الحلقة الحادية عشرة: منظمة -إلى الأمام-: حول الخط الإستراتيجي، الإيديولوجي، السياسي والتنظيمي - محاولة تركيبية


موقع 30 عشت
2019 / 1 / 29 - 13:17     

يقدم موقع 30 غشت الحلقة الحادية عشرة من مقالة " منظمة "إلى الأمام": حول الخط الإستراتيجي، الإيديولوجي، السياسي والتنظيمي ـــ محاولة تركيبية"، بقلم عسو أمزيان. وهي تضم المحاور التالية:
6 ــ تغييب نظرية للتنظيم وتحطيم بنية المنظمة: "القيادة الجديدة" و"مسلسل الترميم".
7 ــ ندوة فرع الداخل (يناير / فبراير 1983): ترسيم القطيعة مع الخط الثوري للمنظمة والدوران في الفراغ.
8 ــ في البرنامج العام ل"قيادة إعادة البناء".
9ــ الوضع الداخلي ل "إلى الأمام" من انطلاق "مسلسل إعادة البناء" إلى ضربة خريف 1985.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحلقة الحادية عشرة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

6 ــ تغييب نظرية للتنظيم وتحطيم بنية المنظمة : "القيادة الجديدة" و"مسلسل الترميم"

بعد أن قامت "القيادة الجديدة" بتصفية الخط الإستراتيجي للمنظمة، والتخلي عن أية استراتيجية كيفما كانت، واعتبار الخط السياسي للمنظمة خاطئا، بل وتحميله مسؤولية كل الضربات التي تعرض لها التنظيم، واعتباره مصدر ما أسمته ب "الفشل"، حل الدور هذه المرة على قضية تصفية الخط التنظيمي في "مسلسل إعادة البناء"، خصوصا بعد أن تبنت هذه "القيادة الجديدة" مجمل الأفكار التي بها شن الخط الانتهازي اليميني هجومه على خط المنظمة (الهيكلة الشبكية للمنظمة... المركزية البيروقراطية...). وبهذا الصدد، وفي إطار "مسلسلها" ذاك، وفي مجرى تهييئها لما سيسمى ب"ندوة الداخل"، ستعمل "القيادة الجديدة" على تصفية المنظور اللينيني للتنظيم في جملة واحدة : "إننا حاليا في مرحلة بناء الخط السياسي و النظري و التنظيمي، أي أننا في مرحلة انطلاق عملية البناء، ولهذا فإن الهيكلة التنظيمية لن تأتي من الأشكال المعقدة و المنمقة أو البلشفية الخالصة، بل تأتي من جودة أطر المنظمة أنفسهم، و كيف هم مكونون نوعيا...". يظهر جليا إذن، أن "القيادة الجديدة"، وعوض التحليل والنقد وطرح تصور تنظيمي بديل، إن استطاعت إلى ذلك سبيلا، قامت وفي جملة واحدة بتصفية نظرية التنظيم والمرتبطة حتما بخط استراتيجي وسياسي الغائبين لديها، وعوضتها بجملة مفادها ان "الهيكلة التنظيمية تأتي من أطر المنظمة..". فلا حاجة لهذه "القيادة" إذن، وهي تضع هيكلة جديدة، إلى نظرية للتنظيم، ولا إلى خط سياسي، بل إلى "منظمة تكون عبارة عن خلايا وقيادة وطنية"، لأن "الهيكلة السابقة للمنظمة غير صالحة" تقول "القيادة"، وعليه "يجب التخلص من الإطارات شبه الجماهيرية"1، وهذه الأخيرة، بالنسبة "للقيادة"، "كانت عرقلة أمام فتح باب المنظمة أمام كل العناصر الثورية...". هكذا تم الحكم النهائي على التجربة التنظيمية وعلى الخط التنظيمي لمنظمة "إلى الأمام" من طرف من استولوا على قيادتها.
لنرى عن قرب بعض هذه الأحكام التي أصدرتها "القيادة الجديدة" حول التجربة التنظيمية، وعلى الخصوص تلك التي خاضتها المنظمة بعد صدور "تقرير 20 نونبر"، حيث تقول "القيادة الجديدة" :
"لقد تميز "تقرير 20 نونبر"، ومشروع النظام الداخلي، بالتنظير للتشديد على المركزية، و قد تجلى ذلك في الممارسة فيما بعد. كما اتسم "تقرير 20 نونبر" بعرضه لمسألة الشبيبة المدرسية، بل أدخلها ضمن حيثيات الخط السياسي للمنظمة... و استنتج التقرير أن هذه النضالات، أدت إلى التأكيد على صحة أطروحتنا حول دور حركة الشباب الثوري المدرسي كمثقف عضوي للجماهير الكادحة، و المعبر عن الوعي الحي لهاته الجماهير، بحكم ارتباطها عضويا. وعلى أساس هذا المنظور الجديد، صاغ التقرير خلاصته في المجال التنظيمي مفادها "أن التنظيم هو تجسيد للخط السياسي و بلورة القوى المتقدمة في كل مرحلة من تفجير الطاقات الثورية الجماهيرية.
هكذا تم التنظير لدور الشبيبة المدرسية، و بذلك، و من خلال انحصار المنظمة في هذا القطاع، ستفرز بنية تتماشى مع هذا الواقع الجديد، بنية آخذة في التسلسل الهرمي ذات برامج مثقفية، يتم الانتقال من إطار إلى إطار أعلى منه، كلما أنجز البرنامج التثقيفي ... فكان الاستقطاب و الاندراج في السلم التنظيمي، يعتمد على مقاييس مثقفية.
هذا الواقع خلق علاقات داخلية تتميز: بغياب الصراع السياسي و الإيديولوجي و سيادة "المونولوتيزم" (تطلق كلمة المونولوتيزم في حقل الفكر السياسي الماركسي على كل تصور للخط السياسي و الفكري ينبذ الخلاف و يؤكد على الوحدة بدون نقد و إعطاء القيادة الحق في كل شيء مما يؤدي إلى تكلس الأفكار و الدوغمائية و موت الحياة الداخلية للتنظيم أو الحزب ...)، بل تربية المناضلين على نبذ الصراع، و ترسيخ في أذهانهم أن كل صراع هو انحلال لأن خط منظمتنا سديد، و المفلسون هم الآخرون (غالبا ما يكونون هم "23 مارس").
لقد جاءت الاعتقالات لتبرز مدى هشاشة المنظمة، و كذلك الانهيارات التي عرفها أعضاء المنظمة. إن الاعتقالات، و ما تبعها يشكل درسا أساسيا، و هو، ليست مسألة صمود المنظمة مرهونة بمدى الإتقان و الإبداع في تقنيات العمل التنظيمي، إنما المسألة تتعلق بنوعية القناعات التي يدافع عنها ذلك التنظيم، و كيف تمت بلورتها عند أعضائه. و لهذا فالتنظيم قبل أن يكون مشكلا تقنيا (ربط العلاقات و تقنيتها)، فهو مشكل خط سياسي مجسد في طبيعة العلاقات السياسية بين أفراد التنظيم، و في طبيعة العلاقات السياسية بين أفراد هذا التنظيم و الجماهير.
فإلى حدود 1976، أصبحت المنظمة عبارة عن شبكة من المناضلين، يعملون ضمن هيكلة معقدة، مثقلة بدورها بمشاكل كبيرة و صغيرة، ناهيك، على أنها كانت في وضعية أمنية مهزوزة جدا.
- تفشي المركزية البيروقراطية، قيادة مفكرة و قاعدة منفذة، قيادة لا تقوم بالنقد الذاتي و قاعدة لا تطالبها بذلك.
فكان من الطبيعي أن تبرز انحرافات و أخطاء كبيرة:
- ضعف نظري و سياسي مدقع، و سيادة الدغمائية و التجريبية كالنظر إلى قضايا المغرب من خلال ما كتب عن روسيا و الصين!!
- سيادة "المونولوتيزم" و نبذ الصراع، و اعتبار كل من له رأي مخالف (إذا وجد) له غموض، و مشوش، و غير مستوعب للخط السياسي للمنظمة.
