التحيُّل على التّاريخ !


عزالدين بوغانمي
2019 / 4 / 18 - 17:19     

أول أمس تابعت مداخلة السيد عبد اللطيف المكي في مجلس النواب حول الإضراب العام. طبعا كعادة متكلمي حركة النهضة، تكلم بحقد دفين على اتحاد الشغل. وبنفس الوقت كانت مداخلته تعكس عقدة نفسية يُعاني منها هؤلاء تجاه الحركة العمالية، فهم يحقدون على الآتحاد ويسعون لتخريبه بأي ثمن، ولكن المكانة الكبيرة للمنظمة تجعلهم يرددون تلك الجملة المبتذلة التي دأب على ترديدها كل الحاقدين على النقابات: "نحن نحترم الآتحاد ولكن مشكلتنا مع القيادة". تماما مثلما دأب العملاء على القول بأنهم "مع فلسطين ولكنهم ضد المقاومة"!

جاءت كلمه سي عبد اللطيف المكي مليئة بالمغالطات. ونفس المغالطات قرأتها على بعض الصفحات التابعة لحركة النهضة.

المغالطة الكبرى هي نوع من تزوير التاريخ الحقيقي بهدف فبركة تاريخ آخر تجد فيه حركة النهضة مكانا في علاقة باتحاد الشغل، أو يكسبها نوعا من الشرعية. وهي الحركة التي هاجمت الآتحاد بالمليشيات سنة 2012 في ذكرى اغتيال حشاد واعتدت على النقابيين بالهراوات، وتدفّقت دماء عزيزة وسالت في بطحاء محمد علي، بطحاء العزّة التي لا يعرفها سي عبد اللطيف المكي الذي قال:" إن الإسلامي الشيخ الفاضل بن عاشور كان أول رئيس لاتحاد الشغل".
والرسالة التي يريد تبليغها للناس من خلال هذه الجملة هي رسالة مزدوجة:
أ) الإسلاميون عندهم تاريخ في الآتحاد.
ب) الآسلاميون عندهم شرعية الامتداد الزيتوني، والفاضل بن عاشور إسلامي.

لي ملاحظتان على غاية من الأهمية حول هذا الآدعاء اللاأخلاقي.

أولا، الشيخ الفاضل بن عاشور كان من أوائل الذين زرعوا أفكار التنوير والاجتهاد في جامع الزيتونة، بالإضافة إلى ذلك كان رجلا ديمقراطيّا في تفكيره، محترما لآراء الآخرين الذين كانوا يمثّلون النخبة التونسيّة من غير رجال الدين. والرجل نذر حياته انتصارا للإصلاح والتحديث لا نظريّا فقط، بل عمليّا وبالممارسة أيضا. لذلك لم يتردّد في المشاركة الجادّة في النّضال الاجتماعي والسياسي والثقافي منذ سنوات شبابه الأولى. وانطلاقا من عشرينات القرن الماضي، نجده مشاركا في أهمّ النشاطات السياسيّة والثّقافيّة. كما سيعتلي المنابر الكبيرة مدافعا عن الأفكار الإصلاحيّة منتقدا الغلاة المتزمّتين وأعداء الاجتهاد، وأعداء حرية المرأة وأعداء المساوة، منتصرا للحركات السياسيّة الحداثية وللحركة العمالية الاشتراكية.
ثم برز العلامة الفاضل بن عاشور أكثر في الأربعينات بسبب نشاطه الداعم للقضية الفلسطينية، وقد جلب له هذا النشاط التقدير والاحترام والتأثير في الساحة الوطنية، وهو ما هيأه لأن يترأس الاتحاد العام التونسي للشغل عند تأسيسه في 20 جانفي 1946، حيث انتخب حشاد أمينا عاما وعين هو رئيسا شرفيا. كما تم تعيينه في الديوان السياسي للحزب الحر الدستوري الجديد بزعامة الحبيب بورقيبة.
كما ترأس الشيخ محمد الفاضل بن عاشور جمعية الخلدونية، وكافح من أجل أن يرتقي بالتعليم فيجعله تعليما عصريا. وأسس "معهد الحقوق العربي" و"معهد الفلسفة"، وسافر في مهمات علمية خارج تونس، وألقى محاضرات عديدة في عدد من الجامعات الأجنبية من بينها جامعة السوربون بباريس، وجامعات إيطاليا وسويسرا وألمانيا والنمسا واليونان ويوغسلافيا وبلغاريا… بل أن من أهم المؤتمرات التي شارك فيها مؤتمرات المستشرقين بباريس، وهو عضو في المجمع اللغوي بالقاهرة، وعضو مراسل بالمجمع العلمي العربي بدمشق، ومجمع البحوث الإسلامية بمصر.

