الماركسية: هل هي نظرية وطريقة، أم ايديولوجيا؟


جمال طارق حماني
2019 / 5 / 5 - 03:13     

جمال طارق حماني
تازة في: يونيو 2018

الماركسية: هل هي نظرية وطريقة،
أم إيديولوجيا؟

قد تكون الماركسية معروفة عند الجميع، لكن ذلك ليس إلا شكليا، فبالعكس قد نجدها غير مستوعبة بالشكل المطلوب، حتى لا نقول الجيد، إلا عند القليل من المناضلين الماركسيين، وهذا في الحقيقة ليس بالجديد، فدائما ما كان هناك القليل من المناضلين الماركسيين الذين استوعبوا جيدا الماركسية، وهم الذين أضافوا فيها إضافات نوعية أو كمية ملحوظة، وإن كان هؤلاء يمثلون رموزا، أو قادة حركات وتنظيمات ثورية داخل مجتمعاتهم وليسوا أفرادا منفردين. ولعدم الاستيعاب هذا لدى شريحة كبيرة من المناضلين والمناضلات بالشكل المطلوب عوامل عدة، من بينها طريقة التعامل مع الماركسية، وانتشارها الكبير في ظروف سابقة، وهذا الانتشار كان انتشارا لفهم سطحي تبسيطي مبتذل لها، إضافة إلى انتشار صيغ وفهم تحريفيين لها والتشويهات المقصودة الصادرة من طرف المعسكر البورجوازي، والغير المقصودة الصادرة من طرف المدافعين السيئين عنها، ذوي الفهم السطحي لها، اللذين قال عنهم انجلس:" ليس هناك من هم أشد خطرا على الماركسية من المدافعين السيئين عنها". وقد كان هذا الفهم المبتذل والتشويه منتشرين زمن صعودها القوي عالميا، فما بالك اليوم وهي منحصرة.
وكما قال انجلس يوما بأنه مضطر للعودة إلى الألف باء، فكذلك نحن اليوم مضطرين، ربما أكثر من أي وقت مضى، إلى العودة لألف باء الماركسية، لكن ليس كوعاض وأساتذة نلقي المحاضرات والخطب المنبرية في اتجاه واحد على شكل تعاليم قطعية، بل العودة كدارسين وباحثين للماركسية، وأمل أن يكون بحثنا هذا عملا جماعيا لا فرديا. وهذه الضرورة استدعاها الواقع وليس نزوعا فرديا على الأقل كما رأيت أنا ذلك، ولا أظن أن أحدا اليوم سينفي هذه الضرورة، ما دام أنه لا يستطيع أحد أن يدعي أنه متمكن ومحيط بالماركسية، نظرية وممارسة.
وقد تجلت الضرورة إلى بحث ودراسة الماركسية في جوانب محددة وفق واقعنا الملموس عبر ما أصبح منتشرا من خلط ولبس بين ما ينتمي للنظرية الماركسية وما ينتمي لغيرها، وكذا التسطيح والتبسيط المبتذل الذي تعرضت وتتعرض له الماركسية منذ زمن والى اليوم، مما فرض في صلب هذا البحث إثارة أسئلة قديمة جديدة عن الماركسية، مثل ما هو الجوهري في الماركسية؟ أو ما علاقة الطريقة المادية الجدلية بالبناء النظري الماركسي؟، أو ضرورة اعادة التدقيق في بعض المفاهيم المستعملة وتحديد الأدق منها للاستعمال في الخطاب الماركسي خاصة في النقاشات والأبحاث المركزة على المواضيع الفلسفية والسياسية، أي حول الدعاية للتصور السياسي والمنطلقات الفكرية. مثلا، ما الأدق للاستعمال وفق الماركسية هل أن نقول: الماركسية اللينينية إيديولوجية الطبقة العاملة، أم أن نقول الماركسية اللينينية نظرية الطبقة العاملة؟، بمعنى ما الأدق والسليم لهذا الاستعمال في التعبير أعلاه؟، وأسئلة أخرى في ذات السياق.
وهذا النقاش قد انطلق شفويا في إحدى المحطات النضالية، حول مدى صحة استعمال تعبير "أيديولوجية" للدلالة على الماركسية، حيث أصبح طاغيا هذا الاستعمال، إضافة الى إعادة نقاش مدى صحة ودقة "شعار": (الماركسية اللينينية أيديولوجية الطبقة العاملة)، ورأيت أنه من الأصح أن أتطرق للنقاش كتابيا لعدة اعتبارات إيجابية، وإن مثل هذا العمل سيسمح بتوضيح واستيعاب الماركسية بشكل أسهل وأصوب، وليس ابتذالها عبر التبسيط وأنصاف الجمل، والتعبيرات الهجينة، أو مزج واستدعاء مفاهيم شاسعة الاستعمال للتعبير بها من داخل الماركسية، أو تقديس النصوص على حساب جوهرها الحي الثوري، ..إلخ، بل استيعاب مضمون النصوص للاسترشاد بها في الممارسة. وإن هذا العمل هو جزء من ممارسة في مستويات أخرى، ولن يكون سليما إلا إذا كان كذلك، حتى لا يكون مجرد سفسطة، أو ترفا بورجوازيا صغيرا بعيدا عن واقع الحركة النضالية، وهذا الاستيعاب هو الذي سيوضح أهمية الماركسية في الظروف الحالية للحركة النضالية، خاصة وأن الواقع يلح عليها بشكل متزايد، باعتبارها الوحيدة القادرة على تقديم الإجابة العلمية الصارمة عن الأزمة الحالية للحركة النضالية الجماهيرية وعن واقع المجتمع حاليا، وأزمة أسلوب الإنتاج القائم، بنفس الدرجة التي أثبت بها الواقع فشل ادعاءات ايديولوجيو البرجوازية عن عدم صحة الماركسية، وعن نهاية التاريخ، وعن القطبية الأحادية، وانتصار المجتمع الليبرالي...، هذا الواقع الذي عاد للتأكيد مرة أخرى على كل ما جاءت به الماركسية من الناحية الجوهرية، وعلى ملحاحية الحل الذي توصلت إليه نظريا وعمليا، أي الاشتراكية.
وأيضا سيسمح بتوضيح واستيعاب الماركسية بشكل أسهل وأصوب، وليس ابتذالها عبر التبسيط، أو مزج واستدعاء مفاهيم شاسعة الاستعمال. وفي هذا السياق يطرح تساؤل عن أين تكمن أهمية الماركسية جوهريا، هل الحل في النصوص الماركسية الجاهزة، أم في جانب آخر من الماركسية؟، مع أهمية النصوص والإستخلاصات والأبحاث والمؤلفات الماركسية التي لا غنى عنها الممتدة على طول صفحات مؤلفات رواد الماركسية. مثلا، كنموذج أهمية "رأس المال" باعتباره مؤلف ماركسي يتجلى فيه عمق التحليل العلمي لأسلوب الإنتاج الرأسمالي، وتبيان تناقضاته واتجاهه نحو الزوال بسبب استفحال تناقضاته المستعصية، ولضرورة أن تعقبه الاشتراكية كنتيجة لتطوره وانهياره، إلخ.
يقول انجلس: «سيكون واجب القادة على وجه الخصوص أن يثقفوا أنفسهم أكثر فأكثر في جميع المسائل النظرية وأن يتخلصوا أكثر فأكثر من تأثير العبارات التقليدية المستعارة عن العقيدة القديمة وأن يأخذوا دائما بعين الاعتبار أن الاشتراكية منذ غذت علما، تتطلب أن تعامل كما يعامل العلم، أي تتطلب أن تدرس. والوعي الذي يكتسب بهذا الشكل ويزداد وضوحا، ينبغي أن ينشر بين جماهير العمال بهمة مضاعفة أبدا،...» (حرب الفلاحين).
