الرأسمالية المعولمة والطائفية السياسية


لطفي حاتم
2019 / 3 / 28 - 23:53     



ـ وضع انهيار التشكيلات الاجتماعية الاشتراكية الدول الوطنية امام منافسة التوسع الرأسمالي مجردة من الحلفاء الدوليين وبهذا المعنى اصبحت المنافسة الرأسمالية بين الدول الرأسمالية الكبرى تتمحور حول السيطرة على مراكز الثروة الوطنية في البلدان النامية .
استنادا الى ميول الرأسمالية المعولمة الهادفة الى تفتيت الدول الوطنية بهدف السيطرة على ثرواتها الوطنية وتهميش تشكيلتها الاجتماعية نعمد الى دراسة تلك الميول وتأثيراتها من خلال العناوين التالية ـ
العنوان الاول ـ المرحلة الكولونيالية وطبيعة الهيمنة الدولية .
العنوان الثاني ـ الطبقات الاجتماعية الفاعلة في التشكيلات الوطنية .
العنوان الثالث ـ صيانة الدولة الوطية من ميول الهيمنة والتهميش .
استنادا لتلك العناوين نحاول مناقشة مضامينها والتوصل الى بعض الاستنتاجات الساندة لكفاحنا الوطني الديمقراطي .
ـ اولا ـ المرحلة الكولونيالية وطبيعة الهيمنة الدولية .
ـ من المفيد التذكير ان اسلوب الانتاج الرأسمالي نشأ وتطور تبعا لسيادة وتطور قواه الاجتماعية القائدة وتبعاً لذلك فقد مرت الرأسمالية بمراحل عديدة من تطورها متكيفة تبعا لمصالحها وتناقضات قواها الطبقية الفاعلة وبهذا الاطار اجتازت التشكيلة الرأسمالية أطوار مختلفة ابرزها مرحلة المنافسة الرأسمالية التي اجتاحت العالم بعد تمكن الرأسمالية من نشر نموذجها الانتاجي ,
ــ سعت الرأسمالية الكولونيالية الى وضع دول العالم الثالث تحت حمايتها السياسية ـ الاقتصادية لغرض استغلالها بهدف تسريع نمو الراسمالية الاقتصادي وبهذا المسار انجزت المنافسة الرأسمالية لشعوب العالم الثالث حزمة من التغيرات الاقتصادية ـ الاجتماعية التي ساهمت ببناء بنيتها الوطنية فضلا عن صراع مكوناتها الطبقية السلمي المستند على الشرعية الانتخابية ناهيك عن رفضها للهيمنة الخارجية .
ان التغيرات التي قدمتها الدول الكولونيالية للدول المستعمرة يمكن تأشيره عبر الرؤى التالية ـ
ـ بسبب المنافسة الرأسمالية العالمية ساعدت المرحلة الكولونيالية على بناء الدول (الوطنية) وقواها الوطنية المناهضة للهيمنة الاقطاعية رغم اعتماد الكولونيالية على الطبقة الإقطاعية في ادامت سيطرتها الاستعمارية بعد تقويتها كطبقة اجتماعية .
ــ اسهمت الرأسمالية الكمبورادورية بعد احتلالها للدول ( الوطنية ) في نشوء طبقات اجتماعية منها ـ الطبقة العاملة ــ الطبقات الكمبورادورية والإقطاعية ـ بسبب بناءها للمرافق الحيوية في البلاد ــ السكك الحديدية ــ النفط استخراجه وتكريره فضلا انشاء الموانئ البحرية لغرض تصدير منتجاتها البترولية .
ــ بسبب بناء أجهزة الدولة الادارية والعسكرية للدول الوطنية الجديدة اتسع نمو وتطور الطبقة الوسطى المترابط نموها والجهاز الاداري للدولة الجديدة .
ـبسبب التبدلات الاجتماعية الاقتصادية التي اقامها الوافد الكولونيالي وتشكل الطبقات الاجتماعية نشأت الاحزاب السياسية التي اعتمدت الوطنية في كفاحها المناهض للهيمنة الاجنبية .
ـ اقام الوافد الكولونيالي نظم سياسية شبه ديمقراطية تعتمد (الشرعية الانتخابية ) جرى توظيفها من قبل الاحزاب الوطنية في العملية الانتخابية والمساهمة في الحكم .
ــ اعتمدت الاحزاب الاشتراكية واليسارية النزعة الانتخابية في كفاحها الوطني رغم تبدل الرؤية الأيديولوجية للأحزاب الثورية من الشرعية الانتخابية تبعا لتطور مسار الكفاح الوطني ـ الديمقراطية .