وكما تلاحظون، مسيرة الرجل لا علاقة لها بحركة الإخوان المسلمين لا في الفكر ولا في الممارسة. يعني الفاضل بن عاشور إبن مدرسة التسامح الزيتوني ومناهضة التكفير والإرهاب الديني. وهنا يجب أن نذكر برسالة والده الطاهر بن عاشور الأكثر تأصيلا وتفصيلا وتوثيقا على المزاعم الوهابية في موسوعة التحرير والتنوير. في حين نجد راشد الغنوشي الآن يمجد محمد بن عبد الوهاب ويعتبره "مجددا أحيا فكرة الجهاد"!

وفي الوقت الذي كان فيه الفاضل بن عاشور في الديوان السياسي لحزب الحبيب بورقيبة، كفرت حركة النهضة بورقيبة واعتبرته ماسونيا وعلمانيا وملحدا.

وفي الوقت الذي كان فيه الفاضل بن عاشور رئيسا لاتحاد الشغل، لا ينسى التوانسة مقالة راشد الغنوشي في مجلة المعرفة التي هاجم فيها إضراب 26 جانفي 1978 وهاجم قيادة الآتحاد تملقا لنظام الحكم آنذاك.

وفي الوقت الذي كان فيه الفاضل بن عاشور ملتزما بالدفاع عن تحرير فلسطين، وقفت حركة النهضة بقوة ضد قانون تجريم التطبيع. والتوانسة جميعا يعرفون اليوم أن أكبر الدول دعما للكيان الصهيوني وتحالفا معه هي نفس الدول التي تدعم حركة النهضة من قطر إلى تركيا إلى اليمين الأمريكي المتطرف والمتصهين.

وبهذا المعنى سي عبد اللطيف المكي أنت تتحيل على الآتحاد وعلى الفاضل بن عاشور. وليس للرجل أية علاقة بحركة ارهابية مثل حركة النهضة. علاوة على أن أصولها الفكرية أجنبية لا صلة لها بجامع الزيتونة. وإذا كان لحزب سياسي الحق في الاعتزاز بالفاضل بن عاشور اليوم والحق في اعتباره جزء من تراثه التنويري التقدمي فهو الوطد وليس حركة النهضة.
--------------

ثانيا، أريد أن أذكر في هذه الورقة بالسياق التاريخي الذي ترأس فيه الشيخ العلامة الفاضل بن عاشور الآتحاد العام التونسي للشغل. وأدحض أكاذيب متحدثي النهضة المرضى بعقدة الحقد على اتحاد الشغل. والذين كما بينت أعلاه لا علاقة لهم بالفاضل بن عاشور وبمشائخ الزيتونة الوطنيين المتنورين لا من قريب ولا من بعيد.

منذ أن انتقل فرحات حشاد من قرقنة إلى صفاقس عام 1943 واستقر مع زوجته في بيت صغير متواضع لا ماء فيه ولا كهرباء، حيث كان يقرأ ويكتب مناشيره على ضوء "القازة" (كما تروي المرحومة أم الخير أرملة الشهيد). ورأى الفقر والخصاصة في تلك المدينة البحرية العاملة. ورأى المرسى الصناعي العملاق الذي تجر إليه القطارات ثروات المناجم التونسية المنهوبة لتشحن وتغادر البلاد عبر البحر. منذ ذلك الحين اقتنع بفكرة الاستقلال وامتلأ بها. والدليل على ذلك أنه ما أن عادت الحريات النقابية إلى تونس بداية 1944 حتى استقال من ال (س.ج.ت) وأسس النقابات المستقلة بالجنوب التي ستكون إحدى النواتات الأولى لتأسيس الآتحاد العام التونسي للشغل في 20 جانفي 1946 إلى جانب نقابات الوسط والشمال ونقابة الموظفين. بحيث كان الآف العمال التونسيين في أشد الحاجة إلى منبر نقابي تونسي يمثلهم ويحميهم ضد الآستغلال الآستعماري الفاحش.