- التهام جل وقت المنظمة و مجهوداتها من طرف مشاكل المنظمة في المجال التنظيمي." (إلى هنا تنتهي هذه الفقرة الطويلة ل "قيادة إعادة البناء")
ولو أننا هنا بصدد مقالة تركيبية نسلط فيها الضوء على أهم أفكار وخلاصات خط "مسلسل إعادة البناء"، إلا أنه يحق لنا إثارة مجموعة من التساؤلات كي يتضح منظور أصحاب ذاك الخط أكثر فأكثر. فالقول ب " بنية آخذة في التسلسل الهرمي" و"الاندراج في السلم التنظيمي" وسيادة "المونولوتيزم" و"منظمة عبارة عن شبكة...هيكلة معقدة"، لا يتماشى وفكرة "هشاشة التنظيم" لتبرير ضربة الاعتقالات، كما أن ربط قضية التنظيم وبنيته بالخط السياسي، وهو قول سديد، وربط مشاكل التنظيم ب"مشكل الخط السياسي مجسد في طبيعة العلاقات السياسية بين أفراد التنظيم، و في طبيعة العلاقات السياسية بين أفراد هذا التنظيم و الجماهير" كما تقول هذه "القيادة"، لا يتماشى إطلاقا و "مسلسل إعادة البناء" نفسه الذي أطلقته هذه "القيادة" نفسها والتي هي نفسها من كتبت ذلك، فلا يعقل أن تقول "القيادة" أن "مشكل التنظيم هو مشكل خط سياسي"، وفي نفس الوقت تعمل على حل مشكل التنظيم وإطلاق عملية بناء تنظيمية جزئية في غياب تام للخط السياسي.
كما أن القول ب "المركزية البيروقراطية" في حق تجربة المنظمة من 72 إلى 75 / 76، وهو ما قال به قبلها الخط الانتهازي اليميني، لا يتماشى والخط التنظيمي الذي اعتمدته المنظمة في منظورها الاستراتيجي (أنظر المرحلة الأولى ومجمل الأشكال التنظيمية التي طرحتها المنظمة في خطها الاستراتيجي الثوري)، بل على العكس من هذا، فالمركزية البيروقراطية هي بالفعل ما طرحته "القيادة الجديدة" من هيكلة في غياب خط استراتيجي وسياسي، وفي غياب نظرية للتنظيم، حيث يتكون التنظيم من قيادة، وهي "القيادة الجديدة" التي عملت على صياغة ما سمي ب"مسلسل إعادة البناء" (هذا هو المونولوتيزم)، وخلايا (الفروع)، أي ان هناك قاعدة عريضة (الخلايا) وعلى رأسها قيادة كانت هي أول من شكل نفسه بنفسه في هذا البناء الجزئي الهش.
نقول هذا هنا، لنوضح أن الأهم بالنسبة "للقيادة الجديدة" من كل تلك الإلتواءات، لم يكن لا خط سياسي ولا خط تنظيمي، بل همها الأوحد حينها هو الاستيلاء والاستحواذ على قيادة المنظمة من جهة، ومن جهة ثانية التصفية السياسية والتنظيمية لعشر سنوات من الكفاح الثوري لإطلاق مشروع خط عفوي، تجريبي وانتقائي باسم منظمة "إلى الأمام".
لقد حاولنا هنا عرض مجمل الأطروحات المركزية التي وضعتها ما سمي ب "القيادة الجديدة" والتي بها أسست لما أسمته ب "مسلسل إعادة البناء"، وهي في مجملها ما تم تبنيه فيما سمي بندوة الداخل التي انعقدت بتاريخ 28 ــ 29 ــ 30 / 01 / 1983، رغم تسجيل مجموعة من الملاحظات حولها من طرف من ساهموا وانخرطوا في ذاك المسلسل خلال النقاشات التهييئية لتلك الندوة، وهي ملاحظات رغم حدة "نقد" بعضها لتلك الأطروحات، إلا أنها من جهة، لم تشكل أدنى تأثير على مسلسل تصفية الخط السياسي والإيديولوجي والاستراتيجي للمنظمة، ومن جهة ثانية، بقيت في حدود الإطار الذي رسمته تلك "القيادة الجديدة" ل "مسلسلها في إعادة البناء"2.

7 ــ ندوة فرع الداخل (يناير / فبراير 1983): ترسيم القطيعة مع خط المنظمة والدوران في الفراغ

إن القارئ لخلاصات ما سمي ب "ندوة فرع الداخل"، والتي تم اعتبارها لدى أصحاب "مسلسل إعادة البناء" بمثابة "ندوة وطنية ثانية" للمنظمة، سيصاب بالدوار، وسيتلمس عمليا أية "لخبطة" هذه التي أصابت هؤلاء وهم على وشك السقوط في الفراغ، فمن جهة "يتفق كل الرفاق المندوبون على أن أرضية "القضايا الإستراتيجية في الثورة المغربية" تشكو من عدة نواقص هي :
- غياب الخلاصات الأساسية لتقييم التجربة، رغم قصور بعض التقييمات الضمنية.
(ملاحظة: وهي النقطة الأولى هنا من أولى الخلاصات، والأمر لا يعني هنا سوى أن قضية التقييم هي مركزية، ومع ذلك تم عمليا تجاوزها من طرف من يقول بها هنا)
- غياب الاستناد على الواقع المجتمعي الملموس في خصوصيته أثناء إنجاز التحليل الطبقي، وهذا يترجم ضعف المنظمة السياسي والتنظيمي، وضعف ارتباطها بحركة الواقع.
(ملاحظة: الكلام هنا موجه إلى أرضية "القضايا الاستراتيجية في الثورة المغربية"، وفكرة "غياب الاستناد إلى الواقع…." هي الفكرة نفسها التي أشهرها أصحاب هذا "المسلسل" في وجه الخط العام للمنظمة لفترة ما قبل التصدع التنظيمي والسياسي)
- هناك طمس لأزمة الحركة الشيوعية العالمية.
(ملاحظة: وهو ما يعني أن المنظمة كانت سابقا قد اصطفت إلى جانب الخط الماركسي ــ اللينيني الثوري أمميا، وضد الخط التحريفي، في حين عملت "القيادة الجديدة" صاحبة "القضايا الاستراتيجية" على طمسه، كي يسهل عليها توجيه المنظمة أنى شاءت، خصوصا بعد التخلي عن استراتيجية المنظمة، وتغييب أي خط سياسي وتنظيمي في إطلاق "مسلسلها في إعادة البناء")
- غياب الأسس النظرية التي يرتكز عليها المشروع في تناوله لأدوات الثورة.
(ملاحظة: والمقصود بأدوات الثورة هما الحزب الثوري، الجبهة الثورية والجيش الشعبي، فإن كانت الأسس النظرية غائبة في مشروع "القيادة الجديدة"، فعلى ماذا ستأسس "قضاياها الإستراتيجية في الثورة المغربية" بعد التخلي عن استراتيجية المنظمة، وبعد تغييب نظرية التنظيم وتصفية المفهوم اللينيني للتنظيم، وبعد عزل التنظيم، سياسيا وإيديولوجيا، عن محيطه الإقليمي والأممي، أي عزل هذه "القضايا الاستراتيجية" عن صراع الاستراتيجيات إقليميا وأمميا).
ومع كل هذا، سيتفق : "كل الرفاق على أنه يجب أن لا ننتظر حتى نحدد استراتيجية دقيقة لكي نخرج للممارسة – لذا يجب أن نتفق على الشعارات الإستراتيجية العامة والرئيسية كضوابط ملزمة لنا في نشاطنا الجماهيري اليومي، وهذا لا ينفي ضرورة استمرار الصراع الداخلي حول كل القضايا الإستراتيجية، على أساس الحسم فيها في المؤتمر الأول للمنظمة – ونعتبر من جهة أخرى، أن تقدمنا في تقويم وبلورة منظور استراتيجي سديد رهين بتقدمنا في عملية إعادة بناء منظمتنا، كمنظمة شيوعية صلبة مكافحة ومتجذرة أساسا في العمال والفلاحين.".
