أقوى من الموت، أعتى من الكذب!!


مشعل يسار
2019 / 2 / 28 - 13:47     

ستالين كان قائدًا شعبيًا بكل معنى الكلمة
(المقالة مستوحاة من معطيات المؤرخين والباحثين الروس ريتشارد كوسولابوف، اندريه كانافشيكوف، إيفان تشيغيرين)
مشعل يسار

احتُفل في كانون الأول/ ديسمبر المنصرم بذكرى مرور 140 سنة على ولادة يوسف فيساريونوفيتش دجوغاشفيلي قائد الدولة السوفياتية بعد لينين والمعروف في العالم أجمع باسم يوسف ستالين، الرجل الذي لم يتوقف الجدل حوله يوماً نظراً لكونه شخصية عملاقة في القرن العشرين لا تفتأ تشغل العالم بأسره من خلال مواقف منه سواء سلبية أو إيجابية. وقد غمر ذكراه الكثير من القمامة التي ألقيت عليها، ولذا يحتاج العلم الرسمي اليوم إلى إعادة الحياة للحقيقة التاريخية التي تؤكدها المواد الأرشيفية.
ولد ستالين في الحقيقة في 6 كانون الأول/ ديسمبر 1878. وكان أخواه قد توفيا قبله بالحصبة أحدهما بعد مضي 7 أيام على ولادته، والثاني بعد 7 أشهر.
أما يوسف نفسه فكان أقوى على العيش بكثير من سلفيه. وكما هو الحال في جميع مراحل حياة يوسف ستالين، قيِّض له في كثير من الأحيان أن يبقى على قيد الحياة هناك حيث لم يتسنّ هذا للآخرين وأن ينتصر حيث لم يتسنّ لغيره أن ينتصر.
كان عند يوسف فيساريونوفيتش 38 اسماً مستعاراً وكنيةً مختلفة في سياق حياته كلها, وذلك من أجل التمويه والتملص كثوري محترف من براثن الشرطة السرية القيصرية، كما كان عنده أكثر من تاريخ ومكان ميلاد.
لكن شهرة "ستالين" أصبحت الاسم المستعار الرئيسي ليوسف دجوغاشفيلي هذا، وأصبح التاريخ الرئيسي للولادة هو 21 ديسمبر 1879.
إذا حاولنا تحديد شخصية يوسف ستالين من خلال صورة واحدة مميزة، فإن صورةً كهذه - على الرغم من كل تخرصات عدو السلطة السوفياتية المحتضن من قبل الغرب ألكسندر صولجنيتصن في روايته "أرخبيل غولاغ" حول أن ستالين كان "حاكماً بطاشاً للغاية" - حاضرةٌ في جردة أغراض ستالين الشخصية الباقية بعد وفاته، والتي تم تجميعها ليلة 6 مارس/آذار 1953. وهي إن دلت على شيء فعلى تواضعه اللامتناهي، واكتفائه بالقليل القليل في عيشه. ولكم يبدو هذا منافيا لذاك الهراء الذي أطلق وروِّج حول "حسابات خارجية لستالين". هذه الأغراض تتراوح بين مفكرات ودفاتر وبضعة غلايين للتدخين وسترتي خدمة (على كلتيهما نجمة بطل العمل الاشتراكي) وقليل من السراويل والمعاطف والقبعات البسيطة ودفتر مدخرات مالية فيه 900 روبل فقط.
وبين مقتنياته ساعة منبِّه وتمثال صغير قدمه له روزفلت. وكل ما نسج حول شخصه من روايات كاذبة ليس إلا لتغطية نهبهم وفسادهم وبسبب عدم تصديقهم أن قائد بلد هائل كروسيا يمكن أن يعيش ويحكم من دون أن يسرق وينهب وينهل بلا حساب ولا حسيب من مال الخزينة العامة.
حسنا، سيقول مبغضو ستالين، لنقل إنه لم يكن سرّاقاً، لكنه كان "حاكمًا قاسيًا بطّاشاً" و "قضى على حياة كثيرين". وحتى وإن تسلم روسيا بمحراث، وتركها بصواريخ فضائية، فهو يبقى ذاك الإنسان الذي، كما يقولون، لم يعرف "ما دمعة طفلٍ” إذا بكى.