يتضح هنا من كلام انجلس أنه يلح على ضرورة التثقيف في المسائل النظرية، وتدقيق العبارات المستعملة لكي تكون معبرة بدقة عن تصورهم وعن أهدافهم وعن نظريتهم، ولكي تميز كل هذا عن التصورات والايديولوجيا القديمة، بمعنى أن انجلس يدعو إلى نوع من التربية. أي على أي أساس ينبغي أن نربي ونكون أنفسنا والجماهير؟ وما يعنيه ويؤديه تحديد وتدقيق العبارات والمفردات اللغوية (المصطلحات) في هذه التربية؟، ويتضح من تأكيد إنجلس مدى أهمية أن تدقق وأن تكون مميزة هذه المفردات أو المصطلحات عن تلك الرائجة والمتداولة بشكل عادي، أو عن العبارات التي لها حمولة معرفية تطلق جذورها في العقيدة أو العقائد القديمة، فتداول مثل هذه العبارات الغير المدققة والغير المحددة بشكل علمي، تجعل اللبس يسود في استيعاب النظرية، وبالتالي اللبس أو التيهان في الممارسة المسترشدة بهذه النظرية، أو الخطأ في تحديد المهام السياسية، وكذا الخلط وصعوبة التمييز بين ما ينتمي للماركسية كنظرية مرشدة للعمل وكطريقة في دراسة وتحليل وتغيير الواقع، وما ينتمي للإيديولوجيا البورجوازية.
فعندما نتسامح مع استعمال وتداول مصطلح أو عبارة غير دقيقة علميا، تقبل أكثر من تأويل أو تحمل أكثر من دلالة، خاصة إذا كانت هذه الدلالة أو الحمولة الفكرية والسياسية بورجوازية في الجوهر، فإننا نسمح بتمييع حدود نهجنا السياسي الفكري الثوري وطمسها، وهكذا نكون ندمرها بدون وعي، وهنا ستكون التربية التي نقوم بها غير ثورية، ولن تكون لنا مسؤولية ثورية اتجاه تحصين وحماية نهج التنظيم السياسي، وكذا عدم المسؤولية اتجاه تربية المناضلين والجماهير وأنفسنا على الاستيعاب السليم والصحيح لتصورنا ومنطلقاتنا الفكرية والممارسة بها، وتمييزها عن الأيديولوجيا والتصورات والنظريات السائدة البورجوازية أو الموروثة عن الإقطاع، إنها تناقض الدعاية السليمة. وعند استعمال وتداول مصطلح غير دقيق وغير منسجم علميا مع النظرية الماركسية، فنحن بشكل آخر نسمح بتسرب أو بقاء الإيديولوجيا (التصورات، المعتقدات، المفاهيم، الفلسفات، ...) البورجوازية أو القديمة متداولة ومؤثرة على الجماهير علما بخطورتها في منع تشكل الوعي الثوري.
فمن أجل تشكل هذا الأخير، أي الوعي الثوري، لابد من خوض صراع حقيقي مستميت ضد الأيديولوجيا البورجوازية، وضد بقايا الايديولوجيا الاقطاعية، ولا يجب اغفال هنا أن البورجوازية عندما انتصرت كطبقة اجتماعية على الاقطاع، وأصبحت طبقة سائدة داخل المجتمع واستنفدت دورها التقدمي في التاريخ، فإنها عادت، من أجل الحفاض على سيطرتها، للاستنجاد بكل ما هو قديم، بعد ملاءمتها له مع ظروفها ومصالحها الخاصين وشروط استغلالها للعمال، من أجل عرقلة تقدم البروليتاريا بتمكنها من استيعاب وتبني النظرية الثورية، أي السلاح النظري لتحررها وتحرير المجتمع ككل من الاستغلال الطبقي البورجوازي، فكان أن أغرقتها وكبلتها فكريا بالايديولوجيا البورجوازية، وبقايا الأيديولوجيا القطاعية مما ناسبها، وذلك عبر أدوات ووسائل عديدة للدعاية.
وفي هذا السياق فإني ألح على ضرورة أن ندقق مصطلحاتنا أو مفرداتنا اللغوية وعباراتنا أثناء النقاشات النظرية والسياسية المركزة، لأننا إبانها نكون نربي ونكون المناضلين والجماهير، لهذا فمن الأفضل أن نقوم اتجاههم، كواجب مبدئي، بتربية ثورية صارمة، إذا كنا نريد لهم أن يستمروا على خط سليم، لكن مع عدم إغفال فكرة ماركسية ثورية، في هذا الجانب تقول بأن كل مربي فهو بحاجة إلى التربية، فنحن عندما نربي ونعلم فإننا كذلك نتربى ونتعلم كمناضلين من بعضنا البعض ومن الجماهير، أي أننا ننبذ منطق الأستاذية في التربية، أي المنطق الذي يعتبر التربية ذات خط واتجاه واحد، من الملقن إلى الملقن لهم، كما ننبذ ونرفض ونواجه في نضالنا منطق العصمة والقداسة في الخطاب والتربية والفعل على جميع المستويات، هذا حتى نكون منسجمين مع جوهر الماركسية، فلا نعتبر أن ما نقوله وننادي به هو مقدس لا يجب الأخذ أو الرد فيه، ولا أنه مطلق ومصاغ بشكل نهائي في جميع الجوانب، وختم فيه النقاش، بل ندافع عن مشروع يتعمق ويتصلب ويصوب ويغنى باستمرار، لكن دون المس بالمبادئ، كما قال ماركس :" إياكم والمساومة بالمبادئ إياكم والتنازل النظري " (ك. ماركس، نقد برنامج غوتا)،
ودون التحريف او الانحراف عن الأهداف، او التيهان خلف النقاشات الفكرية وإهمال الممارسة العملية الميدانية بمعية الجماهير التي تعتبر هي المحك الحقيقي لمدى صدق أفكارنا، و لمدى صدق و صحة منطلقاتنا الفكرية و تصورنا السياسي الديمقراطي العام، كما تعتبر محك لصدق و اخلاص المناضلين لكل هذا.
و سأحاول في هذا السياق، و لهذا الغرض، ان اجيب عن الأسئلة التي طرحتها في بداية مقالي هذا، عن علاقة النظرية بالأيديولوجيا؟ او ما الانسب والادق بالنسبة للماركسية اللينينية، هل أن نقول بأنها نظرية، أم أيديولوجيا؟ وهذا السؤال مرتبط ومؤسس لسؤال اخر حول: ما الجوهري في الماركسية؟ هل الطريقة المادية الجدلية ام البناء النظري؟ وماهي العلاقة بين هذه وتلك؟
والسؤالين الأخيرين يفتحان الطريق بوضوح لاستيعاب الماركسية أولا و ثانيا ، التصدي لأصحاب الإضافات الغريبة للماركسية اللينينية، و كذا التصدي للمتشدقين بالنصوص الماركسية المحفوظة عن ظهر قلب، و المفصولة من سياقاتها التاريخية ، و المتقاعسين ميدانيا ، أو العاجزين، ناسين او متناسين بأن «الماركسية ليست عقيدة جامدة بل مرشد للعمل» كما أكد على ذلك رواد الماركسية و مؤسساها، متناسين ان المطلوب هو الممارسة ،العمل بالماركسية و ليس ترديد نصوصها، العمل المنتج و ليس العمل المدمر، وهو السبيل الأوحد لتجسيد رسالة الاشتراكية العلمية. لكن أهمية السؤال الثاني تتجلى أكثر وتلمس ضرورته عندما نجد مناضل يتكلم باسم الماركسية اللينينية ويصرح بأن: "الماركسية غير صالحة للمجتمع المغربي لأنها تبلورت في ظروف المجتمع الرأسمالي الخالص"، وان كان مثل هذا الفهم القاصر والغريب عن الماركسية يبتذل هذه الأخيرة من طرف افراد وحتى مجموعات تدعي حملها راية الماركسية، فإنه يبين مدى ضعف وبساطة استيعاب الماركسية عند بعض ممن يتحدث باسمها.
لقد أكد رواد الماركسية ومؤسساها ماركس وانجلس على ان الماركسية مرشد للعمل وليست «عقيدة جامدة» تعتمد «التحليل الملموس للواقع الملموس». و لهذا فالجوهري في الماركسية بالانضباط لهذا هو الطريقة، اذ «تعتبر المادية المعاصرة دياليكتيكية في الجوهر ولا تحتاج منذ ذاك الى أي فلسفة تقف فوق العلوم الاخرى» (انجلز، ضد دوهرينغ)، الطريقة المادية الجدلية التي على أساسها تتم الممارسة في الواقع الملموس، الطبيعة و المجتمع ، و على أساس النشاط العملي ( الجماهير، التنظيمات ، الافراد) داخل المجتمع بالاعتماد على الطريقة المادية الجدلية لحل تناقضات المجتمع الطبقية( سياسيا، فكريا، اقتصاديا) تشكل و يتشكل البناء النظري للماركسية.