ونتساءل هنا، كيف استطاع هؤلاء الاتفاق هنا على شيء أجمعوا هم كلهم على غيابه، في الحقيقة، فإن المسألة الوحيدة التي اتفق حولها هؤلاء هي "الخروج للممارسة" / الحركة /"النشاط الجماهيري" وفق شعارات عامة، فلا هي شعارات يتركز فيها التعبير عن خط استراتيجي وسياسي محددين، ولا تستند إلى التجربة التاريخية لعشر سنوات من الكفاح الثوري التي تم التملص من تقييمها الشامل ("غياب الخلاصات الأساسية لتقييم التجربة")، ولا هي تستند إلى تحليل طبقي، ولا أسس نظرية لها لغيابها بشهادة أصحابها.، وكل ما تبقى إذن لا يعدو أن يكون إلا نشاطا عفويا تجريبيا .
ورغم ذلك، "يسجل كافة الرفاق إيجابية المشروع، نظرا لكونه أول نص شمولي تتوفر عليه المنظمة، يتناول القضايا الاستراتيجية الأساسية.". هكذا، أصبح النص، رغم كل ما سجله حوله كل هؤلاء الرفاق، وبقدرة قادر، "نصا شموليا، يتناول القضايا الاستراتيجية الأساسية". وفوق هذا، "يعتبر كافة الرفاق أن شعار "العنف الثوري الجماهيري المنظم" إيجابي ويجب تدقيقه لاحقا على ضوء التحليل الملموس للواقع الملموس."3.
بعدها، " أجمع الرفاق على عدم استعمال صيغة "المنظمة الشيوعية" أو المنظمة الماركسية – اللينينية في دعايتنا الجماهيرية..."، حيث جاءت حجة هؤلاء كون "الدعاية للمنظمة كمنظمة شيوعية على المستوى الجماهيري ليست صحيحة، وذلك نظرا لواقع مجتمعنا الحالي، ولسيطرة الرجعية على جميع وسائل الدعاية – في حين يجب علينا الدعاية الجماهيرية للفكر الماركسي- اللينيني، والاحتفاظ في الظرف الراهن بتسمية "منظمة إلى الأمام" والتوقيع بهذه التسمية.".
لقد أجمع هؤلاء على أن لا استراتيجية محددة لديهم، ومع ذلك يقولون ب "غياب الربط بين الاستراتيجية والتكتيك"(أنظر "خلاصة الندوة حول القضايا التكتيكية في خط المنظمة")
ويؤكدون على "أنه من الأهمية أن يكون عندنا نسق بين التكتيك والاستراتيجية - ولذا يجب توضيح العلاقة بين الاستراتيجية والتكتيك، بارتباط مع معرفة معمقة للواقع المغربي، سواء على المستوى النظري أو على مستوى الممارسة."

8 ــ في البرنامج العام ل"قيادة إعادة البناء"

أكد هذا البرنامج، مرة أخرى، على الخلط الذي وقعت فيه "القيادة الجديدة" في تحديد التناقضين الرئيسي والأساسي، حيث نجد فيه "أن المصالح الموضوعية لمختلف الطبقات الاجتماعية ببلادنا وكذا الصراعات الطبقية الملموسة التي عرفها المغرب طيلة عهد الاستعمار الجديد تظهر بوضوح أن التناقض الأساسي في مجتمعنا هو التناقض القائم بين المعسكر الرجعي المشكل من الامبريالية والبرجوازية الكمبرادورية وملاكي الأراضي الكبار من جهة، ومن جهة أخرى الجماهير الشعبية التي تضم الطبقة العاملة والجماهير الفلاحية الجماهير شبه البروليتارية والبرجوازية الصغرى"، في نفس الوقت نلاحظ تغييب ما أسماه أصحاب "القضايا الاستراتيجية في الثورة المغربية" ب "الجناح التقدمي للبرجوازية الوطنية" من أطراف هذا التناقض الذي هو هنا رئيسي وليس أساسي. (انظر فقرة: أ ــ حول التناقض الأساسي).
ولتدارك هذا التغييب، والتملص من التحليل الملموس للواقع الملموس، تعيد "القيادة الجديدة" أسطوانة "أما موقع البرجوازية الوطنية – المشكلة أساسا من البرجوازية المتوسطة - من التناقض الأساسي فهو معقد ويتغير حسب الشروط الملموسة للصراع الطبقي. فالبرجوازية الوطنية يمكن أن تلتحق بمصاف الجماهير الشعبية أو بمعسكر الرجعية حسب الظروف. كما يمكن أن يتمايز داخلها جناح محافظ يلتحق بالرجعية أو يلتزم الحياد وجناح تقدمي يلتحق رغم تذبذباته بمصاف الجماهير الشعبية". ومن حق أي كان ان يتساءل هنا، خصوصا بعد ورود هذه الفقرة حرفيا في "القضايا الاستراتيجية في الثورة المغربية" سنوات قبل هذا، كيف هي الشروط الملموسة للصراع الطبقي في هذه اللحظة؟ ومن هي هذه البرجوازية الوطنية؟ وأين تتموقع؟ وما هي مواقفها؟
وفي استمرار لتسلسل الانحراف عن خط المنظمة، والقطع مع استراتيجيتها، وتكرارا "للخبطة" التي طبعت "القضايا الاستراتيجية" ل "القيادة الجديدة"، طرحت هذه الاخيرة: “إن الثورة الوطنية الديموقراطية الشعبية تشكل الحل التاريخي للتناقض الأساسي في مجتمعنا" (أنظر فقرة ح ــ الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية")، وتضيف، أنه" نظرا للطبيعة التناحرية للتناقض بين الجماهير الشعبية والمعسكر الرجعي"، ف "إن هذه الثورة لا يمكن أن تعرف طريقها للنجاح إلا… بالكفاح الجماهيري المتعدد الأشكال وعلى رأسه العنف الثوري الجماهيري المنظم"، وسقطت "القيادة" من جديد، بعد كل هذه المدة، في نفس الفراغ الاستراتيجي الذي سقطت فيه سابقا.
نثير الانتباه هنا، أن هذه "القيادة الجديدة" تظهر وكأنها مولعة بزرع بعض المصطلحات السياسية الدعائية والتحريضية، وتقديمها على أنها مفاهيم استراتيجية تندرج ضمن هذا الخط الإستراتيجي أو ذاك، فالجملة الأخيرة في الفقرة الأخيرة من قول “القيادة الجديدة" "... إلا بالكفاح الجماهيري المتعدد الأشكال، وعلى رأسه العنف الثوري الجماهيري المنظم"، لا يعني سوى أن هذا "العنف الثوري..." هو ينخرط ضمن إطار أعلى منه هو "الكفاح الجماهيري"، وهذا الأخير هو "متعدد الأشكال"، إنه نفس منطق "القيادة الجديدة" حين وضعت استراتيجية حرب التحرير الشعبية الطويلة الأمد، واستراتيجية الانتفاضة المسلحة، ضمن إطار أعلى منهما، هو "العنف الثوري الجماهيري المنظم". هذا الأمر يبين أن ل"للقيادة الجديدة" منظورا مقلوبا، فكيف للكفاح الجماهيري، وهو خاصية وعنصرا لخط نضالي محدد، أو مصطلحا سياسيا دعائيا وتحريضيا، أن يصبح هنا إطارا يتضمن "أشكالا متعددة وعلى رأسها العنف الثوري الجماهيري المنظم"، أو ليس من طبيعة هذا الأخير (“العنف الثوري….")، ومن خاصيته أنه كفاح جماهيري؟ كما أن من طبيعة وخاصية "العنف الثوري" أنه "جماهيري ومنظم"، وأن كل هذه الخاصيات هي من طبيعة خط استراتيجي محدد، سواء كان خط حرب التحرير الشعبية الطويلة الامد، أو خط الانتفاضة المسلحة.
