ستالين القضية وليس الشخصية


فؤاد النمري
الحوار المتمدن - العدد: 6163 - 2019 / 3 / 4 - 21:38
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     



هناك أربعة آباء للشيوعية وهم ماركس وإنجلز ولينين وستالين، لكن إسم ستالين هو الأكثر لمعانا بين الأسماء الأربعة وسبب ذلك أن ستالين هو من حول نظريات وأفكار ماركس وإنجلز ولينين إلى وقائع جامدة على الأرض وهو من بنى أقوى دولة في الأرض عبر التاريخ . صحيح أن الحزب الشيوعي بقيادة لينين هو من أشاد أركان الدولة السوفياتية على الأرض الروسية لكن لينين أقعده المرض في العام 22 حينما كانت الشعوب السوفياتية تبيت على الطوى، بكلمات لينين، وليس من حيلة لديها في مضمار الإنتاج سوى المحراث الخشبي تجره الحيوانات تبعاً لتشيرتشل . ثم مات لينين في يناير 24 وخلف وراءه ستالين وهو لينين الذي لم يمت كما أكد ذلك في خطاباته في جامعة سفردلوف في "أسس اللينينية" في العام 24 . فكان ستالين هو من نقل العالم فعلياً من مسار إلى مسار آخر، من مسار الرأسمالية الإمبريالية إلى مسار الإشتراكية الشيوعية وهو المسار الناظم حتى اليوم الذي لا يتعرف عليه أولئك الذين لا يقرؤون التاريخ قراءة علمية وموضوعية ؛ بل وبسبب قصورهم في قراءة التاريخ لا ينفكون عن تقريعنا بدعوى أننا نعتقد أن التاريخ كان قد توقف برحيل ستالين رغم أن قراءتنا تقول عكس ذلك ؛ تقول أن التاريخ كان سيتوقف لو لم ينجح الأوغاد في المكتب السياسي للحزب في اغتيال ستالين بالسم في عشاء 28 شباط 53، وتم تطبيق الخطة الخمسية الخامسة بكامل مندرجاتها تبعاً لذلك في العام 55، وعندها لن تنجح البورجوازية الوضيعة السوفياتية في الإنقلاب على الاشتراكية التي تحسم الصراع الطبقي لصالح العمال وينتهي بذلك التاريخ . لكن البورجوازية الوضيعة السوفياتية بقيادة الجيش نجحت في الإنقلاب على الاشتراكية، ونجحت في طرد العمال عن مسرح التاريخ ليس في الاتحاد السوفياتي وحسب بل وفي العالم كله أيضاً بما في ذلك الولايات المتحدة زعيمة النظام الرأسمالي في أواسط القرن الماضي، وغدا صراع عمال العالم ضد طبقة البورجوازية الوضيعة العالمية أكثر تعقيداً وأشد صعوبة مما كان عليه ضد الرأسماليين . وهكذا كان ستالين سينجح في وضع نهاية للتاريخ بحسم الصراع الطبقي مبكراً في العام 55 لو لم يتم اغتياله في فبراير شباط 53 .

في مطالع القرن العشرين كانت بريطانيا العظمى أقوى إمبراطورية إمبريالية ظهرت عبر التاريخ وكانت مستعمراتها حول الكرة الأرضية لا تغيب عنها الشمس وكان الحارس الأمثل لتلك الإمبراطورية الإمبريالية هو ونستون تشيرتشل الذي كان في العام 1919 وزيراً للحربية وجهز ثلاثة جيوش أرسلها إلى روسيا لتخنق البلشفية في مهدها كما أعلن في مجلس الموم . حارس الإمبريالية الأمثل ونستون تشيرتشل كتب إلى ستالين في 6 ابريل نيسان 43 يقول .." أنا أعي بكل جوارحي أنكم العمالقة (Giants) ونحن لسنا مثلكم". وطالما أن الشيء بالشيء يذكر فقد حدث أن كان خروشتشوف وبولغانين رئيس الوزراء مدعوين إلى الغداء في 10 داوننغ ستريت مع رئيس وزراء بريطانيا انطوني إيدن في 19 ابريل نيسان 56 وكان ونستون تشيرتشل حاضرا الذي لم يراعِ أدب الضيافة فنهر خروشتشوف بالقول .. "كيف لك أن تهاجم ستالين فأنتم لولا ستالين لما كنتم شيئاً ما " .