وعند تشكل هذا البناء النظري الماركسي يصبح عبارة عن تجربة واقعية لشعب معين تحمل خصوصيات وضعه الخاص بقوة لكن أيضا تحمل ما هو عام في جوانب معينة، وهنا يكمن دور الماركسية كمرشد للعمل، فهي حصيلة لكامل التطور الفكري للبشرية على جميع المستويات، حصيلة علمية، تشكلت على أساس النشاط العملي(الفكري والجسدي) للجماهير وقادتها، ثم عادت لتوجه الممارسة والنشاط العملي الخلاق للجماهير ولقادتها التقدميون، على المستوى الخاص لكل بلد وعلى المستوى العام كون الشعوب تتعلم من تجارب بعضها البعض كما قال ماركس، حيث أكد بان أي شعب يتعلم من تجارب الشعوب التي سبقته في ميدان النضال، وكذا في مراكمتها لتجارب ومكتسبات (سياسية، حقوقية، اقتصادية، اجتماعية) في ظل أسلوب معين للإنتاج، الرأسمالي مثلا. إذن فالماركسية ليست عقيدة جامدة، ولو كانت كذلك لكان حفظ ونسخ نصوص روادها كفيل بإطلاق الثورة والقضاء على علاقات الإنتاج الاستغلالية القائمة. إذ يؤكد انجلس بهذا الخصوص في رسالة منه إلى فلورونس كيللي، يناير 1887: «إن نظريتنا إنما هي نظرية التطور وليست عقيدة جامدة يجب حفظها غيبا وترديدها ميكانيكيا». ولهذا لا يمكن أن نطبق البناء النظري الماركسي المتشكل على أساس التجربة الخاصة لشعب معين حرفيا، على واقع شعب آخر. وإذا ما حاولنا ذلك فلن نقابل إلا بالفشل أو المآسي الاجتماعية، فالبناء النظري المتشكل المعبر عنه في نصوص مؤلفات ماركسية معينة يصير فيه نوع من الثبات، فتشيخ نصوص معينة في حين أن نصوص أخرى تكون لها حياة أطول، وهذا ما قاله انجلس في كتابه لودفينغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، وكذلك في مقدمة متأخرة للبيان الشيوعي عن فقرات من هذا الأخير.
فالنصوص الماركسية ليست نصوص دينية يكفي حفظها عن ظهر قلب وتطبيقها، بل هي نصوص مرشدة، تلخص تجربة، وليست الا نتاج للممارسة العملية، تغنى باستمرار خاصة في الجانب السياسي والاقتصادي، من خلال التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية لكل مجتمع على حذا.
ادن فالبناء النظري يصير محافظا مع الوقت أما الطريقة المادية الجدلية فثورية، دائما حية مع حياة المجتمع «النظرية رمادية اللون اما شجرة الحياة فخضراء دائما يا صديقي» (غوته)، والطريقة المادية الجدلية تعتبر هي الجوهر والتي يمكن العمل بها في ظل اية ظروف اجتماعية كانت، داخل أي نظام اقتصادي اجتماعي سياسي ثقافي كان، وفي اية مرحلة أو فترة من سيرورة تطوره وتحوله، يقول انجلز في رسالة منه الى زومبارت بتاريخ 11 مارس1895: «...كل المفهوم عن العالم عند ماركس ليس عقيدة جامدة، بل طريقة. وهو لا يعطي عقائد جاهزة، بل نقاط انطلاق لأجل مواصلة البحث وطريقة لأجل هذا البحث». ان استيعاب هذه الفكرة بعمق يبين كيف خنقت الماركسية عندما اعتبرها البعض مصاغة نهائيا، وان كل شيء موجود بها، ما على الانسان غير تصفح مؤلفاتها حتى يحصل على الحل والجواب، لكن جواب انجلس واضح هنا، ضرورة مواصلة البحث، البحث في الماركسية بالماركسية لم ينتهي، هناك نقاط انطلاق، وهناك الطريقة التي يؤكد عليها من اجل مواصلة البحث. وتقول روزا لوكسمبورغ وهي تجيب عن سؤال طرحته حول عجز أنصار الماركسية على تطوير وإغناء هذه الأـخيرة من بعد وفاة المؤسسان قائلة: «لا يحق لنا أن نتحدث عن جسم مفصل تماما إلى هذا الحد أو ذاك من العقائد حبانا به ماركس إلا فيما يتعلق بالمسائل الاقتصادية فحسب. فأكثر تعاليم ماركس قيمة وهو المفهوم المادي الجدلي للتاريخ، يقدم نفسه لنا بما لا يزيد عن وسيلة للبحث وبضعة أفكار رائدة ملهمة تعطينا لمحات عن عالم جديد تماما، مما يفتح أمامنا مجالات للنشاط المستقل لا تنتهي ويحمل أرواحنا عل أجنحته إلى صراعات جريئة في مناطق لم ترتد من قبل.
ومع ذلك وحتى في هذا المجال، يستلقي التراث الماركسي مرتاحا، عدا بضعة استثناءات، ويصدأ السلاح الرائع دون أن يستعمل، وتبقى نظرية المادية التاريخية في خطوط عريضة وبلا تفصيل كما صاغاها خالقاها أول مرة.
إذن، لا يمكن القول أن صلابة وكمال الصرح الماركسي هما ما يفسر فشل من أتوا بعد مارس في الاستمرار في البناء». (إصلاح إجتماعي أم ثورة، الأعمال الكاملة، ص: 84).
فالطريقة تعتمد التحليل الملموس للواقع الملموس بالاعتماد على قوانين الجدل المادي ومقولاته، وقد حدد انجلس الجدل المادي بأنه «علم القوانين العامة للحركة في الطبيعة والمجتمع والفكر». وهنا أكون قد لامست الإجابة عن السؤال الذي طرحته أعلاه حول اين يكمن الحل و اين تكمن خطورة الماركسية من الناحية الإيجابية، هل في النصوص أم في جانب اخر من الماركسية، أي الطريقة ؟ . فبالاعتماد على الجدل المادي يتم تحديد التشكيلة الاجتماعية-الاقتصادية للمجتمع و دراستها من تمة بشكل دقيق، و ابراز في اية مرحلة هي، و بالتالي تناقضاتها الرئيسية و الثانوية، الداخلية و الخارجية، و على أساس هذا يتم تحديد نوعية المهام المطروحة للتغيير الثوري، ..الخ، و هذه الدراسة و التحليل و التحديد وفق الجدل المادي هي التي تسمح و تمكن من عدم الوقوع في منزلقات اسقاط تجارب بلدان او شعوب أخرى على واقع شعب معين قسرا، أي تسمح باحترام خصوصيات كل شعب و اخدها بعين الاعتبار من اجل إنجاح مهام التغيير الثوري سواء على المستوى التحتي الاقتصادي الاجتماعي او في المستوى المنعكس على الأساس هذا، أي المستوى الفوقي السياسي الحقوقي الثقافي الديني الفني...الخ، وهنا تكون الماركسية علمية و غير تعسفية. فاعتمادا على هذا، مثلا، حدد البلاشفة بروسيا طبيعة المهام المطروحة بانها مهام ديمقراطية بشكل مباشر وليست اشتراكية ، في ثورة 1905 وفي ثورة فبراير1917، بالرجوع الى دراسة الواقع الروسي، و تحديد التناقضات الطبقية الرئيسية و الثانوية و القوى الطبقية الفاعلة، و العلاقات في ما بينها، و النسب الطبقية داخل المجتمع...، و لو كان لينين اعتمد القراءة السطحية للنصوص الماركسية خاصة التي صيغت في واقع مجتمع اوربا الغربية المتقدم على الواقع الروسي، اذ كانت روسيا القيصرية جد متأخرة و متخلفة تاريخيا آنذاك عن بلدان اوربا الغربية، لرفع شعار الثورة الاشتراكية. فهو لم يشوه النص، او البناء النظري ولم يهمل او يلغي الجدل المادي في الواقع الذي كان عنده أداة ومرتكز للتحليل وللوصول للإجابات وللممارسة عموما.