ــ فرضت الشروط الكولونيالية والهيمنة الاستعمارية على الاحزاب الوطنية ضرورة بناء تحالفات سياسية مناهضة للهيمنة الكولونيالية ومنتجاتها السياسية ـ الاجتماعية .
استنادا الى تلك المعطيات نخلص الى موضوعة فكرية مفادها ان المرحلة الكولونيالية ساهمت بنشوء وبناء الدولة الوطنية وتطور نزاعات طبقاتها الاجتماعية .
ثانيا ـ ـ التشكيلة الوطنية العراقية وطبقاتها الاجتماعية .
ــــ افضت ثورة تموز بعد اطاحتها بالنظام الملكي وقاعدته الاجتماعية المتمثلة بالبرجوازية الكمبورادورية والإقطاعية الى تعبيد الطريق أمام نهوض طبقات اجتماعية في بناء التشكيلة العراقية النامية ، وبهذا السياق تطورت الطبقات الاجتماعية الفاعلة منها ــ الطبقة العاملة ــ البرجوازية المتوسطة والصغيرة ــ بأحزابها السياسية القومية والاشتراكية التي لعبت أدوارا اساسية في تطور البلاد السياسي والاقتصادي .
ــ اجراءات السلطة الوطنية الجديدة ساهمت بنقل الدولة العراقية الى مستوى الدول المتنورة والعاملة على بناء علاقاتها الاقتصادية وفقا لمصالحها الوطنية ، وبهذا المسار عملت قيادة السلطة الجديدة الى توطيد العلاقات مع الدول الاشتراكية مساندة بذات الوقت حركات التحرر الوطنية .
ــ الغت الدولة الجديدة الطائفية السياسية وحاولت بناء دولة وطنية جديدة راعية لمصالح جميع الطوائف الدينية والأقليات الاثنية.
ـ الانجازات الاقتصادية ـ الاساسية الحاصلة في التشكيلة الوطنية العراقية لم يجر مساندتها من القوى المتنفذة في المؤسسة العسكرية وأطراف سياسية مناهضة للعهد الجديد ، وما نتج عن ذلك من انقلاب دموي مبارك من قبل الدوائر الامبريالية .
ــ حمل الانقلاب الجديد كثرة من الرؤى الاجتماعية ـ الاقتصادية المساندة من القوى الكولونيالية وأطراف عربية اخرى .
ــ بسبب ضيق قاعدته الاجتماعية واعتماده الطائفية السياسية اجرى النظام الانقلابي تحولات ايديولوجية تمثلت بدعم ومباركة القوى السنية السياسية الحاكم تحت شعارات الوحدة العربية .
ـ حاولت السلطة الجديدة القضاء على المعارضة السياسية اليسارية ومنع الطوائف الاخرى من التمتع بحقوقها الدينية الطائفية وبذلك اصبغ الحكم الجديد صفة الطائفية على اجراءاته السياسية ـ الاجتماعية,
ــاحتكر قادة الانقلاب الدموي سلطات الدولة الجديدة العسكرية ـ الادارية وتم اعتماد سياسة مناهضة كل القوى الوطية الراغبة بالمشاركة في ادارة الدولة العراقية .
ــ انطلاقا من بنيتا القومية العربية انكرت القيادة السياسية للانقلاب الفاشي الحقوق القومية للشعب الكردي والأقليات القومية الاخرى .
ــ بسبب احتكاره السلطة السياسية وبهدف الهيمنة الاقليمية اشعل النظام الاستبدادي الاضطهاد السياسي الداخلي ومواجهة القوى الاخرى في الدول المجاورة.
ـ اعلانه الحرب على الثورة الاسلامية في ايران بسبب صبغتها الدينية ـ الطائفية خشية امتدادها للدولة العراقية ذات الاغلبية الشيعية .
بكلمة اخرى ان الاجراءات الاقتصادية والسياسية في الدولة العراقية بعد انقلاب شباط الدموي يمكن تأشيرها بالمحددات التالية ـ
1 ــ استبدال الوطنية العراقية بشعار التضامن القومي المرتكز على الطائفية السياسية .
2 ـ بسبب ضيق قاعدته الاجتماعية وغياب رؤيته الوطنية حاول النظام الحاكم الاختفاء وراء واجهات قومية ـ اشتراكية والسعي للامتداد الاقليمي .
3 ــ ركز النظام البعثي على الخارج الاقليمي تحت اردية ايديولوجية بعكس ثورة تموز التي اهتمت بالواقع الوطني العابر للطائفية لسياسية .