فهل هذا صحيح؟ نحن هنا، مرة أخرى، أمام كذبة كبيرة يتداولها المغرضون. فمن بين الشخصيات التي أبدت قساوة ووحشية إبان الثورة، كان ستالين على النقيض من ذلك، واحدا من أكثر الشخصيات رحمة ووعياً وحكمة ودراية. بينما برع رفاقه، وغالباً خصومه، في التباري بعضهم مع بعض على إهراق الدماء واستعمال القسوة.
على سبيل المثال، اعتاد بوخارين، "محبوب" الحزب كما كان معروفاً عنه، أن يقول: "في الثورة ينتصر الشخص الذي يكسر جمجمة غيره".
بعكس ذلك، حمل ستالين إلى ذاك العالم الدموي المرافق للثورة الرحمةَ والحكمة. وليس عبثا أن كلفت السلطة الجديدة هذا الشخص بالذات أن يتبوأ منصب مفوض الشعب لشؤون القوميات، وهو المنصب المستحدث في التاريخ الروسي والموقع الأكثر تفجراً والمتطلب لباقة وبراعة مضاعفتين، ونزعة إنسانية وقلبا كبيراً إلى أبعد الحدود.
نظم ستالين العمل في مفوضية الشعب للرقابة أيضاً. وكل ما أنيط بستالين من مهام قام به على أكمل وجه وببراعة فائقة.
عندما طالب جزّارون أمثال خروشوف بالمزيد من الدم وطلبوا الإذن بالقضاء على المزيد من الناس، كان ستالين هو الذي ينهرهم وينهاهم. ومعروف تذييله مذكرة الإعدامات الجنونية التي تقدم بها نيكيتا خروشوف حين كان هذا الأخير مسؤولا حزبيا عن منطقة أوكرانيا، فقد طالبه بأن "اهدأ يا مجنون!”. وبلغ مجموع ما طلب خروشوف من ستالين والقيادة المركزية الموافقة عليه حوالي 160 ألف عقوبة إعدام.
مما نشأ أصلاً يا ترى ما سمي بحملات القمع السياسي؟ هي لم يتم إطلاق العنان لها من قبل ستالين، ولا حتى من قبل سلطات موسكو، بل من قبل النخب الحزبية في الأقاليم.
ففي 5 ديسمبر 1936، تم اعتماد دستور الاتحاد السوفياتي، البلد الجديد الذي اشتد ساعده وتغير وجهه تماما بنتيجة التصنيع. ومن أجل تنفيذ مبادئ الديمقراطية (سلطة الشعب) الواردة في أساس هذه الوثيقة، قرر ستالين تنظيم انتخابات بعد مضي عام بحيث تكون عامة ويتساوى فيها الجميع، ومباشرة وسرية وعلى أساس ترشح بضعة أشخاص لتبوء المقعد الواحد.
لقد احتفظ في أرشيف مولوتوف على عينة من لوائح الانتخابات تلك. لم يكن يوجد أي أثر لأي إجماع في التصويت على شخص ما أو لأي فرض لرأي واحد محدد! في اللائحة العيّنة كانت هناك ثلاثة أسماء. وكان من المزمع منح الحق في تسمية المرشحين إلى النيابة في السوفيات الأعلى للاتحاد السوفياتي لأسر العاملين والمنظمات الشعبية وجمعيات العمال!
وبطبيعة الحال، قلق واهتاج الجيش البيروقراطي بأكمله، وهو الذي لم ير في السلطة سوى بقرةٍ حلوب ومصدر إثراء شخصي. ومن أجل تعطيل الانتخابات الحرة، كرت سُبحة التجسس والإخبار والنميمة من قبل أمراء المناطق أمثال ورثة يهود البوند إيخه Eyhe وكوسيور Cosioor وفاريكيسVareikis ونجحوا في مسعاهم الشرير ذاك.
أي انتخابات حرة هذه عندما يكون الأعداء يحيطون بك من كل حدب وصوب؟! هكذا كان ينظر المشككون من عداد هؤلاء الأمراء. خروشوف نفسه لم تكن تعوزه الهمة وهو يرسل برقية إثر أخرى لستالين يقول في إحداها: "عزيزي يوسف فيساريونوفيتش! ترسل أوكرانيا شهريا قائمة بـ17-18 ألفاً من المفروض أن يعاقبوا. وها هي موسكو لا تصادق على ما يزيد عن 2000-3000. أطلب منكم اتخاذ تدابير عاجلة. المخلص خروشوف". رداً على هذا النص بالذات، لم يستطع ستالين أن يتمالك أعصابه فسجل بقلمه المعهود قلم الرصاص الأحمر: "اهدأ، أيها المجنون، اهدأ أيها الأحمق!".