ما أثارني للكتابة مرة أخرى عن ستالين ليست هي دعاوى المخابرات البريطانية والأميركية عن جرائم ستالين في تقتيل المعارضين السياسيين لحكمه وهم بموجب التحقيقات الشاملة في العام 56 لم يتجاوزعدد السياسيين المحكومين بالإعدام، خلال ولاية ستالين 1922 – 53، 120 ألفاً وهو عدد قليل نسبيا بالنظر للتحولات العميقة في المجتمع السوفياتي والأعداء المصيريين الكثيرين للثورة الإشتراكية . لربما أعدم في أميركا مثل هذا العدد وأكثر نسبياً خلال نفس الفترة دون أدنى تحولات في المجتمع علما بأن عدد السكان كان في أميركا حوالي نصف عدد السكان في الاتحاد السوفياتي . كما أن اللجنة المتخصصة من الحقوقيين التي قامت بمراجعة جميع أحكام الإعدام خلال تلك الفترة الطويلة لم تجد حكما واحداً تشوبه أية شوائب كما أكد فياتشسلاف مولوتوف رئيس مجلس الوزراء في الإتحاد السوفياتي منذ العام 29 إلى العام 41 .

كل كلاب البورجوازية الوضيعة لا تتوقف عن النباح ضد ستالين الشخص وليس ضد الشيوعية، وما ذلك إلا لأن هذه الكلاب تدرك بغريزة الكلاب أن ستالين هو القضية، قضية الشيوعية، فليس أسهل من أن تصف ستالين بالدكتاتور الدموي الذي يبطش بشعبه ولا يدحض تلك الأوصاف سوى القراء الموضوعية للتاريخ، وليس أسهل من تغييب التاريخ خاصة وأن جميع وسائط الإعلام هي ملك للبورجوازية الوضيعة قصراً وعلى رأس هذه الوسائط هي المحطة العامة للتلفزة الروسية . بدر لإدارة هذه المحطة المعادية للشيوعية في مطلع الألفية الثالثة أن تحقق استفتاء عاما حول السؤال " من هو أعظم رئيس لروسيا عبر تاريخها ؟" فكانت النتيجة في استفتاء شمل جميع سكان روسيا الإتحادية هي أن ستالين هو أعظم رئيس حكم روسيا . النتيجة بالطبع لم تعجب إدارة التلفزيون المعادية للشيوعية فكان أن ادّعت أن الشيوعيين زوروا في الاستفتاء فأعادته من جديد لكن بمحددات إضافية فجاءت النتجة أن ستالين هو في الدرجة الثانية يسبقه أمير مغمور قاد حملة عسكرية ضد الصليبيين قبل بضعة قرون وبدا جليّاً أن إدارة التلفزيون هي من زور النتيجة هذه المرة .
ما من واقعة تشير إلى شخص الفرد ستالين رغم أن ولاية ستالين كانت غنية بالوقائع والغييرات النوعية سواء بالقضاء على تروتسكي والتروتسكيين في نهاية العشرينيات حيث انتهى تروتسكي إلى العمل كجاسوس على الشيوعيين لحساب مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) قبل تأسيس المخابرات (CIA) كما أشارت المستمسكات في محفظته لدى تحقيق شرطة مكسيكو في مقتله، وفي تواصله مع النازية وتشجيع هتلر في الهجوم على الاتحاد السوفياتي وهو المارد الذي ساقاه من فخار كما كتب في إحدى المجلات الأميركية قبل مقتله . أم في تصفية المتعاونين مع تروتسكي ومع النازية كعضوي المكتب السياسي السابقين والمسجونين بجريمة الإشتراك في اغتيال كيروف الرجل الثاتي في الحزب وهما كامينيف وزينوفييف، ومجموعة الضباط المتآمرين على الدولة والحزب بقيادة المارشال توخاتشوفسكي في العام 37، وانتهاء ببوخارين وصديقه روكوف . كان ستالين ينطق بالحقيقة عندما قال أن تصفية هؤلاء