إن هذا الامر يؤكد من جديد، أن "القيادة الجديدة" لم تعمل إلا على تغطية غياب الخط الإستراتيجي بمجموعة من المصطلحات والمفاهيم التي لا تتجاوز حد الدعاية السياسية، والتي يسهل تناولها من دون آثار أو أعراض جانبية (كالمهدئات) .
بعد هذا، قامت "القيادة الجديدة"، وقبل طرح "برنامجها العام"، بتحديد الطابع الوطني والديمقراطي والشعبي للثورة :
1 ــ "إن الثورة تكتسب طابعها الوطني من خلال القضاء على نظام الاستعمار الجديد وعلى كافة أشكال السيطرة الإمبريالية ببلادنا والاحتلال الاستعماري لجزء من ترابنا الوطني، التواجد العسكري، السيطرة السياسية والاقتصادية والثقافية على بلادنا، وستقضي الثورة كذلك على العملاء والحلفاء المحليين للإمبريالية، كما ستعمل الثورة على إقامة سلطة وطنية مناهضة للإمبريالية وحلفائها وصنائعها وذلك على الصعيدين الوطني والقومي وعلى بناء اقتصاد وثقافة وطنيتين."
(ملاحظة: قد نتفهم "سلطة وطنية" رغم عدم التحديد الدقيق لمن هي هذه السلطة الطبقية السياسية"، لكن، كيف أمكن ل"القيادة الجديدة" طرح البعد "القومي"ل "سلطة وطنية مناهضة للإمبريالية وحلفائها وصنائعها" وهي، أي "القيادة الجديدة"، قد قامت سابقا بعزل "مشروعها الثوري" عن أي إطار "قومي أو أممي"، فإن كانت المنظمة سابقا، في مرحلتها الثورية قد طرحت "الثودش في الغرب العربي" وربطت هذه الثورة بمفهوم "الجبهة الغربية للثورة العربية" والمندرجة ضمن استراتيجية أوسع بقيادة البروليتاريا، بهدف القضاء على الوجود الإمبريالي والصهيوني بالمنطقة العربية، وتعزيز الخط البروليتاري الثوري السديد أمميا، فماذا طرحت "القيادة الجديدة" بديلا لطرح المنظمة السابق، كي تغرس هنا "الصعيد القومي"؟ لا من تفسير لهذا الأمر، إذا نظرنا إليه من زاوية نظر "القيادة الجديدة"، سوى الحشو اللغوي، لكن إذا نحن نظرنا إليه من زاوية نظر خط المنظمة، فأصل المعضلة يعود لغياب الخط الإستراتيجي والسياسي، كي يمكن الحديث عن "البعد القومي والأممي" للثورة.)
2 ــ "إن الثورة ستكون ديموقراطية لأنها تسعى للقضاء على النظام الملكي الاستبدادي (وعلى أي شكل لسلطة البرجوازية الكمبرادورية وملاكي الأراضي الكبار يمكن أن يحل مكانه)، وإلى ضمان تمتع الجماهير الشعبية بالحريات الديموقراطية الأساسية بدون قيود، وإلى القضاء على العلاقات الإقطاعية و الشبه الإقطاعية المتواجدة في المجتمع. إن الثورة ستكون ديموقراطية كذلك لأن الثورة الزراعية وهي الحل الجذري للمسألة الفلاحية تشكل إحدى مهماتها الأساسية."
(ملاحظة: "الثورة الزراعية وهي الحل الجذري للمسألة الفلاحية تشكل إحدى مهماتها الأساسية."، وهي مهمة أساسية للثورة، أي الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية. ولنقارن قول هذه "القيادة الجديدة" مع ما قالته هي نفسها حول هذه المهمة الأساسية، والمصيرية لقضية الثورة المغربية، لنقرأ: “وتجدر الإشارة هنا إلى التقييم الخاطئ الذي ساد لمدة طويلة داخل المنظمة التي لم تكن تتصور سوى شكل واحد لنضال الفلاحين أي الكفاح المسلح من أجل الأرض (" كفاح الفلاح لا يكون إلا بالسلاح") وإذا كان مشكل الأرض هو المشكل الجوهري بالنسبة للفلاحين الفقراء منهم بالخصوص، وأن هذا المشكل لن يحل فعلا إلا عن طريق العنف الثوري للفلاحين وحرب التحرير الشعبية، فإن هذا لا ينفي وجود مشاكل مباشرة يعاني منها الفلاحون وتستوجب النضال من أجل حلها: فالفلاحون يعانون من تسلط الأجهزة الاقتصادية للدولة...إضافة إلى ما يعانيه الفلاحون من قهر على يد السلطات المحلية، .... وإذا كان من السابق لأوانه في الفترة الراهنة تشكيل الاتحادات الفلاحية تؤطر النضال الشمولي للفلاحين، بما فيه النضال الثوري من أجل الأرض، فإنه من الممكن القيام بعمل جماهيري محدود في عمليات ملموسة تهدف إلى انتزاع مكاسب محددة...". فالثورة الزراعية هي مهمة أساسية في الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية، وهذه الأخيرة هي الحل للتناقضات الراهنة، إلا أنه، وفق منطق "القيادة"، "من السابق لأوانه في الفترة الراهنة... النضال الثوري من أجل الأرض...". في الحقيقة، فهذه الفقرة تدعو للتخلي عن حرب التحرير الشعبية، والاكتفاء ب "عمل جماهيري محدود"، لكون هذه "القيادة" لا استراتيجية لها، وهدفها لم يكن سوى "ضمان موقع في الساحة النضالية" / النشاط.)
3 ــ "إن الثورة ستكون شعبية لأنها ستكون أولا وأخيرا من صنع الجماهير الشعبية وليس من صنع نخبة عسكرية أو نخبة حزبية تقوم بالثورة نيابة عن الجماهير أو بتفويض منها. كما أن الطابع الشعبي للثورة يرمز إلى أن الديموقراطية التي تستجيب في المرحلة التاريخية الحالية للمطامح العميقة للجماهير الشعبية ليست هي الديموقراطية اللبرالية البرجوازية أو بالأحرى الديموقراطية المزيفة التي فرضتها الرجعية على بلادنا في عهد الاستعمار الجديد ولكنها ديموقراطية جديدة، الديموقراطية الشعبية، ديموقراطية سلطة المجالس الشعبية، مجالس العمال والفلاحين وسكان الأحياء الشعبية وغيرها."،
(ملاحظة: فكيف لمن تخلى عن بناء اتحادات الفلاحين الثورية، ودعا إلى بناء "جبهة شعبية" في غياب حزب البروليتاريا وغياب التحالف العمالي الفلاحي ("العمود الفقري للجبهة" كما تقول هذه "القيادة" نفسها)، واكتفى فقط بمشاركة القوى "الماركسية ــ اللينينية" فيها، أي في الجبهة التي دعت إليها هذه "القيادة"، أن يتحدث عن سلطة مجالس العمال والفلاحين ... وعن ديمقراطية سلطة المجالس الشعبية التي تستجيب في المرحلة التاريخية الحالية للمطامح العميقة للجماهير الشعبية.)
4 ــ "تهدف الثورة الديموقراطية الشعبية (الثودش) إلى إقامة الجمهورية الديموقراطية الشعبية ونظام الديكتاتورية الديموقراطية الشعبية. في هذا النظام فالطبقات والفئات الشعبية وقواها الوطنية الديموقراطية المنظمة تتمتع بكافة الحقوق الديموقراطية وتساهم في السلطة وتفرض ديكتاتوريتها المشتركة على أعداء الشعب والثورة."
(ملاحظة: في الحقيقة لا نفهم معنى "قواها الوطنية الديمقراطية المنظمة... وتساهم في السلطة وتفرض ديكتاتوريتها المشتركة"، هذا في "نظام الديكتاتورية الديمقراطية الشعبية" لسلطة المجالس الشعبية.)
5- "إن الهدف الأقصى للبروليتاريا المغربية وللحركة الشيوعية المغربية يتجسد في الثورة الاشتراكية، وفي المجتمع الاشتراكي ثم المجتمع الشيوعي.
