معركة العمّال: ضدّ سياسة الانكماش وضدّ الموازنة

غسان ديبة
2019 / 5 / 7 - 09:46     



«في البدء أتوا على الشيوعيين ولم أهتم لأنني لم أكن شيوعياً......في النهاية أتوا إلي، عندها لم يبقَ أحد ليدافع عني»
القس الألماني مارتن نويمولر
هناك خوف يعمّ لبنان وهو الخوف من الانهيار المالي. في مواجهة هذا الخوف تحاول الحكومة أن تلقي بالثمن، بذريعة درء الانهيار، على العمّال والموظّفين الحكوميين خصوصاً، وعلى الطبقات المتوسطة والعاملة عموماً، وقد جاء مشروع تيار المستقبل الاقتصادي الأخير كتتويج، أو النسخة الأكثر تطرّفاً، لهذا التوجّه العام. فعلياً، حظوظ هذا التوجّه المتطرّف ليست كبيرة اليوم، وقد جاء مشروع الموازنة، وإن كان سيئاً، ليثبت أن الحكومة ليست قادرة على اتّباع نهج واضح في التقشّف، فأتت الأمور، كما يُقال، خبط عشواء. وهذا العجز الحكوميّ ينبع من خوف نشوء حركة معارضة أكثر تشدّداً من التظاهرات المدنية التي جرت عام 2015، كذلك إن نظام المحاصصة الطائفية الذي يقف عائقاً أمام التقدّم الاقتصادي والإصلاح، يقف أيضاً عائقاً أمام أي محاولة تقشفية واضحة بسبب تهديدها المحتمَل لمصالح ما يسمّى «جماهير» الأحزاب الحاكمة، وبالتالي ستخضع أي سياسة تقشّفية لميزان القوى في ما بين هذه الأحزاب في تحالفها القوي والهش في آن.
لبنان ليس اليونان والدولة ليست الموظّفين
طبعاً الأمور اليوم ليست سهلة ولا بالبساطة التي تُطرح بها. سأبدأ أوّلاً بآخر الحيل، وهو التشبيه السهل باليونان. باختصار، إن الذي فجّر الأزمة في اليونان كان شرارة الأزمة المالية العالمية في 2008 وارتفاع الدَّيْن الخارجي والقروض من مصارف منطقة اليورو وخصوصاً الألمانية، وخضعت بعد ذلك اليونان لشروط الترويكا القاسية، وذلك من أجل استمرارها في الحصول على أموال الإنقاذ المالي. بالإضافة إلى تلك الظروف المختلفة، الفرق بين لبنان واليونان، إن لبنان أوّلاً، لا يخضع حالياً لأي شروط إجبارية لا من صندوق النقد الدولي ولا حتى من مؤتمر «سيدر»، فشروط هذا الأخير على الرغم من الانطباع العام، هي كشروط «باريس 2 و3»، يمكن أن تبقى حبراً على ورق، وإن أدّى ذلك إلى خسارة لبنان بعضاً من القروض التي ستشكّل سنوياً أقل من 2% من الناتج المحلّي، والتي يمكن تعويضها بالضرائب على الأرباح والثروة (بالمقارنة حصلت اليونان على 289 مليار يورو في 4 سنوات أو نحو 150% من الناتج المحلّي اليوناني، كذلك حصلت على تخفيض لسندات دَيْنها المملوكة من القطاع الخاص بمقدار أكثر من النصف!). ثانياً، لا ينتمي لبنان إلى منطقة عملة موحّدة، وخيار تثبيت سعر صرف العملة هو اختياري وليس مفروضاً من الخارج. ثالثاً، إن الدَّيْن اللبناني هو بأكثريته دَيْن داخلي، ولبنان يخضع لترويكا محلّية وليست خارجية، وبالتالي حلّ معضلة الدَّيْن هو حلٌّ توزيعي داخلي. أي إن الدولة ليست مضطرة لطلب المساعدات من الخارج لدفع ديون خارجية، إذ يمكنها أن تفرض الضرائب على رأس المال المالي، بشكل أساسي، وهي الثروة التي تراكمت وتتراكم لدى القلّة من المصارف وأصحاب رؤوس الأموال الكبرى بسبب تراكم الدَّيْن العام نفسه داخلياً.
أمّا الأمر الثاني، فهو أن الدولة ليست شخصاً (ولا حتى معنوياً) وهي ليست مكوّنة من الأفراد الذين يعملون فيها. الدولة هي عميلٌ اقتصادي، تشكّل عبر إنفاقها ووارداتها جزءاً أساسياً من الاقتصاد وديناميكيّته، وتؤمّن مداخيل لقطاعات واسعة وعلى رأسها القطاع الخاص، وأخيراً نظامها الضريبي وملكيّاتها العامّة (مثل الكهرباء والاتصالات والمياه إلخ) يلعبان دوراً أساسياً في توزيع وإعادة التوزيع الدخل والثروة. في هذا الإطار، إنفاق الدولة في لبنان هو مصدر أساسي لربح القطاع الخاص وعلى رأسه خدمة الدَّيْن العام للمصارف، والإنفاق على المقاولات والتلزيمات مثل النفايات، والإنفاق على الصحّة والتعليم. بالتالي، فإن أي إجراء إن كان تقشّفياً أو توسّعياً سيؤثّر على كل هذه الأمور، وبالتالي هو ليس إجراءً محاسباتياً صرفاً. فمثلاً، التقشّف يؤدّي إلى ركود وتراجع في المواقع الاقتصادية للكثير من قطاعات المجتمع. والذي حصل في بريطانيا واليونان في السنوات العشر الماضية خير دليل على ذلك.
وينطبق هذا الأمر على قطاع الكهرباء أيضاً، بحيث يجب أن يكون هدف الدولة في مجال إنتاجها السلع الأساسية (كهرباء، اتصالات، مياه،..) تحقيق التوازن المالي ورفاهية المستهلك. بالتالي من الواضح أن أي زيادة مرتقبة للواردات في الكهرباء، يجب أن يقابله خفض الواردات في قطاع الاتصالات، عبر خفض الأسعار، الذي يحقّق اليوم فوائض أو أرباحاً للدولة توازي تقريباً الخسارة في الكهرباء. إن عدم تطبيق هذا المبدأ سيعني أن الدولة ستتحوّل إلى احتكار عام يحقّق الأرباح الطائلة على حساب المواطنين والمستهلكين.

