نقابات عمالية طبقية ام بيروقراطية نقابية برجوازية؟


سيزار ماثيوس
2019 / 4 / 6 - 11:41     

في مقالة سابقة كتبتها حول النقابات العمالية في العراق وابرز ماتعانيه ولكن السؤال هل يستمر الحال هكذا والى اين ستقود هذه النقابات الطبقة العاملة ؟؟ فنحن كشيوعيين عماليين ندرك حتميا أن الصراع الطبقي والاستغلال الذي تتعرض له البروليتارية العمالية ناتج عن سرقة جهد العامل وفائض عملة والتقسيم الذي قام به ماركس حول هذا في كتابه الشهير رأس المال , ولكن كيف كان نضال الحركة العمالية العالمية ابتداء من أول تنظيم نقابي عالمي اسسه ماركس وانجلز تحت مسمى (الجمعية الاممية للعمال ) ( اتحاد الشغيلة الاممية) الذي سرعان ما انهار امام القوى البرجوازية التي سيطر الخوف عليها من شبح وخطر الشيوعية كما عبر ماركس عنها في بيان الحزب الشيوعي فأين تكمن المشكلة الآن تكمن في أن التصور السائد حول طبيعة العمل النقابي الذي يروج الى أن دور النقابة هو النضال من أجل رفع مستوى معيشة العمال وتحسين ظروف عملهم وحياتهم في ظل علاقات الإنتاج الرأسمالية للطبقة العاملة بينما هي تعمل على تحسين شروط الاستغلال الرأسمالي لا للقضاء عليه.
ولا يسود هذا التصور داخل صفوف النقابيين التقليديين فحسب، بل يقبل به ويتبناه كذلك غالبية النقابيين اصحاب الميول الاشتراكية البرجوازية وكذلك يعتبرون أن هذا الوصف يعبر عن الطبيعة الجوهرية للعمل النقابي وما ينبغي أن يكون عليه في كل مكان.
والمشكلة الكبرى في هذا التصور هي أنه يتعارض مع حقائق التاريخ إنه ينظر للنقابة ككيان مطلبي احتجاجي وذا طابع قومي وانتهازي في بعض الأحيان فإذا نظرنا للتطور التاريخي للنقابات القائمة اليوم في اوربا فسنجد أنها نتاج لصراع طبقي عنيف استطاعت الرأسمالية خلال مراحل طويلة من الصراع أن تفرض على النقابات نوعًا من الوفاق التاريخي.

حيث نشأت النقابات في بدايات القرن الماضي في خضم صراعات هائلة خاضتها الطبقة العاملة الناشئة خلال الثورة الصناعية اضافة الى تعاظم المد للحركات الاشتراكية وتفجر الثورات في أوربا مثال على ذلك كومونة باريس 1871 وكانت هذه النقابات عبارة عن تجمعات قاعدية جماعية ظهرت في صفوف العمال في معترك نضالهم الطبقي واتسمت في مراحلها المبكرة بثلاث سمات هامة وهي :

كانت في الأغلب نقابات عامة تنظم العمال على أساس طبقي ولا تفرق بينهم تنظيميًا على أساس الحرفة أو الصناعة كانت البنية التنظيمية للنقابات بسيطة حيث لم تكن قد تبلورت بعد بيروقراطيات للعمل النقابي منفصلة عن أماكن العمل كانت النقابات مسيسة ولم تكن قد عرفت بعد التفرقة المصطنعة بين النضال الاقتصادي والنضال السياسي، وكان التصور السياسي السائد في أوساطها تصورًا اشتراكيًا عماليًا ذو صبغة نضالية متأثرة بما جاء به الرفيق كارل ماركس .