حشاد مسكون بفكرة الاستقلال منذ مدة كما ذكرت. وبحكم طبيعة تكوينه النقابي ومعرفته الدقيقة بميزان القوى، وبحكم ذكاء الرجل وفطنته واحتكاكه اليومي بالناس، كان شديد الإيمان بإمكانيات الشعب التونسي، ولكنه شديد الإيمان أيضا بأن مواجهة فرنسا الاستعمارية ودحرها وتحرير تونس يحتاج حلفاء دوليين كبار في العالم. وهذا ما جعله يفكر في انضمام الآتحاد إلى تجمع نقابي عالمي كبير يكون له تأثير في الغرب، حتى يتمكن من حماية الآتحاد، ويسهل عليه الوصول إلى إدراج القضية التونسية ضمن اهتمامات الأمم المتحدة، والحصول على دعم دولي من داخل المعسكر الغربي للضغط على فرنسا بخصوص مطلب الاستقلال. وهكذا بدأ حشاد يعبد الطريق لكي يشق الآتحاد طريق الكفاح على المستوى الدولي.

فكيف تمكن حشاد من إقناع الغرب بأن الآتحاد العام التونسي للشغل ليس منظمة يسارية؟ خاصة وهو يعرف جيدا أن تجربة محمد علي الحامي في جامعة عموم العملة تم تكسيرها بذريعة الشيوعية.

عن طريق صديقة حشاد المناضلة الوطنية زكية باي إبنة لمين باشا باي (والتي هي صديقة الفاضل بن عاشور في نفس الوقت) وبتدخل من صالح بن يوسف الكاتب العام للديوان السياسي للحزب الحر الدستوري آنذاك، نجح حشاد في إقناع العلامة الوطني الجليل بأن يترأس الآتحاد باعتباره رجل دين معروف لدفع تهمة الشيوعية واليسار على الآتحاد، ولإقناع الباي بذلك حتى يلعب دوره في تحييد المقيم العام لكي لا تقف فرنسا ضد انضمامه لجامعة النقابات الحرة.

في ذلك الوقت كان هنالك الاتحاد العالمي للنقابات المنحاز للمعسكر الشيوعي ومقره ب"براغ" المعادي للغرب، وقد كان تأسس في باريس عام 1945. وفي نفس الفترة كان هنالك قرار بتأسيس جامعة عالمية للنقابات الحرة تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية. وفي النهاية، وبعد نقاش عميق، قرر الآتحاد انضمامه لجامعة النقابات الحرة ببروكسيل لا انتصارا للعالم الرأسمالي، بل إنتصارا لقضية الاستقلال الوطني.

باختصار، و دون إطالة، ودون الدخول في التفاصيل، هكذا وصل الحبيب بورقيبة إلى الأمم المتحدة. ومن هذا الباب خاضت الحركة الوطنية معركتها السياسية والديبلوماسية. وبالمناسبة، ولتذكير هولاء الحمقى الجحودين المتنكرين لتاريخ بلادهم، تم اغتيال الزعيم النقابي فرحات حشاد يوم 5 ديسمبر 1952، في نفس الوقت ونفس اليوم كانت اللجنة السياسية للأمم المتحدة تدرس القضية التونسية، وهو مايعني أن السلطات الاستعمارية تدرك من الذي أحدث في مكانتها ثقبا ديبلوماسيا لا يمكن غلقه. وهي تدرك أن هذا الرجل هو الذي سيذلها ويطردها من تونس إن بقي على قيد الحياة.

هذا تاريخ الآتحاد وتاريخ تونس لا تمحوه الأكاذيب. وحركة النهضة في الحقيقة غريبة على هذا التاريخ. ولذلك عندها عداء أسود لتونس الحديثة برمتها. عداء لبورقيبة ولمشائخ الزيتونة ولاتحاد الشغل ولليسار ولكل ضوء يشير إلى الحرية والتقدم والسلم.

___________________
الصورة ملتقطة في موتمر ليلة القدر (23 أوت 1946)، يظهر فيها الزعيمان فرحات حشاد وصالح بن يوسف يتوسطهما الشيخ الفاضل بن عاشور.



تعليقات الفيسبوك