سياسة الانكماش والتفرقة
صحيح أن مشروع الموازنة لم يقترح خفض الأجور لكن لا بدّ من التحذير من مغبّة ذلك. إن اقتراح تيار المستقبل بخفض الأجور في القطاع العام بنسبة 15% هو ظاهرياً حلّ لمعضلة عجز الخزينة، لكنه جزء ومقدمة لعملية انكماشية قد تطال الأجور كافة في لبنان. وهذه السياسة باستعمال «الخفض الداخلي لقيمة العملة» (internal devaluation) بدلاً من خفض قيمة العملة، هو أمر حذّر منه جون ماينارد كينز في عشرينيات القرن الماضي، إذ إن الانكماش هذا سيكون موجعاً جدّاً للطبقات العاملة والموظّفين. وتبيّن هذا الأمر جلياً في تجربة اليونان مؤخّراً حيث اتّبعت هذه السياسة بشكل غير مسبوق منذ أيام كينز. وبالتالي فإن التعطّش لتدفيع العمّال والموظّفين ثمن الأزمة هو الذي سيدفع لبنان إلى أن يكون شبيهاً باليونان!
في هذا الإطار، هناك أمر خطير يحدث اليوم في خضم هذا الضخّ الإعلامي والأيديولوجي المركّز، إذ يتحوّل الموظّف الحكومي إلى كبش محرقة في هستيريا جماعية تطالب بمعاقبة من أوصلَنا إلى هنا. وليس بالصدفة، أن موظّف سكك الحديد تحوّل إلى رمز في هذا المناخ الشبيه بكل الحملات العنصرية والفاشية والإلغائية والشعبوية عبر التاريخ.
قد تظنّ بعض الأجنحة الحاكمة أن هذه الأمور سهلة وأنها ستنطلي على المواطن اللبناني، وبالتالي ستضع الشعب في مواجهة الموظّفين (كما وضعت في السابق الأهل ضدّ الأساتذة)، وفي مواجهة أنفسهم في عقدة الذنب في الكهرباء. كذلك تستعمل بعض الأصوات الفاشية الصغيرة العداء للأجانب عبر تحميلهم أسباب الأزمة. هذه هي السياسة حالياً في لبنان، وهي الشكل المتطرّف والمُعمّم للسياسة في زمن النيوليبرالية التي تكلّم عنها برانكو ميلانوفيتش. يقول الأخير «السياسيون شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً خضعوا بشكل كامل للإمبريالية الاقتصادية النيوليبرالية، القائلة إنّ كل النشاطات الإنسانية هي مدفوعة بالرغبة في النجاح المادي، وإن النجاح في تحصيل المال هو مؤشّر القيمة الاجتماعية، وإن السياسة ما هي إلّا مجال آخر من عالم الأعمال». في لبنان، بينما تعتبر الأحزاب الحاكمة أن الدولة هي مجال من «عالم الأعمال» لأفرادها وجماعاتها، تحاول اليوم أيضاً أن تجعل فئات اجتماعية مُصطنعة تتصارع في ما بينها على «النجاح المادي» بعدما دمّرت (أي الأحزاب الحاكمة) الاقتصاد والدولة.

