الصهيونيه و الماركسيه


عبد المطلب العلمي
2019 / 1 / 3 - 15:04     

الصهيونيه و الماركسيه

عبد المطلب العلمي

نشر بالامس السيد حاتم الجوهري مقالا بعنوان (وثائق الامميه الشيوعيه بين لينين و الصهيونيه و الماركسيه)
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=623373
منع الكاتب التعليق على المقال، و لاهميه الموضوع سطرت سريعا ردا موجزا ارجو ان ينال اهتمام القراء. و كالعاده فان نظام التعليقات مفتوح ليتمكن السيد الجوهري من الرد.
بدايه استغرب من باحث اعتماده على حلقتين من برنامج تلفيزيوني و ليس على وثائق معتمده لبناء اطروحته. الباحث كوستاش ذو مصداقيه لكن الكاتب قوله ما لم يقوله و احيانا اجتزأ اطروحاته لتتلائم مع الهدف من المقال. الامثله كثيره[قبول لينين لدور تنظيم الصهيونية الماركسية في الأممية الشيوعية]،[ اشترط لينين على تنظيم عمال صهيون في فلسطين عدة شروط ليقبلهم رسميا في الأممية الشيوعية]،[ ضرورة استقطاب عناصر عربية فلسطينية لأيديولوجية الصهيونية الماركسية وتخفيف الصبغة اليهودية عنه، بالإضافة لعدة مهام عسكرية واستخباراتية استخدمهم فيها لينين].
لا بد في البدايه من التطرق بشكل مختصر لتاريخ حزب بوعالي تسيون ( العامل الصهيوني) و علاقته مع الحزب البلشفي. تاسس عام 1901 في يكاترينسلاف (دنيبرو، اوكرايينا حاليا) على يد بوروخوف ،بعدها تم تاسيس خلايا للحزب في مختلف مدن الامبراطوريه الروسيه . اللافت للنظر في تلك الفتره هو عدم وجود برنامج مركزي للحزب ،بعض الخلايا تبنت الماركسيه بينما تبنت خلايا اخرى نظريه اصدقاء الشعب و اقليه تبنت افكار الاصلاحيه الاجتماعيه. كذلك وُجد خلاف كبير بين تلك الخلايا بخصوص الوطن القومي ،اغلبيه كانت تؤيد انشاء وطن قومي في اوغاندا او العراق ،اما الاقليه فكانت ترى في فلسطين الحل الوحيد للمساله اليهوديه . قام زعماء الجناح اليساري لبوعالي تسيون بالدعوه لفكره ( الصهيونيه العماليه ) فكانت نتيجه تجذر تلك الدعوه تاسيس حزبان تسمى احدهما الحزب الصهيوني العمالي الاشتراكي و تسمى الاخر حزب العمال العبريين الاشتراكي . في وقت لاحق اجتمع في زيوريخ عام 1905انصار الوطن القومي في فلسطين و اسسوا الحزب الاشتراكي الديمقراطي العمالي العبري ، لكن سرعان ما انشق الحزب في كونفرنس برديشيف(مدينه اوكرايينيه) الى جناحين احدهما لا يمانع في الحصول على حكم ذاتي في اطار الامبراطوريه الروسيه ،اما الجناح الاخر فيرى الحل الوحيد في اقامه دوله في فلسطين. سرعان ما تم الدعوه الى كونفرنس اخر في مدينه بولتافا (اوكرايينا) تقرر فيه التخلي عن جميع التسميات السابقه و التوحد من جديد تحت مسمى بوعالي تسيون . كل تلك الاحداث دارت دون ان يكون قد تم اقرار برنامج سياسي للحزب ،لكن سرعات ما تمت الدعوه عام 1906 للمؤتمر الذي انعقد في مدينه قنسطنتينغراد(اوكرايينا) و سمى المؤتمر الاول ،تم اثنائه اقرار البرنامج الذي تم ادخال بعض التعديلات عليه في المؤتمر الثاني الذي انعقد عام 1907 في كراكوف (بولندا). كذلك يجب الاشاره الى تكون فروع للحزب خارج حدود روسيا القيصريه في الامبراطوريه النمساويه المجريه و في فلسطين و بريطانيا و الولايات المتحده الامريكيه . انطلاقا من ذلك انعقد في لاهاي المؤتمر العام لبوعالي تسيون عام 1907 و تم تاسييس الاتحاد العالمي الاشتراكي للعمال العبريين الذي اتخذ اسما مختصرا(فيربايند) التي تعني باللهجه الايديشيه الاتحاد . هنا اتوقف عن هذا السرد التاريخي لاقفز راسا الى ما بعد قيام الثوره البلشفيه ،حيث ان العشر سنوات الفاصله بين المؤتمر الثاني و الثوره البلشفيه لم يكن بها احداث تتعلق بشكل مباشر بفلسطين.