و ان من استندوا على هذا الوعي السليم للماركسية عالميا، أحزابا ثورية و قادة ثوريين، هم من استطاعوا قيادة شعوبهم نحو التغيير الجدري لأوضاعها(اق-اج-سي-ثق)، أما اللذين حاولوا استنساخ تجارب شعوب و حركات و تنظيمات ثورية لشعوب أخرى و اسقاطها بشكل متعسف على واقع شعوبهم الخاص، و استنسخوا النص لم يوفقوا، بل لم ينتجوا الا المآسي الاجتماعية تاريخيا، وهكذا نجحت الثورة بروسيا، وبالصين، وبكوبا، والفيتنام...، لكن فشلوا من حاولوا استنساخ التجربة الروسية او التجربة الصينية، او التجربة الكوبية.
الماركسية تدعو الى الاستفادة من هاته التجارب، لكن لا تدعو الى تقديسها، تطلب دراستها لا حفظ نصوص فكرية سياسية وتاريخية عنها وترديدها كنص ديني، الممارسة بالاستفادة منها والاسترشاد بها، لا المزايدات بها وابتدالها وتشويهها في الحلقات الضيقة والقاعات المغلقة، والديالكتيك المادي يعتبر العوامل الداخلية هي الأساسية في تطور الشيء او المجتمع وتغيره، اما العوامل الخارجية فثانوية، فداخل الشيء يكمن سر حركته، أي في تناقضاته الداخلية.
وعند استيعاب هذا جيدا فالإنسان سيستحي قليلا من نفسه ومن الناس اللذين يتحدث إليهم عندما يسمي نفسه ماركسي لينيني وينصب نفسه مدافعا عن الماركسية، ويقول بان الماركسية ليست صالحة الا للمجتمعات ذات الأنظمة الرأسمالية الخالصة او العالية التطور، في حين غير صالحة للمجتمعات ذات الأنظمة التبعية كالمغرب مثلا.
وانني هنا انتقد ولا اتهجم وهدفي هو ان يرتقي المناضلين الماركسيين بمستوى استيعابهم للماركسية وبالممارسة السليمة استرشادا بها، لا عرقلة تطور المناضلين الماركسيين، مادام الواقع يتطلب المزيد من الطاقات النضالية، المزيد من المناضلين الماركسيين، لا ان يتوجه المناضلون الى اكل بعضهم البعض، لا ان يعمدوا الى تدمير بعضهم البعض. بل المزيد من الممارسة النضالية استرشادا بالماركسية، علما ان الممارسة هي محك النظرية، وهذا كثيرا ما أكد عليه ماركس.
ان التشبث بنصوص او مؤلفات ماركس انجلس لينين ماو، فقر الماركسية وحنطها، وأبانها عاجزة عن التطور، وحال بذلك دون اغنائها واستفادتها من التطور والتراكم العلميين الكبيرين اللذين حققتهما البشرية من بعد هؤلاء الرواد، حال دون الاستفادة من ذلك، حال دون الاستفادة من ابداعات واكتشافات علوم عدة تؤكد صدقية وصحة الماركسية اليوم رغم ما قد يظهر انها تعارضها، فجوانب التعارض ذلك ليست الا شكلية نتيجة أدلجة هذه العلوم من طرف أيديولوجي البرجوازية.
الماركسية اليوم تساءل الماركسيين ماذا قدموا لها كإضافات من اجل اغناءها و تطعيمها بالجديد المستنبط و المستمد من الواقع الجديد الغني و المتشعب، هذا الواقع الذي يؤكد في جميع مجالاته على مدى علمية وصدق النظرية الماركسية، لكن ما ينقصه هو ماركسيين فعلا قادرين بعلمية على عكسه في شكل صياغات نظرية واضحة معتمدين في ذلك على الجدل المادي ، لتتجلى بذلك الماركسية اكثر ملامسة للواقع الحالي و مجيبة عن تساؤلاته و تناقضاته، و بالتالي عبر ذلك يتجلى في اطارها الحل لتناقضات الواقع و معاناة الجماهير الكادحة وعلى رأسها الطبقة العاملة، فإنجاز بحوث علمية في مجالات عدة اليوم مسترشدين بالماركسية كنظرية و كطريقة هو افضل دفاع و اخلاص للماركسية من الف حفظ و ترديد لنصوصها شفويا او كتابيا عن ظهر قلب، الماركسي الحقيقي هو من ينكب على حل تناقضات الواقع و ليس على حفظ النصوص من اجل استظهارها جافة، مع العلم انه ليس العيب في حفظ النصوص بل في طريقة النظر اليها و التعامل معها، و في كيفية الأخذ بها، الماركسي هومن يمكن النظرية والطريقة كي تحيا و تفعل في الواقع، الماركسي هو من يغير في الواقع نحو التقدم والتحول النوعي، على هذين المستويين يتحدد من يدافع عن الماركسية، من يطورها ويغنيها من جهة، و من يبتذلها و يدمرها من جهة مقابلة.
فللأسف بدل ان تكون الماركسية مرشد للعمل صارت لدى البعض قاموسا جاهزا لإطلاق الألقاب والنعوت والاوصاف للنيل من المخالف، والتهجم بها، فبعض التشبيهات و الاستعارات التي كان يستعملها لينين في جداله و صراعه الفكري ضد ممثلي تيارات فكرية بورجوازية ،مثلا، صارت أول ما يحفظ و يتردد من النصوص الماركسية اليوم على ألسنة البعض، واسما "بلاشفة" و"مناشفة" تردد في نقاشات الماركسيين بالمغرب الى درجة لا توصف، لكن لم يقدم عمليا في واقع المجتمع المغربي من طرف هؤلاء المرددين لا بقدر ما قدمه البلاشفة ولا بحجم ما قدمه المناشفة في واقع المجتمع الروسي. فبدل انجاز بحوث علمية مفيدة والممارسة الثورية على درب التغيير الثوري، لم ينتج بعض الماركسيين غير التهجمات الشخصية المنحطة المستوى التي تنفر من الماركسية أكثر آلاف المرات مما تجذب الانسان الى الاطلاع عليها، ومن ثمة ان يدرسها ويتسلح بها للعمل.
الاف الصفحات والصفحات من التهجمات والقليل جدا من المقالات والبحوث المفيدة نضاليا التي قام بها الماركسيين بالمغرب. اننا ننتظر من هؤلاء بحوث نستفيد منها نضاليا وفي حياتنا عموما، لا تهجمات واتهامات، كي يسود بذلك الاحترام بين المناضلين ومن ثمة تستقيم الممارسة النضالية وسط الجماهير التي ستحترمنا انطلاقا من عملنا الجاد والمسؤول والناضج، وستثق فينا أكثر.
ان التأكيد على أهمية الطريقة و مكانتها داخل الماركسية يسير جنبا الى جنب مع النظر الى البناء النظري و كيفية الأخذ به، و هنا من الضروري الانتباه الى مسألة المفاهيم و المصطلحات الموظفة في الخطاب الماركسي، و هذه مسألة لها أهميتها من الناحية النظرية، و من الناحية العملية التي لا يمكن فصلها عن الأولى، «فلا حركة ثورية بدون نظرية ثورية» كما قال لينين، والنظرية الماركسية تتميز في هذا الجانب بدقة استعمال و توظيف المصطلح الذي يعبر عن المفهوم، ولا تستعمله اعتباطا، دون تمحيص من الناحيتين الفلسفية و السياسية بالخصوص. ابتغاء في ذلك للوضوح النظري و الإستعاب الاوسع و الاصح لمضمونها الثوري، و بالتالي الممارسة وفقها بشكل أسلم، و هذه هي الغاية، أي البلوغ إلى ممارسة ميدانية ثورية وإلا فأي معنى لقراءة الماركسية و الاستفاضة في نقاشها و المزايدة بشعاراتها و التفنن بإلقاء نصوصها محفوظة عن ظهر قلب، اذا كان صاحب هذا الفعل غير ممارس بين صفوف الجماهير، وغير منكب على حل تناقضات الواقع الاقتصادي الاجتماعي السياسي الثقافي المعقدة، غير مبالي و غير منكب على الإجابة عن هموم و مشاكل الجماهير، و تفجير معاركها النضالية متجذرا وسط هذه الأخيرة نضاليا. إن ذلك سيكون مجرد ترف برجوازي صغير، او سفسطة كلامية عابرة غير مؤثرة في الواقع بالبث والمطلق.
