. ما هو نمط الانتاج؟
هو تلك العلاقة التي تقيمها القوى المنتجة (بنو البشر) فيما بينها وتحدد هذه العلاقات شكل النشاط الاجتماعي الذي يمكّنها من اعادة انتاج حياتها .
" ويمكن أن ألخص على النحو التالي النتيجة العامة التي توصلت إليها والتي أفادتني كخيط وصل في دراساتي: في سياق إنتاج الناس الاجتماعي لحياتهم يدخلون في علاقات محددة، ضرورية ومستقلة عن إرادتهم، وهي علاقات إنتـاج تطـابق درجة معينة من تطور قواهم الإنتاجية المادية. ويشكل مجموع علاقات الإنتاج هذه البنيان الاقتـصادي للمجتمـع، أي يـشكل الأساس الحقيقي الذي يقوم فوقه صرح علوي قانوني وسياسي وتتماشى معه أشكال اجتماعية. فأسلوب إنتاج الحياة المادية هـو شرط العملية الاجتماعية والسياسية والعقلية للحياة بوجه عام" (كارل ماركس، مقدمة نقد الاقتصاد السياسي)

تغير أنماط الانتاج عبر التاريخ كان يتم بفعل الصراع الطبقي وتحسين وسائل العيش، أي أن ماركس لم يخطئ بقوله إن تاريخ أي مجتمع هو تاريخ الصراع الطبقي:
"لا يمكن نقض العبودية من دون الالة البخارية والنول الالى ودولاب الغزل، ولا نقض الرق من دون تحسين الزراعة، ولا يمكن للبشر أن يتحرروا ما داموا لا يتمكنون من الحصول بصورة كلية على المأكل والمشرب والمسكن والملبس بالنوعية ولاكمية المناسبتين. ان التحرر هو فعل تاريخي وليس فعلا ذهنيا، وهو يتحقق بفضل شروط تاريخية" (الايدولوجية الالمانية ص40).

قبل أن نكمل يجب الالتفات إلى أن ماركس لا يفرق فقط بين الشرق والغرب، بل يفرق أيضا بين العالم القديم والعالم الحديث (عالم ما قبل الرأسمالية ما بعدها) ويشير إلى أن علاقات الأمم بعضها ببعض مرهون بمستوى تطور القوى المنتجة، ووجود الطبقات في العالم القديم له شكل مختلف عن وجودها في عالم ما بعد الرأسمالية. مثال الاقطاع: "كان تجميع الأراضي الكبيرة في ممالك إقطاعية ضرورة لنبلاء الريف كما تجميع المدن. ون تنظيم الطبقة الحاكمة، النبلاء، كان له في كل مكان ملك على رأسه." (الأيدولوجية الالمانية ص37). في العالم القديم كانت التناقضات الطبقية تأخذ شكل تناقضات دينية غالبا، ومستوى تطور القوى المنتجة لم يكن يسمح بتغير اجتماعي داخلي، فكان التغيير يحصل عن طريق الغزو والفتوحات.

بقي لنا أن نضع تعريفا للطبقة والصراع الطبقي، وتعريفا خاصاً بالمجتمع المدني البرجوازي، فنقول إن الرأسمالية تنهي الانقسامات غير الموضوعية مثل الانتماءات القبلية والطائفية وتفرّدِ الانسان، يبقى الانقسام الوحيد داخل المجتمع ألا هو الانقسام الطبقي، والطبقة هي جزء من المجتمع يتشارك نفس طريقة ووسيلة انتاج حياته، وطريقة العامل في انتاج حياته هي بيع قوة عمله وطريقة الرأسمالي في اعادة انتاج حياته هي تشغيل العمال بأجرة واستخراج فائض القيمة من العمال المأجورين، فيبدأ الصراع فور خروج العامل من المنزل ليبادل قوته على العمل بحاجاته المادية اللازمة للعيش. ويتجلى هذا الصراع نهائيا في شكل صراع على السلطة السياسية والاقتصادية، في شكل الدولة الجمهورية الديمقراطية.

من العبث أن نتحدث عن طبقات عصرية وصراع طبقي بمفهوم ماركس في مجتمعات لم تعش التراكم الرأسمالي، فتبقى هذه المجتمعات مجتمعات أقل من رأسمالية ولذا لها تحليلها الخاص. ما هو التراكم الرأسمالي؟ التراكم هو عملية تحويل جزء من فائض الانتاج الى قوى انتاجية جديدة في شكل رأسمال ثابت ورأسمال متغير (متحرك) أي وسائل انتاج جديدة متمثلة بالرأسمال الثابت وقوى عمل جديدة (بروليتاريا) متمثلة في الرأسمال المتغير (المتحرك). وفي الزراعة يدفع الرأسمالي الى المالك العقاري مبلغا من النقد مثبتاً بموجب عقد لقاء السماح له باستخدام رأسماله في هذا الحقل الخاص من الانتاج (وهو ما يعرف بالريع العقاري).

*
"كل رأيٍ يستند إلى نقدٍ علمي سأقابله بالترحيب. أما بالنسبة إلى التحاملات (الأفكار المسبقة) حول ما يسمى بالرأي العام، الذي لم أتنازل له في يومٍ من الأيام، فإن شعار رجل فلورنسا العظيم (دانتي اليغري - ا.م) كان وما زال شعاري أنا: "سر في طريقك، وليقل الناس ما يشاؤون" (كارل ماركس)



تعليقات الفيسبوك