إننا كحركة شيوعية مغربية ونحن نكافح من أجل (ثودش) ومجتمع الديموقراطية الشعبية ندرك جيدا بأن الاشتراكية وحدها قادرة على إنجاز مجمل المطامح الأساسية للطبقة العاملة وكافة الكادحين. لهذا فإن برنامجنا كمنظمة شيوعية، كحركة شيوعية، وكذا في المستقبل الحزب الشيوعي المنشود يتضمن إلى جانب برنامج الحد الأدنى أي برنامج ثودش، البرنامج الأقصى وهو برنامج الثورة الاشتراكية والانتقال نحو المجتمع الشيوعي."
(ملاحظة: نؤكد هنا من جديد، على أن "القيادة الجديدة" قد اعتبرت نفسها "حركة شيوعية"، "منظمة شيوعية"، عوض "المنظمة الماركسية ــ اللينينية المغربية"، وعوضت مفهوم "الحزب الماركسي ــ اللينيني" او الحزب البروليتاري الثوري" ب "الحزب الشيوعي"، ولهذا الأمر مغزاه في سياق انتصار التحريفية عالميا، والتحاق جل الاحزاب المسماة "شيوعية" بموجة النضال والانتقال السلمي كأقصى حد، أو انخراطها في موجة أنسنة نظام الرأسمالية. كما أن هذه "القيادة"، وهي تقول بأن برنامج الثودش هو برنامج حد أدنى، برنامج هذه المرحلة، هو تأكيد لملاحظة النقطة 3 أعلاه.)
هذا، وقد أكدت "القيادة الجديدة" على الدور القيادي للطبقة العاملة بواسطة حزبها في الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية، وعلى ضرورة "إقامة وهيكلة تحالف وطني ديمقراطي شعبي ("مجمل الطبقات والفئات الشعبية")، إلا أنها ووفاء منها لانحرافها عن خط المنظمة، لم تطرح قضية لمن يعود بناء هذا "التحالف الوطني الديمقراطي الشعبي"، حيث منحت "للطبقة العاملة وحزبها الشيوعي" قيادة ذاك التحالف لتقويته وتصليبه وحمايته من النزعات اليمينية واليسراوية… ولضمان الانتصار الشامل للثودش… لكن تقول "القيادة الجديدة": “الشروط الموضوعية للصراع الطبقي يمكن أن تفرض إقامة التحالف الوطني الديموقراطي الشعبي ومشاركة الحركة الشيوعية المغربية فيه، بينما لم تتوفر بعد شروط قيادته من طرف الطبقة العاملة."، وعدنا لقضية "الجبهة العريضة" ومشاركة "الحركة الشيوعية" هنا، بعد تحييد الماركسية ــ اللينينية من قاموس هذا الخط الجديد، وفي غياب حزب البروليتاريا والتحالف العمالي ــ الفلاحي، وكأن المرحلة الراهنة، هي مرحلة ما قبل الثورة الوطنية الديمقرطية الشعبية، في نفس الوقت تقول هذه "القيادة" : "إن التحالف العمالي الفلاحي بقيادة الطبقة العاملة هو العمود الفقري للتحالف الوطني الديموقراطي الشعبي". فإذا لم تتوفر شروط قيادة ذاك التحالف من طرف الطبقة العاملة، وكتحصيل حاصل، لا وجود لتحالف عمالي فلاحي، لكون هذه "القيادة" رهنت بناء التحالف العمالي الفلاحي ببناء حزب الطبقة العاملة وتجذره في الفلاحين، فمن يكون هذا "التحالف"؟ علما أن القوى السياسية الموجودة معروفة تماما، وهي بأكملها ملتفة حول النظام وبدرجات متفاوتة، أما الحركة الماركسية ــ اللينينية المغربية، فقد عرفت بمجملها الاجتثاث والتحطيم وانسحاب وتخلي العديد من مناضليها (نقصد "23 مارس" التي دخلت في هذه الفترة في سيرورة العمل الشرعي لتأسيس منظمة العمل الديمقراطي الشعبي باستراتيجية اصلاحية لا تروم تغيير النظام، لا من الداخل ولا من الخارج، أما تنظيم "إلى الأمام"، فهو ما نحن بصدده هنا4. ثم بعض المجموعات الطلابية او غيرها ممن يصعب تصنيفه ضمن خانة التنظيمات الثورية)، فجبهة من، هذه التي تريد "القيادة الجديدة" بناءها من دون حزب بروليتاري وتحالف عمالي ــ فلاحي؟ كما أن هذا التحالف الذي تقول "القيادة الجديدة" أنه استراتيجي وسيظل قائما حتى خلال الثورة الاشتراكية، لا يميز فيه بين الفئات المشكلة للفلاحين، فهل الفلاحون الأغنياء سيكونون مع البناء الاشتراكي، أم ضده وفي جبهة الأعداء الطبقيين في مرحلة البناء الاشتراكي. إن الخلل في تحديد التناقضات وتحولاتها من مرحلة إلى أخرى، هو ما دفع ب "القيادة الجديدة" إلى تبني نظرة ستاتيكية اتجاهها. (لأجل معرفة المزيد بهذا الصدد، يمكن الرجوع إلى وثيقة "المرحلوية أو المنشفية الجديدة" لمنظمة "إلى الأمام" والمنشورة على موقع 30 غشت).
بعد كل هذه "اللخبطة"، طرحت "القيادة الجديدة" "المحاور الأساسية" لبرنامجها العام للثودش (أنظر وثيقة "البرنامج العام")، وآخرا "نضاليا مرحليا.. يمكن أن يشكل كليا أو جزئيا قاعدة للنضال المشترك مع القوى المناضلة الأخرى وخاصة منها القوى الثورية.". كما أبدت استعدادها "للعمل المشترك الهادف إلى خدمة مصالح ومطامح الجماهير الشعبية مع المناضلين والتيارات المناضلة في صفوف القوى الإصلاحية نفسها."، حيث اعتبرت "القيادة الجديدة" " التناقضات بين القوى الثورية والقوى التقدمية الإصلاحية هي تناقضات في صفوف الشعب".
اعتبرت "القيادة الجديدة" أن "المغرب جزء لا يتجزأ من الأمة العربية وهذا ما يجعل من أهداف الثورة العربية أهدافا للثورة المغربية." وأن " التناقض الأساسي على مستوى الأمة العربية هو التناقض بين الجماهير الشعبية العربية وقواها الوطنية التقدمية والثورية من جهة والإمبريالية والصهيونية والرجعية والقوى الساهرة على مصالحها من جهة أخرى. أما الأهداف الأساسية للثورة العربية فتتجسد في القضاء على السيطرة الإمبريالية داخل أمتنا العربية، على الكيان الصهيوني وعلى الرجعية العربية والتجزئة وفي تحقيق الشعوب العربية في كل قطر على حدى للثورات الوطنية الديموقراطية الشعبية وشق طريقها نحو الوحدة والاشتراكية، ويظل الهدف السامي للثورة العربية هو المجتمع العربي الاشتراكي الموحد على امتداد الأمة العربية من المحيط إلى الخليج. إن الوحدة العربية المنشودة لن تكون صلبة ودائمة إلا إذا تم إنجازها على أسس ديموقراطية شعبية مع ضمان كافة الحقوق المشروعة للأقليات القومية والثقافية والدينية."، ومن أجل هذا ترى "القيادة الجديدة" "ضرورة بناء جبهة شعبية للقوى التقدمية والثورية العربية. وبالنسبة للقوى الشيوعية المعبرة عن المطامح الثورية للبروليتاريا العربية والمتشبتة بالماركسية اللينينية كأساس نظري وكمرشد في العمل، ترى منظمتنا ضرورة النضال من أجل حل تناقضاتها عبر الحوار البناء والصراع الديموقراطي وضرورة العمل من أجل تمتين روابطها في أفق توحيد صفوفها مما يوفر إحدى الشروط السياسية لتمكن البروليتاريا العربية من قيادة الجبهة الشعبية للقوى التقدمية والثورية العربية ومن قيادة الثورة العربية."5
أما فيما يخص التناقض على الصعيد العالمي، فتقول "القيادة الجديدة" أن الإمبريالية العالمية بزعامة الإمبريالية الأمريكية هي العدو الرئيسي لشعوب العالم وأن الجبهة التقدمية العالمية المناهضة للإمبريالية وللرجعية العالمية والمناضلة من أجل التحرر الوطني والديموقراطي والتقدم الاجتماعي والاشتراكية تتكون أساسا من حركة التحرر الوطني العالمية وحركة البروليتاريا في البلدان الرأسمالية الإمبريالية ومن البلدان الاشتراكية.".