ان الممارسة هي محك النظرية كما اسلفت أعلاه، و كما اكدت الماركسية دائما، ولا يمكن فقط القول عن تصور سياسي أو نظرية أو...، بانها ثورية فتكون بذلك ثورية و صحيحة، ما لم تثبتها الممارسة العملية، و انني هنا لا اعيد طرح السؤال عن الماركسية، بل على المتحدثين باسمها، المتشدقين بالخطابات العنترية في حين انهم ميدانيا متقاعسين عن تأطير و تنظيم نضالات و صفوف الجماهير الشعبية المناضلة بمختلف طبقاتها و فئاتها، أو ممارسين بشكل موسمي مناسباتي، او بشكل لا ينسجم و اللحظة و هذا راجع اما لانتهازية هؤلاء أو لعدم الاستيعاب السليم و الصحيح للماركسية، و بالتالي عدم الممارسة السليمة استرشادا بها، و في كلتا الحالتين ستؤدي النتيجة الى نفس الوضع.
يقول ماركس في اطروحته الأولى عن فيورباخ: «النقيصة الأساسية في المادية السابقة انها لم توري النشاط العملي الحسي أدنى اهتمام، حيث لم تهتم الا بالنشاط النظري التأملي. ولهذا لم تدرك النشاط الثوري و بالتالي لم تغيير ادنى شيء».
ادن فالمهمة ليست ترديد النصوص، و لا اللف و الدوران العقيم حول جانب معين من النظرية او البرنامج، بل المهمة هي الفعل الميداني بمعية الجماهير و في طليعتها من اجل حل تناقضات الواقع، أي من أجل تغير هذا الأخير، وهذا هو الغرض من طرح البرنامج و من دراسة و التسلح بالنظرية. و في هذا الاطار يقول ماركس في أطروحات عن فيورباخ: «ان الفلاسفة لم يفعلوا غير ان فسروا العالم بأشكال مختلفة و لكن المهمة تتقوم في تغييره»(الاطروحة11)، لذلك فبعض المتحدثين باسم الماركسية هم اشد الناس و اكثرهم زرعا و نشرا للغموض و التعقيد حول الماركسية، بسبب اما دفاعهم الخاطئ عنها، أو بسبب شكل هذا "الدفاع"، أو عدم انتباههم لبعض المسائل التي تبدو ثانوية لكن في الحقيقة أساسية.
فبخصوص المفاهيم المستعملة لابد من الانتباه جيدا الى أهميتها ودورها في استيعاب الماركسية بشكل سليم وواضح، وضرورة الحذر من استعمال المفاهيم الغير الدقيقة من وجهة نظر الماركسية، او الشاسعة والفضفاضة، خاصة في النقاشات او البحوث المركزة على المواضيع او القضايا السياسية والفلسفية بالخصوص، وفي هذا الإطار، هل استعمال مفهوم أيديولوجيا –كما قلت أعلاه-للدلالة على الماركسية اللينينية هو استعمال مدقق؟ ولنضيف بعض الأسئلة قصد التوضيح أكثر فإلى اية درجة هو دقيق شعار" الماركسية اللينينية هي أيديولوجية الطبقة العاملة"؟ وما الادق هل استعمال "نظرية" ام استعمال "أيديولوجية".
أليست الماركسية هي نظرية مرشدة في الممارسة وطريقة في وعي وتحليل وتغيير الواقع، كما اشرت أعلاه، ولهذا فهل تسمية الماركسية "إيديولوجية" تنسجم وهذا؟ وهل كان مؤسسا الماركسية يستعملان للدلالة على ما جاءا به واكتشفاه نظرية ام أيديولوجية؟، وهل مفهوم "نظرية" ومفهوم "ايديولوجيا" متطابقان مع بعضهما البعض؟ وهل إذا استعملنا الترجمة اللغوية الصرفة ل"إيديولوجيا" أي علم الأفكار ستنطبق و تنسجم و الماركسية، بمعنى هل الماركسية علم الأفكار؟! اننا عندما نبحث في الماركسية عن إجابة للأسئلة هذه، فإننا قبل كل شيء نكتشف ان مؤسسا الماركسية، ماركس و انجلس، لم يطلقا على ما جاءا به و اكتشفاه إيديولوجيا بل نظرية. ففي جميع كتاباتهما يرددان "نظريتنا" أو "النظرية" للدلالة على ما جاءا به. وهدا التحديد ليس اعتباطيا، ولا اختيارا لغويا ذاتيا من قبلهما، بل هو نفسه خاضع للدراسة والعلم، أو للفهم المادي للتاريخ، فمفهوم واستعمال كل من "نظرية" و "أيديولوجيا" في الماركسية لا يتطابقان مع بعضهما البعض، بل يتناقضان. فالنظرية في الماركسية هي استنباط للمفاهيم وللتصور وللقوانين...الخ من الواقع، من حركة الواقع المستقلة عن وعي الناس. هي انعكاس علمي لحركة الواقع في الفكر، واكتشاف علمي للقوانين الموضوعية لهذه الحركة، ومن ثمة صياغتها في إطار النظرية، لذلك نجد ان استعمال مفهوم النظرية للدلالة على الماركسية مطابق لمفهوم العلم. أما الأيديولوجيا فعلى العكس هي اسقاط وتنزيل لتصورات ومعتقدات لتعريفات غير علمية او غير دقيقة علميا، وغير منسجمة، على الواقع بشكل ذاتي أو تبعلا لإرادة الفكر. هي في حقيقتها ليست انتاجا محضا للفكر، بل هي انعكاس مشوه لواقع الناس الاجتماعي في شكل تصورات غير مطابقة لهذا الواقع، وهذه التصورات تكون في الغالب جامدة محنطة، هي عبارة عن تفسيرات مطلقة وذاتية الصياغة.
ولهذا فقد استعملت الماركسية الايديولوجيا للتدليل على الأفكار والتصورات والتفسيرات والمعتقدات ...الخ، السائدة والنقيضة للعلم والمتناقضة مع المصلحة الشعبية، أي للدلالة على كل ما يساهم في تزييف الوعي الجماهيري، بمعنى انها استعملت للدلالة على كل ما هو نقيض للوعي الصحيح المطابق للوجود المادي الملموس للجماهير، وهي بذلك استعملت للدلالة على نقيض ما جاءت به الماركسية واكتشفته وصاغته نظريا، أي نقيض النظرية. وفي هذا الصدد نجد لدى انجلس استعمال مفهوم الأيديولوجيا للدلالة على الفهم المبتذل والمغلوط. ويعبر عن ذلك بوضوح في رسالة منه الى موهرينغ بتاريخ 14 تموز1893 قائلا: «ان الأيديولوجيا انما هي عملية يقوم بها ما يسمى بالمفكر، وان عن إدراك، ولكن عن إدراك خاطئ. فان القوى المحركة الحقيقية التي تحمله على النشاط تظل مجهولة بالنسبة إليه، والا لما كانت العملية ايديولوجيا. ولدى يصنع لنفسه تصورات عن قوى حافزة كاذبة او ظاهرية.»، و يقول في رسالة أخرى منه الى شميدت ،28 تشرين الاول1890 : «اما هذا التشويه الذي يمثل، طالما لم نكتشف، ما يسمى بالعقيدة الايديولوجيا، يؤثر بدوره تأثيرا مقابلا في البناء التحتي الاقتصادي.»، و يتمم في نفس الرسالة قائلا: «اما الميادين الأيديولوجيا التي تحلق على مستوى اعلى في عالم الخيال – أي الدين و الفلسفة الخ،- فان لها مضمون قد نسميه اليوم سخافة...».
كما يشير في كتابه ضد دوهرينغ الى نفس المضمون قائلا: «من جراء ذلك يغرق بلا امل في تلك الأيديولوجيا، التي تحوله الى مقلد لهيغل نفسه الذي سماه «مقلدا». (...) و من البديهي انه من المستحيل بناء اية نظرية مادية على هذا الأساس الإيديولوجي.»(ضد دوهرينغ –الفلسفة-).
