كيف شوه المتدينون الآلهة والاديان


محمود يوسف بكير
الحوار المتمدن - العدد: 6103 - 2019 / 1 / 3 - 22:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

الأديان صامتة ونحن الذين ننطقها ونفسرها ونتلاعب بها كما نشاء وبما يتماشى مع مصالحنا الاقتصادية والشخصية، وعبر التاريخ الإنساني كانت ولازالت المصلحة الشخصية هي الصخرة التي تتحطم عليها أعظم المبادئ. الغرض من المقال هو بيان كيف لحق الفساد بالأديان وكيف شوه مفهوم الإله، وسواء كان هذا الإله يجلس على عرش في مكان ما في هذا الكون ويرصد كل تحركاتنا أو أنه مشغول عنا بأشياء أكبر من تفاهاتنا أو أنه لا يوجد إلا في مخيلتنا فإن كل هذا لا يهم كثيرا، المهم هو أن مفهوم الإله كان في الأصل ذو معان جميلة نحن كبشر بحاجة لها ، ومن هذه المعاني أن الإله هو المعين والملهم والموفق وهو الملاذ الأخير لنا عندما يتخلى الجميع عنا في وقت الشدائد والأزمات، إنه الصديق المخلص والمتاح في أي وقت نريد أن نفضي إليه بأوجاعنا، إنه المتجاوز عن هفواتنا وأخطاءنا، إنه المحرك لضمائرنا والكابح لشرورنا وباعثنا على فعل الخير. وقد أرسل الإله أو الآلهة وحيهم للبشر بهذه المعاني كي تكون دليلا لهم في حياتهم على الأرض. البعض سيقول إن هذه المعاني تتناقض مع واقع حياتنا ولكننا ندعو هؤلاء إلى التوقف قليلا وتأمل شريط حياتهم، سيجدون أن كل هذه المعاني تحققت بدرجة أو أخرى في تجربتهم مع الحياة أيا كان الإله الذي يعبدون، وحتى الملحدين الذين يؤمنون بان الإنسان هو سيد الكون وإله نفسه يقرون أنه بحاجة لهذه المعاني السامية.

هذه القوة مصدر وجودنا في هذا الكون لم تخلقنا حتى نكون عبيدا لها وبلا كرامة ولا هدف من وراء حياتنا القصيرة على وجه الأرض إلا التذلل لها خوفا من بطشها. إن القوة أو الإله الذي أتحدث عنه ليس هو الإله الذي ضحى بإبنه الوحيد في زمن محدد من أجل تخليصنا من الخطايا ومع هذا لازلنا نخطئ، وهو ليس هذا الإله المتهافت الذي يحتاج إلى عبادتنا له بشكل بائس لدرجة أن يعد بتحويلنا إلى آلهة مثله خالدين في جناته ولكل منا عدة قصور وآلاف النساء وطعام وشراب وبذخ ومجون في عالم غريب يتوقف فيه الزمن ولا حدود فيه للمكان. كل هذا فقط مقابل أن نسجد له لبضع سنوات في الحياة الدنيا! والمفارقة هنا أن نفس هذا الإله القادر على توفير كل هذا البذخ يترك الملايين من البشر يموتون جوعا كل عام بسبب الجفاف على أرضه.

كل هذا المسخ والتشويه لصورة الإله الذي هو بالتأكيد أكبر من كل هذه الأديان وهذا العبث هو صناعة بشرية من قبل فقهاء ورجال الأديان.
نحن بحاجة لإيقاظ ملكة الفكر والتأمل في عقولنا وأن نعود الى الأديان في صورتها الأصلية وأن نتجاوز الحواجز والموانع والتابوهات ألتي أسس لها رجال الدين عبر مئات السنين لمنعنا من مقاربة النص الاصلي بدعوى أننا لن نفهمه إلا من خلالهم وكأن الإله أرسل هذه النصوص للخاصة فقط وليس للعامة.

والحقيقة أن احتكار رجال الدين للنصوص الدينية وصراعهم واختلافهم في تفسيرها أدي الى خلق شيع ومذاهب وانقسامات داخل كل دين فلم تعد المسيحية أو الإسلام دينا واحدا كما كانا في الأصل حيث لم تكن هناك سوى كنيسة واحدة ولم يكن هناك اسلام سني وأخر شيعي ولا مذهب الشافعي أو الحنبلي أو المالكي أو الحنفي. وهو ما أدى إلى تعقيد الاديان وتحولها الى طقوس ومكلمات وشعارات وأماكن عبادة فخمة ونجف وسجاد عجمي فاخر وأعمال فنية وملابس ملونة ومزركشة، ولم تعد الأديان تسهم بأي بشكل في تنمية الأوطان والشعوب وفي النهاية ضياع رسالتها الحقيقة وتشويه صورة الإله.
إنها دعوة للخروج من مصيدة رجال الدين واللحاق بالحداثة بمكوناتها الأساسية وهي العقلانية والحرية الفردية واستخدام العلم لتفسير وفهم العالم المادي وتحليل تاريخنا وثقافتنا بلا خوف، وهي مفاهيم ومبادئ ترفضها تفسيرات رجال الأديان التي لا تتوافق ولن تتوافق مع الحداثة أبدا لإنها تعتبر العلم عدوا لها ولا تؤمن بالحرية الفردية وتؤيد الاستبداد ولا تحث على إعمال العقل بدعوى أن " من تمنطق فقد تزندق"