وبالطبع شنت البرجوازية حربًا شعواء ضد هذه النقابات، فراحت تنكل بقيادات النقابات وتهدد العمال المنضمين للنقابات بالحرمان من العمل كما حصل في امريكا وبريطانيا والخ.. وتستخدم أدوات القهر البوليسية في قمع الإضرابات وفض الاجتماعات النقابية…الخ. ولكن سرعان ما تبين للبرجوازية ان هذا الامر يزيد القضية اتساعا اضافة الى الصعود التاريخي للطبقة العاملة في روسيا إبان ثورة أكتوبر الاشتراكية مما ادى لزيادة الشعور المتنامي للتضامن الاممي للعمال كما يذكر جون ريد في كتاب عشرة ايام هزت العالم وما كان من تضامن الحركات والنقابات العمالية الامريكية ابان احداث ثورة اكتوبر فراحت البرجوازية تلجأ إلى وسيلة أخرى هي استيعاب النقابات بدلاً من سحقها هكذا اعترفت البرجوازية بالنقابات وأضفت عليها الشرعية في مقابل رضوخ هذه النقابات لأهم مطالب البرجوازية ألا وهو تقليص أهدافها إلى الحدود التي لا تشكل خطرًا على استقرار المجتمع البرجوازي، أي تحديدًا الاكتفاء بالنضال الاقتصادي الذي يهدف إلى تحسين شروط الاستغلال لا القضاء عليه.
اضف الى ذلك تبلور شريحة من المسئولين النقابيين ذوي مستوى معيشي وظروف حياة وعمل مختلفة كلية عن العمال العاديين يتولون قيادة العمل النقابي والوساطة بين الطبقتين الرئيسيتين في المجتمع البرجوازية والبروليتاريا. ومن جهة أخرى، راحت النقابات تنظم العمال على أساس الحرفة أو الصناعة وغياب الحضور الاشتراكي وسط هذه الحركات وغياب الديمقراطية المباشرة للعمال كما تقول روزا لوكسمبورغ حيث أصبحت الآلية بالعكس من اعلى الى اسفل وليس من اسفل الى اعلى بمعنى توضيحي كانت النقابات تنشأ من تجمع عام للعمال داخل المصانع يقومون بانتخاب من يمثلهم ولكن ليس بصفة حتمية حيث بمجرد تماهي هذا الممثل للبرجوازية ورب العمل يتم استبداله هذا التقاليد المجالسي الذي انتشر في فترات الثورات الاشتراكية من 1905 الى 1924 لكن صعود نخب من الموظفين المطيعين التي وفرت لهم البرجوازية عن طريق منظماتها السفر والمال والخ... وخير دليل المنظمات الدولية والعربية حيث أدرك العامل الانقسامات والحروب بين النقابيين حول من يرأس الوفد ومن يذهب للسفر ، اخبركم بموقف غريب (احد اصدقائي في احدى النقابات كان يتحدث مع رئيسه حول طرد عدد من الاعضاء لانهم اختفوا ولم يظهر صوتهم إلا في اللقاءات التي يقيمها الاتحاد مع القوى الرجعية في العراق ومشاكل كثيرة حول كلمة لماذا لم تجعلوني على قائمة الوفود ؟ )
فهذا ان دل على شيء فأنه يدل على مدى "انحطاط" هذه الحركات التي تتاجر باسم العمال بدم العمال بنضال العمال حيث ان الرأسمالية استطاعت أن تروض النقابات التي صارت تلعب دورًا هامًا في لجم سخط الطبقة العاملة واحتوائه داخل الحدود الآمنة.

ولكن الرأسمالية لم تكن هي المستفيد الوحيد من هذا الوضع، بل استفادت منه كذلك البيروقراطية النقابية. فعلى الرغم من أن عناصر هذه البيروقراطية تأتي في الأغلب من داخل صفوف العمال، فإن وظيفتهم الاجتماعية في الوساطة والتفاوض، ومستوى معيشتهم الذي يزيد بما لا يقاس على مستوى معيشة العمال العاديين، والاستقرار الذي يتسم به عملهم الذي لا يتهدد بتقلبات السوق، والعالم الذي يعيشون فيه (عالم المكاتب المريحة والاجتماعات “الهامة” مع الشخصيات “المحترمة”) كل ذلك يجعل من البيروقراطية النقابية طبقة منفصلة عن الطبقة العاملة. إنها في الواقع إحدى شرائح البرجوازية الصغيرة وصرخاتها. أن البيروقراطية النقابية هي جزء من البرجوازية الصغيرة تحيا على أساس دورها الوسيط بين البرجوازية والطبقة العاملة. وحيث إن وجودها ذاته يرتبط باستمرار عملية الوساطة، فإن لها مصلحة مؤكدة في استمرار المجتمع الطبقي ذاته.