وفي كتابه «تطور الاشتراكية من طوباوية الى علم» يعارض انجلس أراء المنظرين الطوباويين الكبار، سانسيمون واويه وفوريه، بآراء الأيديولوجيين، قائلا عن فورييه: «و يفضح فراغ تعابير و صيغ الايديولوجيين المعاصرين له الرنانة الزاهية و يبين أي واقع بائس يقابل تعابيرهم الرنانة، و يصب جام سخريته على افلاس هذه التعابير التام».
اما عند لينين فإننا لا نجد عنده أي ذكر للايديولوجيا الا في حالات نادرة، لم تبلغ العشر مرات حسب بحث ل (؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟) معنون ب:"العلم والأيديولوجيا"، أبرزها في كتابه «ما العمل؟» حيث استعمل تعبير «الأيديولوجيا الاشتراكية» لكنه لم يوضح أكثر من هذا لأن الكتاب مخصص للمسائل التنظيمية. وإذا ما اخدنا هذا التعبير عند لينين فهو عام، لأن الاشتراكية مرت بمراحل تطور، من مستوى الفهم الطوباوي الى المستوى الذي أصبحت فيه علما مع الماركسية والعلم عند ماركس كان يستعمله في مواجهة الأيديولوجيا، ولهذا فعدم تحديد لينين لأي مستوى من الاشتراكية بالتحديد يدل على ان استعماله لتعبير «أيديولوجيا اشتراكية» أو لتعبير «أيديولوجيا اشتراكية ديموقراطية» قد يكون للإشارة للتوظيف العام للاشتراكية، لأنه في مؤلفاته المخصصة للمسائل النظرية، وللاشتراكية بالخصوص يحددها ب«النظرية». لكن ما يجب ملاحظته والانتباه له في هذا الاستعمال عند لينين ان المعنى الذي يتضمنه هذا التعبير بعيد كل البعد عن ان يدل على، او يطلق على الماركسية، كأن يجعلنا نقول أيديولوجيا ماركسية، هذا من حيث المضمون الذي حمله لينين للتعبيرين أعلاه، والمستنبط من سياق النقاش، اما من حيث الاستعمال الدال على الماركسية فإن لينين الذي لم يسمي "الماركسية أيديولوجيا" أبدا، فإنه في نفس المؤلف أي «ما العمل؟» نجد انه استعمل تعبير «النظرية الماركسية» في الصفحة: 31، (طبعة دار التقدم)، وغالبا ان الاستعمال أعلاه عند لينين هو الذي قاد البعض للانزلاق وتسمية الماركسية "أيديولوجيا"، وهو الشيء الذي لم يقل به لينين بتاة. ولنلاحظ هذه التعبيرات عند لينين في ما العمل؟ لتعفينا من كثرة التحليل ، و لملاحظة الاسقاطات غير الدقيقة و غير العلمية، في حال ما إذا كان استعمال "أيديولوجيا ماركسية" يرتكز على هذا التوظيف عند لينين، و هذا سيكون احسن الأحوال، اما الاسوء فهو ما سأشير له ادناه. يقول لينين: «اما أيديولوجيا برجوازية و اما أيديولوجيا اشتراكية»، «في مجتمع تمزقه التناقضات الطبقية، لا يمكن ان توجد على الاطلاق اية أيديولوجيا خارج الطبقات أو فوق الطبقات.»(صفحة42 )، « الأيديولوجيا الاشتراكية الديموقراطية» (ص:44)، إذن فالفرق واضح هنا، و النقاش لإشارات و استعمالات لينين ستقود الى جوانب أخرى، أهمها ان الأيديولوجية مرتبطة هنا بالطبقات، و بالتالي وفق النظرية الماركسية، فكل البناء الفوقي، الذي تدخل الأيديولوجيا في تركيبته سيزول بزوال الطبقات، وهذا لا يمكن قوله عن العلم أو عن الديالكتيك، كما ان الماركسية هي نظرية مرشد للقضاء على الطبقات، او على انقسام المجتمع الى طبقات، وليس لتكون أيديولوجية طبقة ، فالطبقة العاملة التي هي الطبقة الثورية التي من مصلحتها القضاء على انقسام المجتمع الى طبقات، و التي يلقى على عاتقها تحرير نفسها و تحرير المجتمع من الاستغلال والاضطهاد الطبقيين، فهي في صيرورة هذه العملية تكون تقضي على نفسها بالذات، باعتبارها طبقة. وهذا يعني ان نقاش لينين هنا له سياق ومضمون اخر مرتبط والمضمون الذي خصه للكتاب. اما الحالات الأخرى التي لا تتعدى ثلاثة استعمالات المتبقية في غير هذا الكتاب، فتندرج في إطار اخر.
وعلما بأن الاشتراكية ليست الا أحد الأقسام الثلاث للماركسية وإذا ما قلنا انها إيديولوجيا، خاصة عندما نسقط في الترجمة الحرفية أي علم الأفكار، فإننا سنكون بصدد فهم مثالي للماركسية، فنعلم ان الماركسية تنقسم الى ثلاثة اقسام متكاملة ومترابطة فيما بينها، وهي النظرية الاشتراكية العلمية، والاقتصاد السياسي، والفلسفة المادية الجدلية. واذا ما اخدنا مكونها الاقتصاد السياسي فهو علم يعنى بدراسة الوقائع الاقتصادية المادية، و أساليب الإنتاج، و الأسلوب الرأسمالي بالخصوص، حيث تتبع، مثلا، ماركس حركة السلعة في اطاره باعتبارها لبنته، انتاج السلعة، قوة العمل المبذولة في انتاجها، تنظيم العمل قصد ذلك، العلاقات الاجتماعية التي تتشكل بين الناس اثناء هذا الإنتاج و في مبادلة السلع، وعي الناس الذي يتشكل على اساس عملية الإنتاج هذه، و من هنا اكتشف بان وعي الناس ليس هو الذي يحدد وجودهم، بل على العكس فإن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم الاجتماعي وهنا أسس للفهم المادي للتاريخ، فالسلعة و الناس لهم وجود مادي ملموس، و العلاقات التي تقوم بين الناس اثناء عملية الإنتاج لها وجود موضوعي مستقل عن إرادة الناس ، والعلم الذي يهتم بهذه الجوانب و المجالات من حياة المجتمع و وجوده يدرس أشياء وناس لهم وجود مادي، وليس فقط أفكار. فالماركسية بهذا ليست علم أفكار وان كانت تعنى في جانب محدد بدراسة حركة الفكر لكن ليس الا باعتباره نتاج وانعكاس لحركة الواقع. وكمثال يسهل استيعاب الفرق بين الأيديولوجيا و العلم بشكل اكثر اختصارا و وضوحا، الفت النظر الى ادعاءات الكنيسة التي شكلت احد أعمدة ايديولوجيتها أي ادعائها ان الأرض هي مركز الكون وانها ثابتة، و قد صاغت من النصوص و روجت لهذه الفكرة و علمتها لقرون طويلة، لكنها كانت فكرة مغلوطة غير علمية شكلت بها أيديولوجية للتغليط و السيطرة على الناس في مجتمعات القرون الوسطى الاوربية على الخصوص، علما ان الكنيسة كانت احد اركان الحكم المطلق الاقطاعي المستبد، لكن تطور البحث العلمي سدد ضربة لهذا الادعاء الأيديولوجي، خاصة ما توصل اليه العلم مع غاليلي الذي ابان عبر دراسات فيزيائية و قياسات رياضية ان الأرض غير ثابتة، وانها ليست مركز الكون بل هي تدور حول الشمس وفق نظام معين. وهنا كان العلم سلاحا ضد الأيديولوجيا، ونقيضها، كان فضحا لها وتصحيحا لمغالطاتها.
ادن فالماركسية هي نظرية وليست أيديولوجيا، نظرية وطريقة. يقول انجلس في رسالة منه الى فلورنس كيللي. لندن ديسمبر 1886: «ان نظريتنا ليست عقيدة جامدة، بل توضيح لعملية التطور التي تنطوي على جملة من الاطوار المتلاحقة».