لقد أدت الاجراءات المشار اليها اضافة لغزو الدولة الكويت الى التدخل الامريكي العسكري الذي اطاح بسلطة الحزب الواحد وإنعاش الطائفية السياسية التي جرى تكريسها بمجلس الحكم.
ثالثا ـ بناء الدولة الوطية وحمايتها من التبعية والتهميش .
ــ تلازم انهيار الدولة العراقية ودخول اسلوب الانتاج الرأسمالي مرحلته المعولمة حاملا معه كثرة من المتغيرات في الفكر السياسي نحاول تأشير بعضها ـ
ــ ارتكاز الرأسمالية المعولمة الامريكية على نهوج التبعية والتهميش والالحاق للدول الوطنية بعكس المرحلة الكولونيالية التي ساعدت على بناء الدول الوطنية وتشكيلاتها الاجتماعية .
ــ سعى الرأسمالية المعولمة الى تحويل النزاعات الطبقية الى نزاعات طائفية / عرقية بهدف تفتيت التشكيلات الاجتماعية وإضعاف بنيتها الطبقية.
ـ تعمل الرأسمالية المعولمة على تفتيت مفاهيم الوطنية والديمقراطية التي تعني التطوير الوطني ـ الديمقراطي للنظام الوطني وبنيته الاجتماعية واستبدالها بهيمنة طائفية سياسية ــ عرقية .
ــ تحويل الدولة الوطنية من رافعة للتطور الاجتماعي ـ الاقتصادي الى جهاز بيروقراطي عبر تحويل نظامها السياسي الى نظام استبدادي كابح للتطور الوطني ـ الديمقراطي.
ان الموضوعات المشار اليها التي حاولت الرأسمالية الامريكية المعولمة تكريسها في الدولة العراقية بعد الاطاحة بالنظام الديكتاتوري وشعاراته القومية المطرزة بطائفية سياسية .
ان الخروج من الطائفية السياسية المباركة من القوى الرأسمالية المعولمة يشترط النهوض الوطني على قاعدة بناء التحالفات الوطنية الديمقراطية الهادفة الى ــ
ـ اعادة البناء السياسي للدولة الوطنية بعد تحويلها من دولة استبدادية الى دولة ديمقراطية راعية لمصالح طبقاتها الاجتماعية المنتجه.
ــ ارساء البنية الاجتماعية على اساس النزاعات السلمية بين الطبقات الاجتماعية الهادفة الى تلبية مصالح مكوناتها الاجتماعية .
ــ بناء الشرعية الوطنية للحكم على اساس الشرعية الديمقراطية والمنافسة السلمية بين البرامج الوطنية للأحزاب السياسية والتجمعات الاجتماعية الاخرى .
ــ عزل النشاط السياسي للطبقات الثانوية ـ البرجوازية الكمبرادورية وبعض الشرائح المالية الساندة للعولمة الرأسمالية بهدف تحجيم دورها في التشكيلة العراقية .
ــ بناء علاقات مع الدول الرأسمالية الوطنية المناهضة للهيمنة الخارجية والمستندة على مصالح البلاد الوطنية .
ان الرؤى والأفكار التي تضمها البحث المكثف أزعم انها تساهم في اضاءة الطريق امام القوى الوطنية الديمقراطية لتوطيد لحمتها الاجتماعية بهدف تحصين الدولة الوطنية في مناهضة التبعية والتهميش .
استنادا الى ما تضمنه البحث المكثف لابد من تثبيت الاستنتاجات التالية ـ
أولا ــ تشكل الطائفية السياسية غطاء أيديولوجيا يسعى الى اخفاء مصالح الطبقات الثانوية ـ الكمبرادورية ـ قسم من الشرائح المالية ـ المتجاوبة ومصالح الرأسمالية المعولمة وميولها التخريبية .
ثانيا ـ بهدف التعتيم على اهدافها الطبقية تتشارك الرأسمالية المعولمة مع الطائفية السياسية في انكارها لمبدأ ا لوطنية الضامن لمصالح الدولة الاجتماعية .
ثالثا ـ تسعى الرأسمالية المعولمة والطائفية السياسية الى تهميش التشكيلات الاجتماعية وتحويل طبقاتها الاجتماعية الى تجمعات سكانية متناحرة غير قادرة عن الدفاع عن بلادها الوطنية.
رابعا ــ تشكل التحالفات السياسية الديمقراطية اداة طبقية وطنية هادفة لصيانة الدولة الوطنية وتحجيم توجهات الرأسمالية المعولمة والطائفية السياسية في تخريب التشكيلات الاجتماعية.



تعليقات الفيسبوك