الفكرة الخفية....


عباس علي العلي
الحوار المتمدن - العدد: 6161 - 2019 / 3 / 2 - 08:03
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     



بدأ كلامه بالحديث عن الكسندر ماليوت....
_ من هو الكسندر صاحبك هذا؟
_ لا أعرفه ولم أسمع به من قبل!
_ لكنك تتحدث عنه منذ مدة وكأنني أيقنت أنك ممن عرفه عن قرب وفهم أفكاره بأمتياز...
_ ليس المهم أن يكون هناك شخص بهذا الأسم تحديدا.... قد يكون هو أو غيره ... لا ضير ... المهم الفكرة التي أطرحها في أسمه... نحن في مجتمع لا يحفل بالأفكار بقدر ما تبهره الأسماء الرنانة.
_ جيد أستمر أنا أتفق معك بذلك.
_ أعود فأتذكر ما قاله في كتاب صادر قبل عقود من الأن عن ظاهرة أختلاق الصورة وعلاقة ذلك في رسم الفكرة في ذهن المتلقي...
_ هذا أمر ليس بجديد فهناك الكثير ممن كتب وناقش وحلل القضية.
_ ليست كل الأذهان يمكنها أن تحول الصورة المختلقة إلى فكرة.
_ وأيضا هذا ليس بجديد..... التفاوت أمر مسلم به ولا نكران له أو عليه.
_ يقول الكسندر أن وضوح الصورة متعلق بقدرة المصور على تشكيلها أولا في ذهنه، فهو يستعمر ذهن الأخر من خلال القدرة على التأثير السريع.
_ وهذا ليس بجديد...
_ الجديد أنه وضع أليات عملية لما يسميه الغزو بالإيحاء...
_ صدقني يا صاح ما تقوله ليس بغريب عني كل ذلك كان من ضمن ما تلقيته في قراءتي لعلمي النفس والأجتماع، الغريب فقط هذه المصطلحات التي تردها عن المسكين الكسندر...
_ لا الكسندر ليس مسكينا بقدر ما نحن أكثر مسكنة ممن لا يعرف أول الطريق من أخره، ومع ذلك ما زال يمشي ظانا أنه سيصل في لحظة ما...
_أكمل صديقي...
_ كلما كان العقل قادرا على صنع صورة قوية تشبه الحقيقية وأطرها بما يعرف بحوافز الجذب كان ناجحا في تجنيد العقل الأخر .... هنا لا يهم أن يكون المرسل مقتنعا أو غير مؤمن بما في الصورة من وحي.... أو حتى لا يضر أنه يرسلها فقط لتمرير فكرة مبطنة...
_ هل لك أن تعطيني مثال؟
_ بالطبع من دراسة أجراها ضمن ما قرأت عنه، أنه أستخدم إعلانا للترويج عن سلعة كانت تواجه كسادا في سوقها.... ربط أسم السلعة باسم عين ماء كان الكثير يعتقدون ببركة الماء الذي يستحمون به، لأن قديسة في قديم الزمان قد جلبت من هذا الماء لتشفي جراح فارس قدم نفسه لإنقاذ سكان قرية هاجمها البرابرة، فأصيب بحراح عديدة لم يكن بالإمكان شفائها إلا من خلال معجزة غير مدركة.....
_ ونجح؟
_ نعم كان أسم السلعة قريبا من ذلك.... هنا تذكر الناس القصة وتذكروا أن المعجزات ممكن أن تكون في أبسط الأشياء...
_ نعم هذا ممكن ولكن سؤالي أين الفكرة الخفية؟....
_ الفكرة ليست في موضوع السلعة ولا في نجاحه في تسويقها....
_ إذا أين هي؟
_ تتذكر حينما كنا صغار نلعب جوار قبر بنيت عليه قبه خضراء، يتوافد الناس عليه كل يوم وخاصة أولك البائسون الذين لا يملكون ما يجب أن يدفع لحل مشاكلهم...
_ نعم وهذا جزء من تراثنا وجزء من واقعنا، وحتى البعض ممن يملك يفعلها سواء بسواء.
_ المهم... أن الفكرة الخفية لا تتعلق بظاهرة التقديس هنا بل تتعدى إلى أبعد من ذلك من خلال ربط الإنسان برمز ميت.... ربط حاضرنا بالموت... جعل الحياة في شقها المتحرك تنحاز إلى قوة الموت الذي يتدخل في تحديد المصائر.... الكسندر لم يعطي لنا درسا في فن التسويق الأقتصادي... بل أعاد للذاكرة قضية القديسة والمحارب...
_ قد لا أكون فهمت الفكرة جيدا...
_ الرجل صنع من حركة السوق ومن خلال أستعمار عقل الأخر هالة جديدة للتاريخ.... أعاد الذهن لقوة المعجزة التي قد لا تكون في حقيقتها معجزة بقدر ما هي خرافة أو وهم...
_ إذا كان الرجل يريد أن يقول الخرافة والوهم والخيال الذي نزرعه أحيانا في ذهن الأخر قد يكون جبارا للدرجة التي تغيب عنه أساسيات مهمة لفهم الواقع...
_ قد تبدو أدركت شيئا مهما .... ولكن ليس كل الحقيقة يمكن أن ندركها بهذا الفهم... العقل أحينات يستريح للماضي لأنه لا يحتاج للشرح والجهد التأملي، مثل أن يكون أمامك صحون عديدة منها ما هو مألوف وجاهز ومعتاد عليه في الأكل، وهناك أخريات قد لا تعرفهن مسبقا ولم تتذوقها من قبل، العقل يختار الأسهل وإن كان الواجب أن يكتشف أولا ما الجديد الذي أمامه.
_ نعم مثال حقيقي.
_ لا ليس حقيقيا بما يكفي... الفضول الذوقي يدفع الكثير من تجربة الغريب أو اللا مألوف وإن كان بحذر.
_ هذا صحيح... ولكن ما علاقة كل ذلك بصاحبك الكسندر
_ لا علاقة له البتة بكل ما قلت.
_ إذا لماذا تحشره هنا.
_ لأصل لك بفكرة خفية أخرى!!!!
_ لا أظنك أستطعت.
_ بلا راجع كل ما قلته لك وسترى أن هناك أكثر من فكرة تدوالها عقلك أولها أنك لست واثقا تماما من أفكارك التي دافعت عنها كثيرا، ومنها أن الكسندر هذا رجل حقيقي ومن الذين كان لهم دورا مهما في تأسيس علم الأجتماع النفسي .... ولكنك تجهله وقد يكون مررت به وخانتك الذاكره، عليه أنصحك بإعادة تنشيط مخزونك الذاكروي وتجدد الكثير من معلوماتك...
_ يا صديقي قد يكون ذلك أيضا نوع من الحقيقية وقد أكون قد سمعت أو قرأت للرجل لكن تعب الذاكرة وقدم المعلومات أسهما في ضبابية الأسم أو ضبابية حالة التذكر...
_ أوعدني أنك تحاول البحث عن الأسم وقراءة بعض ما كتب...
_ وعد أكيد...
_ وهذه فكرة خفية أخرى أضفتها لك.
_ سأذهب بعيدا عنك أخشى أنك ستحولني من حيث لا أريد إلى فكرة خفية...



تعليقات الفيسبوك