بوعالي تسيون بعكس البوند ( الاتحاد العام للعمال اليهود في ليتفا و بولندا و روسيا) آزر البلاشفه و جند العمال اليهود في الجيش الاحمر ،بينما ايد البوند الذي كان الحزب اليهودي الاكبر في اوكرايينا ، الحكومه الاوكرايينيه المستقله ، و تحمل نتيجه لذلك تبعات عمليات الاباده التي قام بها حلفائهم الاوكرانيين ضد الاقليه اليهوديه ، نتيجه للسياسه الشوفينيه لحكومه اوكرانيا المستقله زادت شعبيه بوعالي تسيون ،على حساب شعبيه البوند و خرج الكثيرون من البوند ونضموا الى صفوف بوعالي تسيون . استغل الجناح اليساري في البوعالي تسيون ذلك و دعى الى مؤتمر تاسيسي للحزب الشيوعي العبري(بوعالي تسيون) ،الذي انعقد في مدينه غوميل (بيلوروسيا) . اكد الحزب الشيوعي العبري في بيانه التاسيسي انه بعكس البوند لم يكن يوما ما على علاقه مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي في روسيا ، لذلك لا يوجد في صفوفه لا مناشفه و لا تروتسكيين.
لشعور البوند بالارض السبخه تحت اقدامه ،تقدم بطلب للحزب الشيوعي العبري للاتحاد معهم في منظمه واحده و حسب برنامج الحزب العبري .هنا الحزب رفض رفضا قاطعا ذلك .لا يوجد في وثائق الحزب الارشيفيه اي تفسير لذلك لكني اتجرأ على القول ان السبب يكمن في ثقه الحزب بان تحالفهم مع البلاشفه(الذي وضعوه كاساس للعمل) يفتح امامهم الباب واسعا لاستيعاب جماهير البوند دون عائق مما سيساهم في دعم توجههم ضد سياسه التمثل ، دون حمل ثقل اخطاء و هفوات و خطايا البوند في علاقتهم مع البلاشفه .
هنا يجب لفت الانتباه الى اتجاه جديد ظهر في صفوف الحزب الشيوعي العبري ،ففي البيان الموجه من الحزب للمؤتمر السابع لعموم السوفييتات عام1919 نرى دعوه صريحه لوطن قومي مغلفه بقشره ماركسيه . فبعد المقدمه التي تطرح حق تقرير المصير لجميع القوميات و ان حق تقرير المصير للعبريين يتم عن طريق ديكتاتوريه بروليتاريتها التي افلحت بانشاء كمونات في مختلف المناطق ، يتابع البيان قوله بان حق تقرير المصير هذا لا يمكن اكماله الا على ارض فلسطين ، حيث ان الكمونات العبريه في بلد مترامي الاصقاع متباعده جغرافيا لا يمكن اعتبارها تجسيدا حقيقيا لحق تقرير المصير، اما في فلسطين فان الاساس الصلب لكيان عبري شيوعي قد تم انجازه على يد دول الوفاق و بمساعده البرجوازيه العبريه و الهجره الغير منظمه الى هناك ، فما علينا الا تنظيم الهجره الشيوعيه و الاستيلاء على زمام المبادره من البرجوازيه و تاسيس الكيان الشيوعي العبري. حينها سيكون هذا الكيان راس الحربه ضد المشاريع الامبرياليه في المنطقه و كذلك سيساهم مع طليعه كادحي دول الشرق المتخلفه في تصعيد اوار حركات التحرر الوطني.