الأعداء هو ما مكّن الاتحاد السوفياتي من الإنتصار على النازية . أم في الحرب العالمية الثانية كثيرة الأهوال وستالين القضية وليس الشخص هو من أصدر أمراً في 5 يناير 45 لقادة الجيوش السوفياتية بفتح أكبر معركة في تاريخ الحروب في 12 يناير بدل 28، رغم معارضة جميع القادة، من أجل إنقاذ جيوش الحلفاء المحاصرة في جبال شرق فرنسا تهددها الإبادة التامة على ايدي عشرين فرقة ألمانية وهو ما أدى إلى إنقاذها . في 12 يناير 45 فتحت النار من جبهة تمتد على عرض القارة شرق أوروبا شارك فيها 2.4 مليون جنديا ومئات آلاف المدافع و5 آلاف طائرة و 5 آلاف دبابة . الجيوش المشاركة لم تتوقف حتى احتلال برلين والقضاء على هتلر في مخدعه ورفع راية المنجل والشاكوش على الرايخ الألماني . ستالين القضية وليس الشخص ، متوجهاً بالقطار إلى برلين في منتصف يوليو 45 يبرق إلى المارشال جوكوف الحاكم العسكري لبرلين يأمره بألا ينظم أي استقبال له لدى الوصول لأن من شأن ذلك أن يجرح مشاعر الشعب في ألمانيا رغم كل الجرائم الفظيعة التي اقترفها الألمان بحق الشعوب السوفياتية طيلة الحرب، بينما كان قد وصل إلى برلين كل من الرئيس الأميركي ترومان ورئيس الوزراء تشيرتشل واستقبلا بعرض عسكري يليق بالفاتحين علما بأن جندياً أميركيا أو بريطانيا لم يدخل برلين فاتحا بل لم يحاربا ألمانيا على الإطلاق . وفي موتمر بوتسدام/ برلين وجه ستالين توبيخاً شديداً لتشيرتشل قائلاً .. "أنا أعلم يا تشيرتشل أنك لم تأت إلى هنا إلا لتأخذ نصيبك من غنائم الحرب، أما أنا فما أتيت إلا لأدافع عن حقوق الشعب الألماني الديموقراطية ؛ ذلك هو ستالين القضية وليس الشخصية .
عندما لفظ ستالين آخر أنفاسه لم يجد مأمورو الأحوال المدنية أي أثر لشخص ستالين، لا زوجة ولا عائلة أو أبناء ولا بيتاً حتى ولا ملابس أو أشياء تستحق التسجيل . كما انتهى ستالين القضية حين اجتمع أعضاء المكتب السياسي الكهول الذين توعدهم ستالين بالتقاعد بعد ساعات قليلة من وفاته وقرروا إبطال انتخاب الإثني عشر عضوا جديداً في المكتب السياسي الذين كان ستالين قد أصرّ على انتخابهم في المؤتمر الأخير للحزب ضمانة لمستقبل الثورة الإشتراكية كما أكد ستالين نفسه . وفي سبتمبر ايلول من نفس السنة اجتمعت اللجنة المركزية وقررت إلغاء الخطة الخمسية التي أعدها ستالين لتضمن انتصار الاشتراكية على صعيد العالم، وكان ذلك القرار هو الطعنة القاتلة للثورة الإشتراكية .

نحن عدنا لكل هذه الوقائع التاريخية لنؤكد مسألة واحدة وحيدة وهي أن ستالين كان طيلة عمره قضية وليس شخصاً بعينه، كان قضية عمال العالم بعينها التي كرس كل من ماركس ولينين عمريهما لتحقيقها.
كانت وصية لينين قبل أن يموت "للينين" الذي لم يمت، ألا وهو ستالين، هي التضحية بكل شيء فداءً لأمن وسلامة الثورة الإشتراكية . لقد حفظ ستالين العهد فكان هو القضية وليس الشخصية .
وبناء على هذه الحقيقة الراسخة يترتب على كلاب البورجوازية الوضيعة أن تخرس وتتوقف عن النباح، وعلى المفلسين من الماركسيين أن يبلعوا ألسنتهم ويخرسوا .



تعليقات الفيسبوك