سياسة العقاب
لجأت الموازنة إلى مجموعة من الإجراءات المنتقاة بطريقة حسابية وإلى حدّ كبير عشوائية. فبدلاً من خفض الأجور، هناك أجزاء «عقابية»، غير مفهومة حتى مالياً، موجّهة إلى موظّفي الدولة مثل خفض أيام العطلة السنوية وفرض ضريبة إضافية على المتقاعدين العسكريين وسحب الحق في التقاعد المُبكر من الموظّفين. لكن الأمر اللافت، كان في التعديلات المُقترحة على النظام الضريبي. فالمقترح الضريبي برفع معدّل الضريبة على الشطر الأعلى من الأرباح والأجور إلى 25 % وإبقاء الضريبة المسطّحة على شركات الأموال بمعدّل 17%، هو انحياز تامّ لأصحاب الشركات الكبرى ورأس المال الكبير على حساب الموظّفين والشركات الصغيرة والمتوسّطة المُنتجة وعلى حساب الرأسماليين الرياديين. فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو مبرّر رفع الضريبة في حدّها الأعلى على الأفراد إلى 25% وإبقاء الضريبة مسطّحة بنسبة 17% على الشركات الكبرى؟ فضلاً عن أن هذا التعديل لا يأخذ بالاعتبار «الزحف الضريبي» الذي حصل منذ 20 عاماً وحتى الآن، وأدّى إلى ارتفاع معدّلات ضريبة الدخل على الطبقات الوسطى والعاملة، (أنظر مقالتي «وقفة إنجلز أم نهاية الطبقة الوسطى في لبنان»). فبدلاً من تغيير الشطور أتى الاقتراح عشوائياً ويزيد، فوق الأعباء الحالية، أعباء عقابية أيضاً جديدة على الشركات الفردية والموظّفين.
إن الإجراءات التقشّفية أذا أُخذت إلى حدّها المتطرّف لن تكون سيئة فحسب، بل ستشكّل بداية نهاية النظام، لذلك تعلم الأحزاب الحاكمة أن هناك حدّاً لا يمكن تجاوزه. في الوقت نفسه، على الطبقات العاملة والوسطى ألّا تركن إلى «اختفاء» التقشّف في غياهب نظام الطائف. فهناك احتمال أن تعيد الأحزاب الحاكمة في مفاوضاتها في ما بينها، تلزيم الاقتصاد مرّة أخرى لهذا التيّار الذي يستعيد في برنامجه أسوأ النظريات الاقتصادية، وذلك دفاعاً عن مصالح طبقة وعن نظام أصبحا يشكّلان «الثنائي المريض»، الذي يبحث عن فرصة أخيرة له، وليس عن فرصة جديدة لوطن أو لشعب أو لأجيال قادمة. إن تحالف «سياسة الهوية» للأحزاب الطائفية مع «السياسة الطبقية» للرأسمال المالي، سيكون اليوم أكثر شراسة ممّا كان عليه في التسعينيات، وهذا التحالف يهدّد الآن، حتى من دون التقشّف، الاقتصاد اللبناني وبالتالي يجب إنهاؤه قبل أن يأتي تباعاً على الطبقات العاملة والمتوسّطة والشباب والمتعلّمين والأجزاء المتقدّمة من عالم الأعمال.



تعليقات الفيسبوك