يقول كوسولابوف والآخرون: وكما أظهر التاريخ، أمثال هؤلاء الأشخاص لا يسعهم ان يهدأوا. فقد حاول ستالين خلال فترة حكمه كلها عمليا أن يردع هؤلاء المتحدرين من رحم الثورة ويوقفهم عند حدهم، لكنه، للأسف، كان غالباً ما يعوقه عن ذلك ما في شخصه من رفق ودماثة.
لنذكر، على الأقل، قصة ما سمي بعلاج القائد ستالين من الزحار أو الزنطاري (!) في مارس ويوليو 1947. دعونا نترك جانبا صحة التشخيص نفسه، لا سيما أن من الغريب أن يحصل هذا بالنسبة للرجل الأول في الدولة، ولنفكر كيف أن ستالين قد سمح للأطباء بكل صبر أن يصفوا له أي ما شاؤوا من عقاقير لمدة أربعة أشهر تقريبا! عانى خلالها من إسهال مع دم، ولم يثر حتى مسألة استشارة أطباء آخرين.
هذا على الرغم من أنه يمكن للمرء، من علياء المستوى الحالي للمعرفة الطبية، أن يستنتج أن ستالين لم يكن عنده أي زحار، بل كانت هناك محاولة لتسميمه. وأن علاج "الزنطاري" لم يؤد إلى سوى إخفاء أعراض هذا التسميم.
لقد كان تواضع ستالين وإحساسه المرهف غير مسبوقين حتى بالنسبة لذاك الزمن العاصف.
وكما هي حال الجندي المجهول، نجد اليوم أيضا أن القائد الأعلى للدولة آنذاك وباني الاتحاد السوفياتي ستالين متجاهَل ومحظور وإن حظراً غير معلن من قبل السلطات الرسمية رغم أن كل ما وصلت إليه روسيا من عز وسؤدد آنذاك لا تزال حتى أيامنا هذه تعيش وتصمد بفضل قوة استمراره. بل ان السلطات الرسمية هي من أطلق الإرادة الشريرة لشتى الكتبة والفريسيين الذين يجترحون الافتراء تلو الافتراء في حقه.
ففي المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي، زعم خروشوف مثلا أن ستالين "كان يقاتل الأعداء مستنداً فقط إلى مجسّم الكرة الأرضية”. وهذا على الرغم من حقيقة أن عشرات الخرائط العسكرية لتي عليها ملاحظات ستالين الشخصية لا تزال محفوظة في الأرشيف.
لسوء الحظ أن الأكاذيب هذه تترى ولا من يحد منها. وإذا كان الكذب نفسه يتكرر يوما بعد يوم، وخاصة باستخدام أحدث التقنيات، فإن الكذبة الواضحة والصريحة إياها سوف تتجذر تدريجيا في العقول وتصبح حقيقة شائعة لا مجال لدحضها.
هذا ما فعله مثلا العميل الغربي المناهض للسوفيات الكاتب المقيت صولجنيتصين ومن لف لفه، حين زعم مثلا أن ستالين كان يهمه فقط جبروت السلطة وخدمة النخبة الحزبية، لا الناس العاديين.
أما الحقيقة والواقع فيثبتان عكس ذلك. هما يثبتان أن ستالين دفع حياته ثمناً لمحاولته أخيرا إبعاد النخبة الحزبية عن السلطة. يشير إلى هذا قرار المكتب السياسي في 5 يوليو 1952، رقم 232 "حول الراتب المادي المؤقت”. فوفقا له تم اعتبارا من 1 أغسطس من نفس العام إجراء تخفيضات كبيرة لرواتب أعضاء المكتب السياسي، وأمناء اللجنة المركزية، ونواب رؤساء مجلس الوزراء، والوزراء، والموظفين في الجهاز المركزي وفئات أخرى. كان هناك إلغاء تام لدفع زودات على مرتب الجهاز الحزبي "ضمن مظروف" وهو ما لا يطاوله رسم ضريبي إضافي واشتراكات حزبية إضافية.