ماذا تقول الشيوعية العمالية في تأسيس المنظمات العمالية كما جاء به منصور حكمت

حيث يقول في احد ابحاثه نحن الشيوعيون نعارض مثل هذا النوع من المطاليب لتشكيل المجلس والنقابة من الحكومة. ليس ثمة جزء من الطبقة العاملة بقدر الشيوعيين يدافع عن تشكيل العمال لمنظماتهم وتنظيماتهم الجماهيرية العلنية. ان هذا شرط تقدم الطبقة العاملة. بيد أننا نعارض ان يطلب العمال تشكيل هذه المنظمات، تشكيل المجالس والنقابات من الحكومة ووزارة عمل الرأسماليين. اننا نعارض ان يطلب العمال من الحكومة والرأسماليين ان ينظموهم، في النقابات والمجالس. اننا نعارض ان يجعل العمال، وبأيديهم، الحكومة تحكم على شؤون العمال ويطلبون منها ان "تكون مراقباً" وقاضي "صلاحية" ممثلي العمال.
ولكن اي نقابي اصلاحي و ذا تجربة قضى ردحاً من الزمن في تعقب الحقوق النقابية للعمال سيحتج على كلامنا هذا بالطبع ويقول: "انها لحقيقة وانكم انتم الشيوعيون توافقون عليها هي ان العمال بحاجة الى تنظيمهم الجماهيري. ليس بوسع العمال أن يصبروا وهم يشهدون يومياً تقليص وتصاعد ضغط وشدة العمل وحرمانهم ان يقفوا مكتوفي الأيدي. ويقوموا في صبيحة يوم، وبصورة فورية، بالثورة الشيوعية، ليقيموا الحكومة العمالية ويطبقوا كل ماذكرتموه انتم الشيوعيون في برنامجكم. على العمال ان يناضلوا، وبصورة يومية، من اجل تحسين اوضاعهم؛ وان ذلك يستلزم منظمات جماهيرية ومهنية للعمال".

هذا صحيح فنحن متفقون مع ما ذكر حتى الآن وليس هذا وحسب، بل نقول ان المنظمات الجماهيرية للعمال هي ليست الاداة الوحيدة لتحسين اوضاعهم فحسب، بل بوسعها كذلك ان تكون ارضية لتحسين تنظيم العمال وتسريعه تحت مظلة السياسة الثورية للطبقة العاملة، اي السياسة الشيوعية. بل اننا نحن الشيوعيون لا نعتبر لا الاصلاحات فحسب، بل حتى الثورة العمالية امراً عملياً دون المنظمات الجماهيرية المختلفة للعمال، اي دون منظمات تنظم في صفوفها ملايين العمال.

"ايها العمال! ان تأسيس المجالس والمنظمات العمالية هو شأنكم. لا تطلبوه من الحكومة ولا تنتظروا ترخيص واشراف الحكومة. على العكس، اعلنوا ان ليس للحكومة اي تدخل في هذه المسالة ويجب ان تعترف بالمنظمات الجماهيرية للعمال دون قيد او شرط". (منصور حكمت)

تحياتي لكم الرفيق سيزار
المصادر . تاريخ الحركة النقابية العالمية 3 أجزاء
منصور حكمت تأسيس المنظمات العمالية شأن العمال انفسهم (://hekmat.public-archive.net/ar/0230ar.html)




تعليقات الفيسبوك