ليست لدينا مشكلة شخصية مع رجال الدين سوى أنهم مفصولين تماما عن هموم وتطلعات شعوبهم وكأن مهمتهم الوحيدة هي اجترار الماضي وتجاهل الحاضر، بالإضافة الى قدرتهم العجيبة على التعايش في أمان وسلام مع كل ما حولهم من استبداد وظلم وفساد. وعلى سبيل المثال لم أسمع عن رجل دين واحد مسيحي أو مسلم في مصر يتحدث أو يدافع عن حقوق الانسان الأساسية مثل حق الحياة وحق الكرامة والديموقراطية وحرية الاعتقاد والتعبير. ألم يكفل الإله هذه الحقوق لكل البشر أم أنها محرمة ولا يصح التعرض لها من قبل رجال الدين؟ أنهم يفتون في كل شيء مثل إرضاع الكبير وزواج الطفلة وهل المسيح كان ربا وهو طفل صغير ويتجاهلون القضايا الآنية الهامة الأمر الذي جعلنا في مؤخرة الأمم وأضحوكة العالم. كما إن بعض فتواهم كانت سببا في مشاكل كبيرة واقتتال وضحايا وخراب.
ولعلي أضرب مثلا واحدا من هذه الفتاوى التي أدت إلى تشويه الله في الاسلام دون سند من القرآن. ففي صورة الكهف آية تقول " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" وبالرغم من هذا الوضوح جاء الفقهاء بحكم الردة ليقتل المرتد ويسلب البشر من حق منحهم الله إياه وهو حق الاعتقاد. وحتى لو قيل إن هناك حديث بحكم الردة فهل يعقل أن يجب حديث للرسول كلام الله؟

ولكن ومع تقدم العلم والمعرفة فإن هناك توجه سريع في كل المجتمعات الحديثة نحو العقلانية والهروب من التفسيرات القديمة والخرافات والأساطير خاصة تلك المشوهة لمفهوم الإله. ونعتقد أن دور العبادة سوف تتحول قريبا إلى مزارات سياحية. ولعلي أذكر القراء بإنه لم يكن متصورا أبدا أيام حكم الفراعنة في مصر أن تتحول معابدهم الضخمة مثل الكرنك والاقصر الى معالم سياحية مفتوحة للجميع وأن تتحول غرفة قدس الأقداس في معابدهم والتي لم يكن يدخلها أحد سوى الفرعون وكبير الكهنة إلى مكان لالتقاط الصور التذكارية.

والخلاصة أنه من حق المتدينين أن يؤمنوا بما يشاءون وأن يصوروا إلههم كما يحلو لهم ولكن ليس من شأنهم أن يقتصوا أو يرهبوا من يخالفهم الرأي ويرى الإله بشكل مخالف ويدعوا الناس اليه كما يدعون هم لإلههم. وينبغي أن يتفهموا أن الواقع الاقتصادي والثقافي للإنسان له تأثير كبير في طريقة استيعابه لمفهوم الدين والإله ولذلك فإن الاختلاف هو أساس الحياة، إذن ليس من المنطقي أن يحمل رجل الدين سلم دينه بالعرض ويؤذي الآخرين باسم الدين والرب وأن يدعو إلي إلهه بالتهديد والترهيب.
أن من يقرأ في تاريخ الأديان يصاب بحالة من الأسف وهو يري كيف بدأت الأديان كحركات ثورية إصلاحية لينتهي بها الحال إلى صروح مؤسساتية ضخمة بعيدة كل البعد عن تطلعات الشعوب الفقيرة التي نصرت الأديان
وفي المقابل لم يحصلوا على أي معطيات أرضية، عاشوا فقراء ويموتون فقراء، فقط حصلوا على وعود بقصور ومتع في عوالم أخرى.
الإصلاح الديني الحقيقي لن يأتي من السلطة ولا من رجال الدين ولكن سيأتي من الناس أنفسهم عندما تنصلح أحوالهم الاقتصادية ويأمنون على حياتهم ويحصلون على حريتهم.



تعليقات الفيسبوك