العداء للسوفيات في روسيا البرجوازية


مشعل يسار
2019 / 2 / 27 - 00:25     

منذ أيام امتنعت روسيا البرجوازية عن التصويت في الأمم المتحدة على قرار أعدته الولايات المتحدة يدعو إلى إدانة ما أسماه "القمع الستاليني"، فيما وقفت ضده الصين واستخدمت الحق في النقض لمنع إقراره. وهذا مع العلم أن القرار إياه موجه ضد روسيا الحالية بالذات قبل غيرها. فهو يهدف على الأرجح - عدا تشويه صورة الإنجازات السوفياتية في عهد ستالين - إلى تدفيع روسيا مستقبلا تعويضات للجمهوريات السوفياتية سابقا أشبه بتعويضات الحروب، حين ستعرض هذه مطالبها المادية والمعنوية بحجة أنها تضررت من أعمال القمع تلك. فنحن إذن أمام "هولوكوست" جديد يريد الغرب ابتداعه مثلما ابتدعت الصهيونية "محرقة اليهود" في عهد هتلر، وفي ظل صمت روسي أشبه بالموافقة الضمنية.
على خلفية هذا القرار الذي تم إفشاله في الأمم المتحدة تجهد وسائل الإعلام الروسية المطبوعة والمرئية، لا سيما التلفزيون، المهيمن عليها من قبل الليبراليين والصهاينة الذين جعلوا من أوكرانيا اليوم ذاك الصبي المخصص للضرب، فيما لا تسمع بالمقابل إلا أحاديث الحدب والعطف على اليهود وإسرائيل، أو الصمت في شأنها تقريبا حين اتسببت بإسقاط الطائرة الروسية في الأجواء السورية، لتسويد صفحة إنجازات الحقبة السوفيتية، بما في ذلك حتى بعض أوجه النصر العظيم على الفاشية. فالنظام الروسي الحالي كنظام برجوازي يعبر عن مصالح رأس المال الكبير أنشئ نتيجة للثورة المضادة أعوام 1991-1993، ولا يمكنه من حيث طبيعته التخلي عن معاداة السوفييت، كشكل من أشكال معاداة الشيوعية. والشيوعية هي أيديولوجية البروليتاريا (أي جميع الكادحين الأجراء)، سلاحها الذي سوف يجعلها قادرة على القضاء على الرأسمالية وبسط سلطتها هي. وتاريخ الاتحاد السوفياتي هو أكبر دليل على إمكانية بناء مجتمع عادل من دون استغلال، على أساس الملكية العامة للثروة الرئيسية في البلاد وعلى قاعدة أيديولوجية العمل الجماعي والتضامن والتكافل والصدق والاستقامة. وعلاوة على ذلك، يبدو باهتاً ورثّاً جدا حاضر روسيا البرجوازي على خلفية إنجازات الحقبة السوفياتية التي أصبحت أكثر الحقب تألقاً في تاريخ روسيا وجميع جمهوريات الاتحاد السوفياتي الأخرى.
نعم، إن البروليتاريا الروسية لم تخرج بعد في وقتنا الحاضر من حالة الإحباط التي أوقعها فيها فساد وخيانة الحزب الشيوعي خلال مرحلة البيريسترويكا واستعادة الرأسمالية لاحقاً. والوعي الطبقي لدى الطبقة العاملة لا يزال ضعيفاً، كما هي أيضا ضعيفة جدا بالتالي القوى الشيوعية. وهذا خاصة، وليس كآخر الأسباب، بفضل أنشطة الحزب الشيوعي الروسي بزعامة زيوغانوف والذي تقدمه جميع وسائل الإعلام البرجوازية على أنه الحزب الشيوعي الواحد والأوحد. مع أن هذا الحزب قد أحل محل الشيوعية النزعة الوطنية البرجوازية والديمقراطية الاجتماعية، وراح يسيء من خلال سنوات من التعاون مع السلطة لفكرة الشيوعية، تماما كما فقدت هذه الفكرة الشيوعية مصداقيتها في فترة البيريسترويكا بجريرة خيانة غورباتشوف وقيادة الحزب الشيوعي. في الوقت نفسه، ها هي الرأسمالية الروسية قد ثبتت أقدامها واستقرت. في مثل هذه الظروف، لم تعد القلة الروسية أو الأوليغارشيا، على عكس ما كانت عليه في التسعينيات، تخاف من "الانتقام الأحمر" وباتت تسمح أحيانا لنفسها بمغازلة التاريخ السوفيتي بغية "خصخصة" إنجازاته والاستئثار بمجد الافتخار بها وتقديم نفسها ومعها المدير التنفيذي للشركة المسماة "الاتحاد الروسي" فلاديمير بوتين على أنها وريثة التقاليد المجيدة ليس فقط لروسيا ما قبل الثورة بل وللاتحاد السوفياتي. وهنا يأخذون من هذا التاريخ القوة العسكرية والاقتصادية للاتحاد السوفيتي، ولكن يتم تجاهل ما هو أهم وتفريغه من مضمونه ألا وهو الطبيعة الطبقية للاتحاد السوفياتي كدولة اشتراكية.