عن أي "بلدان اشتراكية" تتحدث "القيادة الجديدة"، بعد أن سقطت بلدان تلك الثورات في يد التحريفية، والتحقت سياساتها الاقتصادية بالسياسات اللبرالية، وحطمت سيرورات البناء الاشتراكي. هذا إن لم تكن هذه "القيادة الجديدة" بدأت، أو قد حسمت، اصطفافها خلف تلك البلدان التي تقودها التحريفية.

9 ــ الوضع الداخلي ل "إلى الأمام" من انطلاق "مسلسل إعادة البناء" إلى ضربة خريف 1985:

ما نريد تقديمه هنا، بكل تركيز و وضوح، هو الوضع الداخلي لما سمي ب "القيادة الجديدة" التي استولت على قيادة المنظمة، والتي أطلقت وأشرفت على ما أسمته ب "مسلسل إعادة البناء". ومن أجل أن تكون هذه الصورة أكثر وضوحا، وجب العودة قليلا إلى ما كانت عليه "قيادة" المنظمة في الفترات السابقة منذ نشأة المنظمة (1970) إلى حدود الانفجار السياسي والتنظيمي و"إعادة البناء" التحريفي (1979/1980).
في فترة تأسيسها التي عرفت سيادة خط العفوية سياسيا واللامركزية تنظيميا، عملت المنظمة تنظيميا ب "لجنة التنسيق الوطني"، وهي هيئة تنسيقية لا تتوفر على صلاحيات مركزية تمكنها من قيادة المنظمة (غياب قيادة مركزية). هكذا، وفي سياق الندوات المحلية التهييئية التي تركزت حول الخط السياسي ومعضلة بناء تنظيم ثوري، عقدت المنظمة ندوتها الوطنية الأولى (دجنبر 1971 ــ يناير 1972) التي انتخبت لجنة وطنية، حيث جاءت هذه الندوة ضمن سيرورة الإعداد لاستراتيجية ثورية التي انطلق العمل بصددها منذ أواسط 1971، استراتيجية تقطع مع خط العفوية وتدمج قضية العنف الثوري بالنضال الجماهيري للانتقال به نحو حرب التحرير الشعبية. انتخبت إذن هذه الندوة الوطنية التي خلصت إلى ضرورة الاستمرار في تعميق نقاش استراتيجية "القواعد الحمراء" (تم التبني الرسمي لهذه الاستراتيجية في اجتماع اللجنة الوطنية ل "ماي 1972") لجنة وطنية تتكون من ثلاثة عشرة عضوا، من ضمنهم خمسة أعضاء يشكلون كتابة وطنية، وهم: أبراهام السرفاتي، عبد اللطيف اللعبي، عبد اللطيف زروال، المشتري بلعباس، عبد الحميد أمين.
أما باقي الأعضاء في اللجنة الوطنية، فهم: علي فقير، محمد الموساوي، عبدالله زعزاع، فؤاد الهيلالي، أيت غنو المحجوب، العربي، الحاج ناصر وعبدالفتاح الفاكيهاني (انظر مقالة "البنية التنظيمية لمنظمة "إلى الأمام" للرفيق فؤاد الهيلالي)
خلال حملة الاعتقالات لسنة 1972 تم اعتقال عضوي الكتابة الوطنية عبداللطيف اللعبي (حملة يناير/فبراير/مارس) وعبد الحميد أمين (شهر ماي)، وعضوي اللجنة الوطنية محمد الموساوي (انسحب من المنظمة بعد ذلك) وعبدالفتاح الفاكيهاني، وفي نفس السنة سلم عضو اللجنة الوطنية علي فقير نفسه للعدو (وفق تقرير 20 نونبر)، وبموجب هذا تم تجميد عضوية هذا الأخير. كما انسحب من المنظمة، في ماي / يونيو 1972، المحجوب آيت غنو، و تم طرد العربي من المنظمة بسبب ازدواجية انتمائه التنظيمي (كان ينتمي في نفس الوقت لمنظمتي "إلى الأمام" و ل "23 مارس").
بعد حملة الاعتقالات هذه، عرفت قيادة المنظمة تحولات في تشكيلتها، هكذا سيتم إلحاق كل من ادريس بنزكري وحمادي الصافي باللجنة الوطنية في خريف 1972، ومعلوم أنه في هذه الفترة بالضبط، عملت فيها المنظمة على نقد خطها التنظيمي (انظر تقرير 20 نونبر) والتأسيس لانطلاقة تنظيمية جديدة نحو منظمة "طليعية، صلبة وراسخة جماهيريا" تعمل على تنظيم الجماهير في لجان ثورية تشكل قاعدة الجبهة الثورية الشعبية. حيث شكلت هذه المحطة عمليا حلقة القطع النهائي مع خط العفوية واللامركزية. فعند صدور هذا التقرير: "عشرة أشهر من كفاح التنظيم ــ نقد ونقد ذاتي" (المعروف اختصار ب "تقرير 20 نونبر)، والموقع باسم اللجنة الوطنية، كانت هذه الأخيرة تتشكل من: أبرهام السرفاتي، عبداللطيف زروال، المشتري بلعباس، عبدالله زعزاع، فؤاد الهيلالي، ادريس بنزكري والصافي حمادي.
سنة 1973 ستعرف ضم عبدالفتاح الفاكيهاني إلى الكتابة الوطنية بعد إطلاق سراحه من السجن، كما عرفت انسحاب فؤاد الهيلالي من اللجنة الوطنية بعد خلاف مع القيادة حول تجربة مدينة الرباط، مع استمراره في العمل داخل المنظمة كإطار محترف لها في مناطق مختلفة.
بعد هذه التحولات إذن في تشكيلة قيادة المنظمة لهذه الفترة، ستدخل المنظمة فترة التصدع التنظيمي مع حملة الاعتقالات لنونبر 1974 / يناير 1975 (كان أبرز ما عرفته هذه الحملة استشهاد عبداللطيف زروال تحت التعذيب في 14 نونبر 1974) حيث لم يتبقى منها سوى عنصرين من الكتابة، وهما المشتري بلعباس وعبدالفتاح الفاكيهاني، وعنصر واحد من اللجنة الوطنية وهو حمادي الصافي. ومعلوم أنه في هذه الفترة تحديدا عرف خط المنظمة انزلاقا سياسيا يمينيا ("الجبهة العريضة لعزل النظام القائم"... انظر ما جاء باختصار في هذه المقالة التركيبية حول هذه الفترة). استمرت إذن هذه "القيادة" على رأس المنظمة إلى حدود ربيع 1976، بعد أن تم ضم كل من عبدالله المنصوري وعزوز العريش إلى اللجنة الوطنية (بعد حملة 74/75)، حيث تم اجتثاثها الكلي من طرف النظام الكمبرادوري، وتصبح المنظمة على إثرها من دون تنظيم مركزي (انظر الجزء الثالث من هذه المقالة، وهو بعنوان: طور الانفجار السياسي والتنظيمي داخل منظمة "إلى الأمام").
في ظل هذا الوضع الجديد الذي تميز بغياب قيادة مركزية وبتوزيع قياديي وأطر ومناضلي المنظمة على العديد من المعتقلات والسجون، وفي سياق الانهيارات والأخطاء الكارثية داخل المعتقلات والسجون لمجموعة من قياديي وأطر المنظمة، تشكلت استجابة لمطلب قواعد المنظمة من الرفاق والمناضلين، بعد المحاكمة التاريخية لسنة 1977 وانتقال المعتقلين السياسيين إلى السجن المركزي بالقنيطرة، قيادة جديدة داخل السجن المركزي في مارس من نفس السنة، وكان أعضاؤها كل من: ادريس بنزكري، فؤاد الهيلالي، ادريس الزايدي، محمد السريفي وعبدالرحمان النوضة.