اننا عندما نصف الماركسية بانها أيديولوجيا فنحن في الحقيقة نكشف و نعلن الضمني الذي كانوا يعملون من اجله الأساتذة السوفيات، و مختلف الشراح السيئون للماركسية في مرحلة سيطرة التحريفية في الاتحاد السوفياتي، أي عملهم المنظم من اجل تحويل الماركسية الى أيديولوجية الدولة، و تقديمها و تعليمها للجماهير في شكل نصوص و متون جامدة ، محنطة، مغتالة، و نجحوا الى حد كبير في تسويق فهم خاطئ للماركسية أي على انها فقط مجموع النصوص، و الشروح المرفقة بها، نصوص مجزأة مفصولة من سياقاتها التاريخية، و ساعدهم في ذلك حجم سلطة الدولة الكبير، لكن لم يكن لينجحوا في ذلك لحد ما لولا تغيبهم المتعمد وتغاضيهم عن الديالكتيك المادي، غيب بشكل تعسفي قسري الجدل المادي كطريقة، و اهمل دوره و مكانه في صلب الماركسية باعتباره يمثل الجوهر فيها. لقد حجمت النصوص الى ان غطت على الطريقة التي انتجت بها هذه النصوص، الطريقة التي اتبعت في العمل لإنتاجها، الطريقة التي تحرك بها الواقع الذي كانت النصوص تعبير نظري عن حركته الديالكتيكية، ويقول انجلس: «الا ان الامة الراغبة في الارتقاء الى مستوى العلم لا يمكن ان تستغني عن التفكير النظري. ومع الهيغيلية ألقوا بالديالكتيك عرض الحائط، وذلك في اللحظة التي صار فيها الطابع الديالكتيكي لعمليات الطبيعة يفرض نفسه بصورة قاهرة على الفكر، وفي اللحظة التي يستطيع فيها الديالكتيك وحده، بالتالي، ان يساعد علم الطبيعة في تجاوز الصعوبات النظرية.» (ص:385-386، ضد دوهرينغ).
و حتى عندما قدم الديالكتيك للجماهير من طرف الأساتذة السوفيات فقد قدم مجزأ، مفصولا، او مبتورا، كما كان الحال أيضا عند ستالين، الذي اسس للانحراف نظريا و عمليا في الاتحاد السوفياتي، خاصة عبر الأخطاء التي اقترفها تنظيميا وعدم كفاءته النظرية موازاة وانسجاما مع مسؤولياته الضخمة على رأس الحزب والسلطة الاشتراكية الأكبر في العالم(مع الانتباه إلى أن هذا لا يضرب أو يغفل ما قدمه ستالين في نواحي أخرى ذات قيمة كبيرة، لكن من الناحية النظرية والتنظيمية فالفرق واضح إذا ما وقف أمام لينين)، هذه الأخطاء التي استغلت فيما بعد من طرف التحريفية لتنقض على التجربة الاشتراكية لتنخرها وتضعفها من الداخل، ومنه استهدافها للديالكتيك مع ابقائها على راية الماركسية، وهذه العملية كان يراد بها ضمان سيطرة التحريفية، و تغليط و ايهام الطبقة العاملة و المثقفين الثوريين المخلصين لنهج لينين، ايهامهم بالإخلاص للماركسية اللينينية (عبر إبقاء راية الماركسية مرفوعة)، لكن هذا الإخلاص لم يكن الا شكليا، و كذلك كان يراد بها ضمان بقاء "الاتباع" أو المؤيدين خارج الاتحاد السوفياتي، أنظمة و قادة ثوريين، خاصة ابان الحرب الباردة، في الصين، كوبا، فيتنام، اوربا الشرقية...، إذن ففي هاته الظروف كانت تبنى و تسيد و تنشر من قبل الاتحاد السوفياتي، و المتملقين له و خدامه، ماركسية مؤدلجة. تم افراغ الماركسية من مضمونها وتدمير ما هو جوهري فيها، ليسهل تحويلها الى أيديولوجيا للسيطرة والمحافظة، لا الدفاع عنها كطريقة ثورية للتغيير والهدم وإعادة البناء بشكل نوعي ، لقد قادت التطورات و الاحداث في الاتحاد السوفياتي خاصة بعد وفاة ستالين، الى وصول قيادة الى السلطة تخاف، وترفض جوهر الماركسية، وفي نفس الوقت لم يكن من مصلحتها في تلك الشروط التخلي عن الماركسية بشكل تام وصريح علنا، فكان العمل التدميري بأن أفرغت الماركسية من مضمونها الثوري، وراكمت للتخلي عنها، ومن أجل هذا الهدف جيشت الكهنة الجدد، الأساتذة السوفيات والشراح المتطفلون لينخروا الماركسية، ويؤسسوا أيديولوجيا بدلها لا تحمل من الماركسية غير الاسم، لتسترزق عليه، وبقدرة قادر عندما أصبحت الرداءة إنتاج مطلوب للاستهلاك بقوة والحاح، أصبحت كتابات الأساتذة السوفيات، وكتابات الكتاب المسنودين إليهم من خارج الاتحاد السوفياتي، كجورج بولتزر، أصبحت هي المرجع في الماركسية والمصدر الجديد بدل المصدر الحقيقي، احتلت هذه الكتابات المبتذلة مكان مصادر الاشتراكية العلمية الحقيقية، هذه الأخيرة التي أهملت وتم التخلي عنها لصالح الشروح الرديئة والسطحية للماركسية التي غصت بها رفوف مكتبات المثقفين، السهلة الهضم والاستهلاك على شاكلة الأكلات الخفيفة، وتمت الاستراحة من ألم وعسارة الهضم والدراسة المضنية لمؤلفات مؤسسي الاشتراكية العلمية وتلاميذهم الثوريون.
وقدمت بهذا الشكل فتلقفها المتعلم غير الدارس وغير الممحص فالتهمها كما قدمت له من طرف الألة الأكاديمية الدعائية السوفياتية، ليعيد بدوره إنتاج على أساس ما قدم له منتوج رديء وغريب كل الغرابة عن الماركسية، الاشتراكية العلمية، كم هلامي من النصوص والشروح المبتذلة، أنظر، مثلا بهذا الصدد، شروح بولتزر للتراكمات الكمية في علاقتها بالتحولات النوعية، كما قدمها في كتابه الشارح المادية الديالكتيكية، عندما أعطى المثال عنها ببناء السد. واستمر منحنى الانحطاط في الانحدار إلى أن غيبت الماركسية عن الواقع، ولم تعد حاضرة إلا في نقاشات بعض المثقفين الذين تقاذفوا فيما بينهم نصوصها المحفوظة عن ظهر قلب، ولم يكن ويبقى إلا القليل من الدارسين والمدافعين الحقيقيين عنها، وهم كانوا في أغلب الوقت مهمشين أو محاصرين. يقول لينين: «إن أصحابنا الماخيين لم يفهموا الماركسية لأنهم تناولوها، إذا جاز القول، من الجانب الآخر، فاستوعبوا _ وأحيانا استوعبوا أقل مما حفظوا غيبا_ نظرية ماركس الاقتصادية والتاريخية، دون أن يستوضحوا أسسها، أي المادية الفلسفية.»، ولاحظ هنا أن لينين يربط بين استيعاب الماركسية وبين فهم الديالكتيك، كما يوضح أن حفظ النصوص شيء والاستيعاب للماركسية شيء آخر.
لقد تم تقاذف الشروح والابتذال الى ان بلغ الوضع الى أعمق درك الرداءة. لكن بقدر ما بلغ هذا الوضع من الرداءة فهو لا يعبر الا عن انحطاط التحريفات والابتذال و التسطيح المقصود و المتعمد الذي تعرضت له الماركسية كنظرية وكطريقة ثوريتين في و عي و تفسير و تغيير الواقع، و يبشر بتحرر و صعود الطريقة من جديد، فلكي يتحرر المضمون على الشكل ان يبلغ درجة قصوى من التحنط و التصلب ثم التعفن، ليأخذ في الانحلال و الانهيار و التلاشي.