وفي الوقت نفسه، تبدو أوكرانيا وبعض الجمهوريات السوفيتية السابقة الأخرى، التي لا تمثل في حد ذاتها "اقتطاعات" كبيرة من الاتحاد السوفييتي كما هو حال الاتحاد الروسي، غير قادرة على ممارسة أي استقلالية، فأصبحت ساحة لصراع رأسماليي روسيا والغرب. فاستتبت الأمور في جزء منه، كما هو الآن في أوكرانيا، لأنظمة تعمل في خدمة الامبريالية الامريكية والاتحاد الاوروبي مباشرة. ولذلك من الطبيعي أن يستكمل أي نظام برجوازي عداءه للشيوعية برغبة السلطات في هذه الدول وسادتها في الخارج في أن تمحو من الوعي العام كل تذكر إيجابي للوجود المشترك مع روسيا في إطار دولة واحدة. ونظرا لأن حياة الشعوب المشتركة في إطار الاتحاد السوفياتي كانت الأكثر نجاحا ومنفعة متبادلة، يتم توجيه الضربة الرئيسية بالذات لتاريخ الاتحاد السوفيتي، الأمر الذي يؤدي إلى الإفراط في أعنف معاداة للسوفييت.
ولكن ما الذي يقوله زيوغانوف في هذا السياق؟
إنه يؤيد تأييدا تاما بوتين والنظام الحاكم ويتضامن معهما، حين يدعو في الواقع الشعب إلى الالتفاف حول الدولة الروسية الحالية في صراعها مع الغرب. والشيء الوحيد الذي يسأله ويرجوه هو الحد من الدعاية المعادية للسوفييت في روسيا الحديثة. أي أنه يوحي، في الواقع، للحكومة بأن تتطفل بهمة أكبر على التراث السوفياتي وأن تموّه وجهها الطبقي أيما تمويه. بل إن العداء للسوفييت ما هو في عرف زيوغانوف إلا "شكل من أشكال العداء والكره للروس" وهو لا يرى الفارق الأساسي بين نضال الحرس الأحمر الذي دحر "الغزاة الأجانب في فترة سنتي 1920-1922"، والصراع الإمبريالي بين الرأسماليين في روسيا والغرب بشأن أوكرانيا. فالحرس الأحمر والجيش الأحمر سحقا ليس فقط الغزاة من الدول الرأسمالية، ولكن أولا وقبل أي شيء آخر، الحرس الأبيض الروسي. وليس من قبيل الصدفة أن يلزم السيد زيوغانوف الصمت إزاء هذه الحقيقة من حقائق التاريخ السوفياتي ...
إن الشيوعيين الحقيقيين يدعمون، بطبيعة الحال، النضال العادل لشعب الدونباس ضد نظام بانديرا في أوكرانيا، على الرغم من أن لهم ملاحظاتهم على أوجه القصور في جمهوريتي دونتسك ولوغانسك الشعبيتين وعلى منحهما طابعا موالياً للأوليغارشيا تحت تأثير الكرملين. ويمكن لهم أن يدعموا أيضا بعض الإجراءات التي تتخذها السلطات الروسية لدعم تمرد جنوب شرق أوكرانيا، وإن كانت هذه سببها نزاع المصالح الإمبريالية، ولكنها موضوعياً تقدمية. في الوقت نفسه لا يوجد سبب للتخلي بجريرة الصراع في أوكرانيا عن النضال ضد النظام البرجوازي القائم في روسيا. بل إن الشيوعيين، على العكس من ذلك، ملزمون بفضح طابع الدعم غير الدؤوب والنفعي المغرض من قبل السلطات الروسية للدونباس، وبتبيان أن الوضع في أوكرانيا لا يجعل النظام البرجوازي في روسيا بالمقارنة أفضل، وهو ما تجهد السلطة الروسية لإبرازه خاصة على شاشات التلفزة من خلال التعييب على ممارسات للسلطة الأوكرانية سبق للسلطات الروسية أن مارستها هي نفسها كمثل تغيير تسميات المدن وغيرها وتحطيم التماثيل العائدة للعهد السوفياتي وهلم جراً. وكم مرة أطلقت السلطات الروسية "بالونات اختبار" للرأي العام حول إمكان إخراج جثمان لينين، مؤسس الدولة السوفياتية، من الضريح القائم في الساحة الحمراء.
فالعداء للسوفيات الذي هو الوجه الأوضح للعداء للشيوعية سمة ملازمة للنظام الرأسمالي الجديد في روسيا رغم أن كل ثروة الأوليغارشيا جاءت من بيع الثروات الطبيعية التي وضع النظام السوفياتي حجر الأساس في تطوير استخراجها، ولكنه لم يلجأ آنذاك كما الآن إلى بيع هذه الثروات بالجملة والمفرق من أجل إثراء الأوليغارشيا والبيرقراطية التي تخدم مصالحها.



تعليقات الفيسبوك