عملت هذه القيادة تنظيميا ووفق النظام الداخلي للمنظمة ومبادئها، على خلق الشروط لتجاوز الأوضاع الكارثية التي تسببت فيها ممارسات العديد من كوادر المنظمة، وذلك من خلال إنجاز تقارير عن طريق الاستماع لأغلب الرفاق حول الممارسات التي عرفها المعتقل السري ل "درب م.الشريف" ومجموعة من المعتقلات الأخرى، لتصدر هذه القيادة ما يعرف بقرارات يونيو 1977 القاضية بتجميد عضوية مجموعة من الرفاق والمناضلين (منهم من كان في قيادة المنظمة قبل الاجتثاث الكلي للتنظيم المركزي)، وطرد عناصر أخرى (وافق أغلب المجمدين على مضامين تلك التقارير وقبلوا بتقديم نقد ذاتي عن ممارساتهم في حق المنظمة وأعضائها، ماعدا المشتري بلعباس وعبدالله المنصوري)
الملاحظ إذن، بعد كل هذه الأحداث، أنه لم يعد من الصحيح الحديث عن "شرعية قيادية" خارج ما بدأ يتشكل داخل السجن المركزي، خصوصا وأن كل أعضاء التنظيم المركزي (القيادة) هم بالسجون. فمنهم ما حصده الاعتقال باكرا ولم تعد له لا معرفة ولا تجربة بتطورات المنظمة تنظيميا وسياسيا واستراتيجيا (خصوصا بعد التحول النوعي الذي عرفته المنظمة على كل المستويات في أواخر 1972، وتشييد انطلاقتها الجديدة بصدور "تقرير 20 نونبر")، ومنهم من جعله الاعتقال أو التعذيب، أو هما معا، عنصرا مخربا للمنظمة. أمام هذا الوضع الجديد، أخذت هيكلة تنظيمية جديدة طريقها، الموضوعي والمطلوب، في التبلور، بناء من جهة، على وضع التصدع والانهيار الداخلي، ومن جهة ثانية، بناء على مطلب قواعد المنظمة ومناضليها لأجل تحصين وقطع الطريق على كل العناصر، قيادية كانت أو غيرها، والتي أصبحت مصدرا لتصدع المنظمة وتفككها.
عملت اللجنة القيادية للمنظمة بالسجن إذن على تنظيم وتنسيق مجموعة من المعارك (انظر فقرات سابقة من الجزء الثالث في هذه المقالة التركيبية)، إلى أن تم تشتيت كل المعتقلين على مجموعة من السجون والمعتقلات إثر معركة "فبراير 1978" التي كان شعارها "من أجل سن قانون المعتقل السياسي" (المعركة كانت قرارا انفراديا لأحد قياديي المنظمة، ادريس بنزكري، ولم تخضع للنقاش داخل المنظمة ووسط أطرها). ليصبح الوضع الداخلي للمنظمة ومن جديد معقدا ومعرقلا لتطبيق البرنامج الذي كانت قد وضعته سابقا اللجنة القيادية للمنظمة بالسجن بعد إصدارها لقرارات يونيو 1977.
في هذه الظرفية التي فيها اهتزت ومن جديد البنية التنظيمية للمنظمة، انطلق زعيمي الخط الانتهازي اليميني، المشتري بلعباس وعبدالله المنصوري (وهما من المجمدة عضويتهم والرافضين لتقديم نقد ذاتي عن جل ممارساتهم الكارثية السابقة)، في التعبئة ضد اللجنة القيادية للمنظمة بشعارات "مواجهة الهيمنة البيروقراطية داخل إلى الأمام" و "مواجهة دغمائية المنظمة"، حيث حملوا المنظمة وخطها الثوري مسؤولية كل ما تعرضت له المنظمة. كما بلوروا أطروحتهم السياسية ("موضوعات حول الوضع السياسي") المرتكزة على خط الانزلاق السياسي اليميني لفترة نهاية 1974 بداية 1975 إلى حدود ربيع 1976. و بلوروا وثيقة "نقد نظرية الثورة في الغرب العربي" التي بها تمت إعادة النظر في الخط الاستراتيجي للمنظمة.
لقد كسب هؤلاء خلال حملتهم هذه، في الوقت الذي كانت فيه قيادة المنظمة بالسجن منكبة على حل العديد من القضايا والمشاكل التنظيمية التي أفرزها وضع تشتيت المعتقلين، مجموعة من الأعضاء الانتهازيين والمتذبذبين إلى "جماعتهم"، وعلى الخصوص بعد التحاق السرفاتي في يناير 1979 بالسجن المركزي، وانضمامه إليهم، حيث شكلوا معا ثلاثيا عمل على فرض هيكلة تنظيمية جديدة للاستيلاء على المنظمة، وعلى فرض برنامجهم الانتقالي المتضمن لنقاط ثلاث (الوضع السياسي، تقييم تجربة سنتي 1977 و1978 والموقف من الصحراء)، وهو البرنامج الذي لم يكن الهدف منه سوى فرض خط سياسي يميني، وعودة هؤلاء إلى مواقعهم القيادية السابقة بعد كل الكوارث السياسية والتنظيمية التي تسببوا فيها، وكذا مراجعة خط المنظمة الاستراتيجي ارتباطا بمواقفها من قضية الصحراء المرتبطة بخط "نظرية الثورة في الغرب العربي" التي عمل قياديو الخط الانتهازي اليميني على مراجعتها وبلورة وثيقة نقدية لها. لقد استمر هذا الوضع إلى حدود أبريل 1979 الذي عرف إعادة تجميع المعتقلين السياسيين بالسجن المركزي، فتنقلب معها موازين القوى بالسجن لصالح خط المنظمة الثوري الذي عمل على إيقاف ما سمي ب "البرنامج الانتقالي"، وعلى إعادة النظر في الهيكلة التنظيمية والاستعداد للانطلاق في برنامج جديد كان شعاره المركزي هو "التقييم الشامل وإعادة البناء"
في ظل هذه الظرفية الجديدة إذن، بعد أبريل 1979، التي اتسمت بانهزام الخط الانتهازي اليميني الذي كان "الثلاثي" على رأسه حينها، وبعودة الخط الثوري إلى مواقعه القيادية، انطلقت حملة التشهير والإشاعات والكذب بهدف نزع المصداقية عن مناضلي وقياديي خط المنظمة الثوري (الاتهام بسرقة 18 مليون... محاربة "الستالينية"...انظر بهذا الصدد اعترافات السرفاتي في "نقده الذاتي")، حيث سيتم تجميد عضوية السرفاتي من طرف اللجنة القيادية بالسجن، بعد بلورته لنظريته التي أسماها ب التوجيه والتسيير" التي تحت غطائها قام بالانسحاب من التنظيم المركزي. في نفس الوقت برز تيار اخر (الخط التصفوي) وعلى رأسه قياديين اخرين سابقين بالمنظمة (عبدالله زعزاع وعبدالفتاح الفاكيهاني)، ممن شملتهم قرارات يونيو 1977، والطامحين تنظيميا، بمعية قياديي الخط الانتهازي اليميني، إلى إسقاط تلك القرارات، ليلتئم الخطان معا، ظرفيا، ويقدما معا ما سمي ب "بيان التجميد" (52 توقيع). تحت وقع هذه الأحداث والصراعات، بدأت بوادر بروز خط "يسراوي" داخلي هذه المرة و وسط خط المنظمة الثوري، بزعامة كل من عبدالرحمان النوضة وأحمد أيت بناصر.