فإذا اعتبرنا الماركسية أيديولوجيا، فإننا نقول بذلك أنها مجموعة من التصورات التي اتخذت طابعا جاهزا نهائيا (صيغ فكرية) تفرض على الواقع، تبعا لرغبة هذه القوة أو التكتل أو الحزب. وهذا ما يناقض العلم، الذي يدرس الأشياء والظواهر الطبيعية والمجتمعية، ويستنبط ويستخلص قوانين ومفاهيم تعبر عن جوهر الأشياء والظواهر المدروسة، وهذه القوانين والاستخلاصات والمفاهيم...الخ، تعبر عن الحقيقة الموضوعية الداخلية لوجود وحياة وقيام الشيء أو الكائن أو الظاهرة أو القضية المدروسة، أي انها تستمد من الشيء المدروس بطريقة علمية في استقلال عن الذات او التدخل السافر الغير السليم والذاتي للدارس أو الباحث. هذا الوجود يتحدد بشكل أساسي بما هو داخلي جوهري في الشيء، حيث تتحدد صفاته وعملياته وتفاعلاته، ومن ثمة علاقاته بالعالم المحيط به، أو بالظواهر والأشياء التي تتصل به في مجرى حركته وتطوره، حياته. هاته العلاقات التي تشكل في حركته و تطوره المظهر و الشكل الخارجي، هذا الأخير الذي يكون الأقرب الى المعاينة لا يمكن الحكم به لوحده حكما نهائيا على حقيقة وجود الشيء، قبل ادراك ووعي جوهره الداخلي، فإذا ما اخدنا، مثلا، البطالة في المجتمعات ذات الانظمة الرأسمالية و الرأسمالية التبعية، فهناك الأيديولوجيين الذين يحاولون تزييف الواقع و تغليط الناس داخل مجتمعاتهم بإعطاء تبريرات و تفسيرات لها كاعتبارها نتيجة لعدم رغبة الشباب في العمل أو لفشل الشخص في البحث عن عمل، أو نتيجة لعدم مبالاة الشباب أو لضعف في تكوينهم الدراسي، غير ان الدراسة العلمية للبطالة داخل المجتمعات هاته توضح انها نتيجة لفعل قوانين تطور المجتمع الرأسمالي، التي هي قوانين موضوعية مستقلة عن إرادة الناس أو عن إرادة الشباب الباحث عن عمل، اذ يؤدي تطور أسلوب الإنتاج هذا، و مع تواتر ازماته الدورية و استفحال تناقضاته، خاصة على المستوى الاقتصادي الاجتماعي، الى انحصار فرص الشغل و الى طرد العمال و اغلاق المعامل نتيجة صراع الاحتكارات، و عدم استثمار و توظيف الرأسمال أو القيمة الزائدة في مجالات من شأنها خلق فرص العمل مما يؤدي الى تكديس أعداد متزايدة في طوابير البطالة، و بالتالي ارتفاع نسبة هذه الأخيرة. وعندما تنفذ الدراسة العلمية المعمقة الى هذا المستوى تفقد ادعاءات الايديولوجيين كل قيمتها، وهذا يوضح زيف الأيديولوجيا في مقابل دقة وحقيقة العلم والنظرية.
فتسمية الماركسية أيديولوجيا يصدق على ابتذال الماركسية، ومادامت الماركسية اليوم في الاغلب أصبحت عبارة عن اجترار النصوص و ترديد شروحها بشكل مسطح، و ترديد شعارات غير دقيقة، فإن هذا الشكل من الماركسية يصدق نعته بالايديولوجيا، ولهذا فإذا ما اردنا إعادة الاعتبار لجوهر الماركسية فلابد من التصدي أولا لكل محاولات و تراكمات ادلجتها، أي لكل ما تم نشره و صياغته بقصد تحويلها الى أيديولوجيا، و كل من سيحاول العكس فهو أيديولوجي كما كانا يسميا ماركس و انجلس العاملين فكريا على تغليط الناس، و نشر فكر مزيف عن الواقع، و ليس ماركسي.
ان الطريقة الدياليكتيكية قد اثبت عمليا، خاصة عبر اكتشافات علوم الطبيعة(الفيزياء، الكيمياء، البيولوجيا، علم الفلك...)، مدى علميتها، بما لم يترك أي مجال للأخذ والرد في ذلك، ولازالت هذه الاكتشافات تثبت بأن الواقع، الطبيعة والمجتمع، يتطوران ويتحولان أثناء حركتهما المطلقة عبر الدياليكتيك. ولذلك فإن هذه الطريقة الثورية هي أبعد وأصعب من أن يقضى عليها، من أن تغيب وتمحى، وإذا ما كان قد حدث ذلك نسبيا في الزمان والمكان تبعا لظروف معينة، فإنها لم تغب إلا عن الاهتمام والادراك من طرف الفكر الى هذه الدرجة أو تلك، أما الواقع فإنه كان ولازال وسيظل خاضع في حركته التطورية للدياليكتيك، سواء أردنا ذلك ووعينا به أم لا. فقوانين ومقولات الدياليكتيك لها وجود موضوعي مستقل عن إرادة ووعي الناس، إذ يقول إنجلس في هذا الصدد: «من البديهي أن العرض الإجمالي الذي أقدمه لمنجزات الرياضيات والعلوم الطبيعية كان بقصد الاقتناع تفصيليا أيضا بتلك الحقيقة التي لم تثر عندي عموما أي شك، وهي أن القوانين الدياليكتيكية للحركة تشق لنفسها الطريق في الطبيعة عبر خضم التغيرات التي لا حصر لها وهي نفس القوانين التي تسود في التاريخ أيضا على الحوادث التي تبدو عرضية. القوانين التي تمر كخيط أحمر خلال تطور الفكر البشري، وتصل تدريجيا إلى وعي الناس. » (إنجلس، ضد دوهرينغ، المقدمة، ص:16).
أما الهجوم على الدياليكتيك وتغيبه ما هو إلا محاولة يائسة لتعطيل التفكير وفقه، وبالتالي منع العمل به لتغيير الواقع، لما له من أهمية ودور ثوريين في تسهيل استيعاب ووعي حركة الواقع واتجاه تطوره وتحديد تناقضاته، في وعي الصيرورة الواقعية، ومن ذلك تسهيل ادراك واكتشاف الحلول الدقيقة المناسبة، والاتجاهات السليمة لحل التناقضات، والتعجيل بطرح الواقع القائم وإحلال محله الجديد النوعي الذي ينبثق من داخله. يقول إنجلس: «لا يمكن التوصل الى صورة دقيقة عن الكون وتطوره وعن تطور البشرية وكذلك عن انعكاس ذلك التطور في أذهان الناس إلا بالطريق الدياليكتيكي.»(ضد دوهرينغ، تمهيد).
وهكذا، يمكننا أن نخلص، من خلال هذا، إلى أن شعار أو تعبير "المركسية اللينينية إيديولوجية الطبقة العاملة." هو شعار خاطئ من وجهة نظر الماركسية.


هوامش:
1)_ لاحظ في استعمال المصطلحات أن لينين ينتقد يوسف ديتزيغن لاستعماله مصطلح ميتا فيزيائيون ، حيث يقول في ملاحظة له عن ذلك: «هذا التعبير غير موفق وغير واضح أيضا: فقد كان ينبغي القول «مثاليون» بدلا من «ميتافيزيائيون». هذا مع العلم أن يوسف ديتزيغن نفسه يعارض في أماكن أخرى الميتافيزيائيون بالدياليكتيكيين». ويستتبع لينين في نفس السياق وبنفس الصفحة(ص:438) من كتابه المادية والمذهب النقدي التجريبي، عند استدراك ديتزيغن واستعماله تعبير "مثاليون"، قائلا: «لاحظوا أن يوسف ديتزيغن قد أصلح خطأه وأوضح بتعابير أدق ما هو حزب أعداء المادية».
إذا هنا لينين يؤكد على ضرورة تحديد المصطلحات بدقة في نقاشاتنا، ولا يهمل هذا التمييز والتحديد حتى بين تلك التعبيرات أو المصطلحات التي يظهر أنها قريبة في مدلولاتها من بعضها البعض.
أهم المراجع:
لودفينغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية. ف. انجلس
ضد دوهرينغ ف. انجلس
موضوعات حول فيورباخ ك. ماركس
رسائل ماركس_انجلس ماركس، انجلس
ما العمل؟ لينين
المادية والذهب النقدي التجريبي لينين
مصادر الماركسية الثلاث وأقسامها المكونة الثلاث لينين
اصلاح اجتماعي أم ثورة، ومقالات أخرى روزا لوكسمبورغ



تعليقات الفيسبوك