كان ستالين دائما قلباً وقالبا من صميم الناس العاملين البسطاء. ولم يكن هذا مثابة قناع جميل يتنكر به، بل كان مضموناً عميق الغور في النفس، متأصلاً في شخصيته. وهو الذي أمن للروبل تغطية ذهبية كاملة وأبعد عن المواطن والاقتصاد ضغوط الدولار وهيمنته. وهو الذي حقق إلغاء البطاقات التموينية في عام 1947 وكان المبادر إلى التخفيض الثابت والدائب للأسعار في كل فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
للمقارنة: في بريطانيا تم إلغاء البطاقة التموينية فقط في عام 1955! فتبين أن الاقتصاد السوفياتي، الذي دمرته حرب رهيبة، أكثر كفاءة، بقيادة ستالين، من الاقتصادات البرجوازية.
لقد أزعج ستالين أشخاصاً كثيرين في نهاية المطاف. فكان يكرهه على حد سواء الغرب الذي لم يكن باستطاعته أن يغفر لروسيا اتساع رقعتها وجبروتها، والنخبة الحزبية التي لم يكن يسمح لها بالتبردخ والإثراء على حساب الشعب.
وها هي الضربة القاتلة قد ضُرِبت ذات يوم مفجع. فالآن نُشِرت الوثائق الصارخة التي تبين أن ستالين مات بكل بساطة مسموماً في ربيع عام 1953. وهنا لا يسع المرء إلا أن يذكر ولو تفصيلاً واحداً.
في 8 نوفمبر 1953، تم تسليم ثلاث زجاجات فيها مياه معدنية إلى متحف ستالين الذي كان يجري إنشاؤه، وفي 9 نوفمبر، أي بعد يوم واحد فقط، تبين أنه تم تسلم زجاجتين فقط بموجب محضر الاستلام. والسؤال هو، إلى أين ذهبت الثالثة؟ وعلى أي بقايا أمكن العثور فيها؟
على أية حال، بعد أن تم القضاء على ستالين، انفتحت الآفاق واسعة أمام النخبة التروتسكية المنشفية التي طالما كرهته، لتصل إلى أقصى حدود الخيال. فبمقتل ستالين بدأ قتل الاتحاد السوفيتي مع كامل منظومة السلطة السوفيتية.
لقد بات واضحاً الآن فعلاً أن ما أطلق عليه تسمية "تقرير خروشوف في المؤتمر العشرين" لم يكن نوعًا من "الارتجال" من قبل حاكم مرتعب، بل كان عملاً متعمداً ومعداً سلفاً من قبل الغرب. وهذا ما تؤكده "النبوءة" المميزة جدا لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية في عدد 15 فبراير/شباط 1956.
ففي يوم افتتاح المؤتمر بالذات، كتبت الصحيفة: "على الرغم من اللهجة الخطابية الرسمية، سيضع المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفييتي حداً لا لبس فيه لنظام حكم ستالين وسيحدد على الأرجح الرفض الرسمي للستالينية أيديولوجية وممارسة...”.
هكذا إذن! في الولايات المتحدة، كانوا يعلمون سلفاً أن "تقرير" خروشوف جاهز، ويعرفون عن ماذا سيكون! ففيما لم يكن أعضاء اللجنة المركزية والمندوبون في المؤتمر ليتخيلوا بعد أي شيء، كان الأميركيون على علم بكل تفاصيل ما سيقوله خروشوف بعد عشرة أيام.
ألم يكن هذا يا ترى بروفة أولى لما حصل بعد قرابة 30 عاماً على يد غورباتشوف ويلتسين؟
وبالتأكيد، كلما ازدادت أحداث عهد ستالين بعدًا عنا، زادت المفاجآت غير المتوقعة التي سيقدّر لنا أن نعلم مضمونها بعد حين.
لكن الشيء الوحيد الذي لم ولن يتغير هو حقيقة محبة ستالين للناس البسطاء، لأولئك الذين عمل معهم وناضل طوال حياته من أجلهم. والأهم من ذلك، أنه لم يكن يجهد ليعلن هذا الحب على الملإ دعايةً وتبجحاً ولم يتتبع كل عطسة يعطسها فصيلٌ كامل من متابعي ومؤرخي تحركاته وحركاته مع كاميرات وميكروفونات ولم تحاول وسائل الإعلام الستالينية إبراز "إنسانية ستالين” في كل تصرف شخصي يقوم به يتسم بالنبل ونكران الذات...