إن هذه المقالة هنا، تحاول ما أمكن إبراز العناصر الرئيسية لمجمل الأحداث التنظيمية والسياسية لهذه الظرفية، والتي في خضمها سيبرز "ثلاثي اخر"، منح لنفسه صفة "القيادة الجديدة" بناء على مواقعه "القيادية" السابقة6، وهو "الثلاثي" الذي سيقود عملية التفاوض الفاشلة مع المجمدين عضويتهم وسط المنظمة، ويعمل بعد هذا على إطلاق ما أسماه ب "مسلسل إعادة البناء"، بعد أن قبل بقرارات الطرد من المنظمة الصادرة بتاريخ 12 نونبر 1979 في حق كل المجمدين عضويتهم.
انفرد هنا هذا "الثلاثي" ب "قيادة المنظمة" وبدأ بإصدار وثائقه في "مسلسل إعادة البناء" حيث التحق به في أواخر 1979 ممثلا الخط "اليسراوي" الذي أشرنا سابقا إلى حيثيات بروزه، وهما عبدالرحمان النوضة وأحمد أين بناصر، في حين فضل فؤاد الهيلالي عدم الالتحاق بتلك "القيادة الجديدة". لتصبح تشكيلة "قيادة إعادة البناء" تتكون من كل من: عبدالحميد أمين، علي فقير، ابراهام السرفاتي، عبدالرحمان النوضة وأحمد أيت بناصر.
في الواقع، لقد سهر "الثلاثي": أمين، علي والسرفاتي وسط تلك "القيادة الجديدة" على بسط وفرض خط إصلاحي منذ البداية رغم كل المحاولات التي قام بها ومن خارج تلك "القيادة" مناضلو الخط الثوري، لوقف سيرورة الانحراف اليميني الذي انطلقت وسارت عليه تلك "القيادة"، وبعد ذلك رغم مجموعة من الانتقادات ومن داخلها، التي بلورها رفيقهم في تلك "القيادة": النوضة (انظر بهذا الصدد نشرتي "الشيوعي" العدد 5 والعدد 5 مكرر). انفردت إذن هذه "القيادة" بالمنظمة، وطرحت تصورها وخطتها ل "إعادة البناء"، إلى أن انفجرت بسبب من تناقضاتها الداخلية، وذلك بعد أن أرست دعائم خط سياسي انتهازي يميني، لا يحمل أية استراتيجية بعد التخلي عن الخط الاستراتيجي للمنظمة. هكذا، وبمجرد خروجه من السجن سنة 1984، لم يلتحق عبد الحميد أمين بالمنظمة، لا هو ولا قبله رفيقه في "قيادة إعادة البناء"، علي فقير بعد خروجه من السجن (التحق ب "الج.م.ح.إ) ، مع ما صاحب ذلك من توقيعات مشبوهة تتعهد بعدم العودة إلى أي عمل سياسي. كما عرفت نفس السنة انسحاب ادريس بنزكري7، في حين انسحب النوضة عبدالرحمان بعد ضربة 1985، وهي الضربة التي على إثرها لم يعد للمنظمة تحت "قيادة" الخط التحريفي أي وجود بالداخل وخارج السجن (بخارج المغرب، بقي فرع فرنسا "وفيا" للخط التحريفي وتحت "قيادته"، إلى حدود أن تم الحل العملي ل "إلى الأمام" سنة 1994، في حين رفض فرع بلجيكا سابقا ومنذ البداية الاعتراف ب "قيادة إعادة البناء").
على إثر كل هذا، انفرد السرفاتي لوحده، ومن ورائه تلامذته، في إتمام البناء السياسي التحريفي لما بعد 1985، والذي لم يكن في الواقع إلا تصفية خط المنظمة وكل إرثها الثوري.

الهوامش:
1 ــ تعتبر هذه الإطارات شبه الجماهيرية شرايين المنظمة وسط الحركة الجماهيرية، فهي تتكون من المناضلين الطليعيين لهذه الحركة، وهي مستمدة من التجربة البلشفية.
2 ــ بهذا الخصوص، أنظر النقاش الذي جرى بين "قياديين" من داخل "مسلسل إعادة البناء"، والمنشور في كتاب " "إلى الأمام": 1980 ــ 1994: الخط التحريفي ــ وثائق ونصوص"، موقع 30 غشت.
3 ــ حول هذا "العنف...”، أنظر الفقرة الأخيرة من: ه ــ "القيادة الجديدة": "مسلسل العنف الثوري الجماهيري". ونشير أن هؤلاء الرفاق اعتبروا تلك الصيغة إيجابية لأنها غير دقيقة، أي غامضة (كأني بصاحب تلك الصيغة يمارس التقية ) ،للمزيد من معرفة "استراتيجية الغموض"، انظر دراسة "مسلسل تصفية المنظمة الماركسية ـ اللينينية المغربية إلى الأمام".
4 ــ للمزيد من معرفة وضعية التنظيم في هذه الفترة، يستحسن العودة إلى دراسة "مسلسل تصفية المنظمة الماركسية ــ اللينينية المغربية إلى الأمام".
5 ــ تبرز الفقرة، سيرا على نهج سابقاتها حول قضية بناء الجبهة وبناء الحزب البروليتاري، أن إمكانية قيام وبناء هذا النوع من الجبهة على المستوى العربي هي قائمة من دون أن تكون البروليتاريا قائدة لها في بداية نشأتها وبنائها، أو هي من سيعمل على بنائها، لأن حديث الفقرة هو يجري حول توفير الشروط السياسية التي تمكن البروليتاريا من قيادة الجبهة، وليس من بنائها، فقيام هذه الجبهة قبل قيام الحزب واردة لدى "القيادة الجديدة".
6 ــ "شرعية قيادية" هي في حالتها تلك مفقودة كليا لكون أصحابها ممن أتت عليهم هذه المقالة سابقا ــــ انظر الجزء الثالث من هذه المقالة وهو بعنوان: "طور الانفجار السياسي والتنظيمي داخل منظمة إلى الأمام" ــــ ، هم ثلاثة "أعضاء"، منهم من سلم نفسه للعدو في ماي 1972، وبقي بعيدا عن كل التطورات النوعية للمنظمة، إن سياسيا أو تنظيميا أو استراتيجيا، والثاني كان هو الاخر بعيدا عن هذه التحولات بسبب الاعتقال المبكر في ماي 1972، والثالث هو مجمد العضوية من طرف القيادة المحلية بالسجن بعد أن انسحب من التنظيم المركزي في ماي 1979 وبعد العديد من الأخطاء والكوارث السياسية والتنظيمية التي تسبب فيها.
7 ــ نذكر هنا بانه في هذه السنة، 1984، تم تقديم لائحة تضم مجموعة من الأسماء لطلب العفو والسراح، حيث ضمت تلك اللائحة أسماء عناصر من تلك "القيادة": السرفاتي، أحمد أيت بناصر، و اسم أحد زعماء الخط التصفوي: زعزاع، وكذا بنزكري وأسماء بعض العناصر من المنظمة: الحريف وغيره... (ضمت اللائحة 15 اسما، لمعرفة الحيثيات التي فيها تم تقديم هذه اللائحة إلى رأس النظام الكمبرادوري، انظر دراسة "مسلسل تصفية منظمة إلى الأمام....")
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتبع بالحلقة الثانية عشرة والأخيرة، وهي تضم المحاور التالية:

10 ــ ضربة خريف 1985 وما بعدها:
10 ــ أ ــ ملخص لوقفة "القيادة الجديدة" اتجاه ضربة خريف 85:
11 ــ ما بعد شبه "التقييم" لخريف 85، وانكشاف الخط التحريفي الإصلاحي.
11 ــ أ ــ في بعض المفاهيم:
11 ــ ب ــ في مشروع خط "إعادة البناء"، أو مرحلة ما قبل الثودش:
11 ــ ب ــ أ ــ دولة الحق والقانون:
11 ــ ب ــ ّ2 ــ الديمقراطية الحقيقية.
11 ــ ب ــ 3 ــ حول العمل "الشرعي.
12 ــ"نظرية الاختراق الديموقراطي "ــــ النهج الديمقراطي.
12 ــ أ ــ المبادئ الأساسية لتصور تيار النهج الديمقراطي.
كلمة ختامية

موقع 30 غشت
http://www.30aout.info



تعليقات الفيسبوك