كذلك تمكن الحزب من الحصول على دعوه الى مؤتمر كادحي الشرق الذي انعقد في باكو عام 1920 ،حيث قدم مندوب الحزب زينوفي اوستروفسكي ورقه عمل عنوانها ( الهجره و استعمار فلسطين حسب الاسس الشيوعيه ) لن اتطرق لمحتوى الورقه فهو شبيه بما اوردته اعلاه عن الاعلان مع فرق بسيط انه تطرق الى ضروره التحالف مع الكادحين العرب من اجل اعاده بناء الاقتصاد الفلسطيني . كذلك تاسيس فرع للامميه الشيوعيه في فلسطين ،فرع سيتعاون مع الفروع الاخرى في المنطقه من اجل دفع عجله التحرر الوطني الى الامام. هذا التقرير لم يتم التصويت عليه و لم يدرج ضمن مقررات المؤتمر.
في شهر اب1921 تقدم الحزب بمشروع للاندماج مع الحزب البلشفي لكن على اساس بقائه كوحده مستقله داخل الحزب البلشفي مسؤوله عن كل ما يخص العبريين اما في القضايا الاخرى فيلتزم الفرع بسياسه الحزب البلشفي ،اخذين بعين الاعتبار ان الامميه الشيوعيه اتخذت عام1920 قرارا بحل البوند و دمج اعضائه بشكل فردي في الحزب البلشفي ، علما ان قرار الحل تم انتقاده ببيان للبوعالي تسيون اكد على قصر نظر الامميه الشيوعيه و على سعيها لاجبار العبريين على التمثل ،ارى ان خطوه البوعالي تسيون كانت ضروريه لكي يتمكن من مواصله احتكار التاثير على العبريين و متابعه السياسه المناهضه للتمثل و المناديه بتنظيم الهجره العبريه لفلسطين .رد الحزب البلشفي كان سريعا و صادما ففي مذكره من سكرتير اللجنه المركزيه ياروسلافسكي موجهه الى افيربوخ وضح فيها ان هكذا تقسيم امر غريب و ان قضيه الهجره الى فلسطين فكره لا شيوعيه، و وضح ان انضمامهم للحزب البلشفي ممكن فقط بعد حل حزبهم و الامتناع عن الدعايه الصهيونيه و الامتناع عن الدعوه للهجره الى فلسطين. حينها تمت الدعوه الى اجتماع لفروع بوعالي تسيون في العالم عقد في شهر اب في مدينه دانزينغ(غدانسك البولنديه حاليا) لمعالجه موضوع الانضمام الى الامميه الشيوعيه ، لم يوافق المؤتمر على شروط الانضمام للامميه و على الاخص شرط حل جميع فروع البوعالي تسيون في العالم.افيربوخ هاجر الى فلسطين راسا من دانزينغ مرسلا رساله مؤرخه في الثالث من ايلول الى اللجنه المركزيه لبوعالي تسيون في موسكو مؤكدا فيها انه لا يوجد مستقبل للعمل الصهيوني في روسيا و انه مسافر الى فلسطين.اي انه حصلت القطيعه التامه بين بوعالي تسيون و الحزب البلشفي و الامميه الشيوعيه، و جميع الخطوات التي قام بها بوعالي تسيون لاحقا لا صله لها بالبلشفيه.