والحق يقال، لم يكن من الضروري أصلاً إبرازها وإثباتها. فهي كانت موجودة كحقيقة ثابتة، كمسلّمة غير قابلة للتغيير ولا تحتاج إلى إثبات.
قلة من الناس تعرف تاريخ تلك البنايات الشاهقة التي تزين العاصمة موسكو والتي بينها مبنى وزارة الخارجية ومبنى جامعة موسكو إلخ. فوفقا للمهندسين الخبراء، تعتبر المباني الشاهقة هذه مثابة مشروع واحد، مشهد معماري متكامل مؤلف من ثمانية عناصر غير متطابقة، ولكنها متماثلة. وكان هذا المشروع يفترض وجود مبدع واحد فقط له يتخذ القرارات في شأنه. هذا الرجل كان يمكن فقط أن يكونه يوسف ستالين. إلا أنه لم يكن متشاوفاً، لم يدّعِ لنفسه حقوق التأليف رسمياً وحظر على الآخرين بشكل قاطع إعلان مقدار ونسبة إسهامه في تصميم هذا المشروع الضخم مع المهندسين المعماريين.
وليس لأجل الإعلان والشهرة كتب ستالين رداً على رسالة جندي يقاتل في الخط الأمامي اسم شهرته "بيزرودني" Bezrodny ويعني "لا أهل له": "لقد أعطيت تعليمات في شأن مساعدة عائلتك فوراً. فاضرب العدو، أيها الجندي بيزرودني. ستالين"، وكان هذا قد كتب لستالين عن الصعوبات التي تواجه عائلته في العمق حيث لم تكن تدور رحى الحرب، وثمة مثل هذا الرد على عشرات بل مئات الخطابات والنداءات الأخرى. لكن ستالين عارض بشكل قاطع ذكر هذه الحقائق وتضخيمها (كما يجري الآن بالنسبة إلى رئيس الدولة) بأي شكل من الأشكال. فقد كان يعتبرها أمراً طبيعياً لا يستحق التركيز عليه.
لقد كان ستالين حقاً قائدًا وطنيًا بكل معنى الكلمة. وكان الناس يأتون إليه للحصول على المشورة مثلما كانوا يأتون إلى لينين قبله، والناس هؤلاء هم من جميع الأعمار والجنسيات والمهن والطبقات. وكان يجد الكلمات التي كان ينتظرها منه كل هؤلاء المحتاجين لمعونة ما.
لكن ستالين لم يكن يشفق، أولاً وقبل كل شيء، على نفسه. وكان في تطلبه من نفسه دائمًا أكثر صرامة مما من شعبه الذي أحبه كثيرًا. "أنا لا أبادل جنديًا بمارشال" - هذه العبارة المشهورة عنه حين عرض عليه الألمان مبادلة مارشالهم الأسير باولوس بابنه الضابط الأسير لديهم، لم تكن أيضًا جريدة "برافدا" هي التي اخترعتها؟!
فمن المعروف أن ستالين كان له ابنان اثنان من لحمه ودمه وابن واحد بالتبني. ثلاثتهم قاتلوا العدو ببسالة. الابن الأكبر، يعقوب (ياكوف)، الذي قال عنه ستالين إنه الجندي الذي لا يبادله بمارشال، سقط شهيداً في ساحة القتال. وللمقارنة كان عند خروشوف ولدان اثنان، وكلاهما خان وطنه. الابن ليس مسؤولا عن أفعال الأب الشنيعة. أما الأب فمسؤول عن فعال الابن بعده؟
وهذا هو السبب في فشل كل حملات "استئصال ستالين من ذاكرة الشعب" وغيرها من الحملات الدعائية المنتظمة ضد التاريخ السوفياتي، فهي ليس لها أساس في العمق. إنها مؤسسة فقط على جملة من الأكاذيب وكومة من الغرور.
ومهما سموا حب الناس لقائدهم وكلمته المسموعة على صعيد الوطن كله بـ"عبادة الشخصية"، فلن يؤتيهم شيئا ذا شأن استخدامُهم لمثل هذه التعاويذ الباطلة. فالحقيقة أسطع من عين الشمس. ومهما فعلوا، فإن الناس لا تنسى مهما طال الزمن قادتها الذين خدموا قضاياها بكل ما أوتوا من قدرة يستطيع تحملها الإنسان.



تعليقات الفيسبوك