محاولات الفرع الفلسطيني للبوعالي تسيون الانضمام الى الامميه الشيوعيه بالفعل وجدت لكن لم تلقى نجاحا. ايبر كون و ضمن مندوبي الحزب الشيوعي النمساوي حاول حضور المؤتمر الثاني للامميه الشيوعيه كممثل للحزب الاشتراكي الفلسطيني،لجنه العضويه قررت عدم السماح لكون ايبر المشاركه في المؤتمر بسبب"ان بوعالي تسيون لم يتخلى بعد عن الأراء الصهيونيه الباطله،لذلك قبول ممثليه و كذلك النظر في امكانيه ضم الحزب الى الامميه لاسباب مبدئيه مرفوض" لكن سمحت له بحضور المؤتمر كضيف. القى كون ايبر كلمه في اطار مناقشه مقررات المؤتمر حول حركات التحرر الوطني ، عضوه المؤتمر من الحزب البلشفي فرومكينا شنت هجوما ساحقا على اطروحات كون ايبر و على البوعالي تسيون ،كان الصراع في اروقه المؤتمر بين فرومكينا و كون ايبر حول طريقه حل المسائل المتعلقه بالاقليات، هل الافضل حكم ذاتي في اطار الدوله السوفياتيه او هجره البروليتاريا الثوريه الى الدول المتخلفه لبناء الاشتراكيه هناك ،في هذا الجدال كانت الغلبه للبلاشفه و لم تدخل مقترحات الاشتراكي الفلسطيني في مقررات المؤتمر حول الكولينياليه و حركات التحرر .
هناك خلط كبير بين بوعالي تسيون و الحزب الاشتراكي الفلسطيني ،يعمد كثير من الكتاب الى اعتبار ان الحزب الاشتراكي هو تسميه الفرع الفلسطيني لبوعالي تسون. في الواقع فان الحزب الاشتراكي تم تاسيسه من قبل فئه انشقت عن البوعالي تسيون و دعت الى نبذ الصهيونيه و الانضمام الى الامميه الشيوعيه. و قد اوردت اعلاه نبذه عن محاولتهم تلك. لقد عبرت جريدة "باروييس" الناطقة باللغة الايديشية عن هذا التحول الفكري, إذ ذكرت بأنه كان أمام اليسار الثوري في الحركة العمالية اليهودية خيارين يجب الحسم فيما بينهما, إما اختيار " لندن الامبريالية أو موسكو البروليتارية.... أغسطس 1914 أو أكتوبر 1917 .... بلفور أم لينين.... مؤتمر صهيوني أم الأممية الشيوعية ؟بهذه المعادلة حسم الشيوعيون الأوائل مواقفهم الفكرية, وشقوا طريقهم نحو الفكر الماركسي اللينيني, بالرغم من بقاء بعضا من عدم الوضوح الفكري بخصوص عدة قضايا، وبالأساس بخصوص الصهيونية والقضية القومية. حيث بقى الحزب واقعا تحت تأثير بعض الأفكار الصهيونية مثل مفهوم "الصهيونية البروليتارية". توقف العبري, جرى في داخل صفوف حزب العمال ألاشتراكي عام 1922 انشقاق تنظيمي تشكل على أثره حزبان شيوعيان: الحزب الشيوعي في فلسطين بقيادة جوزيف برزيلاي (برغر), والحزب الشيوعي الفلسطيني بقيادة حاييم اورباخ. في شهر تموز 1923 عقد الحزب مؤتمره الخامس, الذي شكل نقطة تحول حاسمة ، ففي هذا المؤتمر تم توحيد الحزبين. في حزب واحد سمي بالحزب الشيوعي الفلسطيني. واتخذ المؤتمر موقفا نهائيا من الأيديولوجية الصهيونية, وتخلى عن أوهامه السابقة وبما يسمى "الصهيونية البروليتارية". ففي هذا المؤتمر قيم الحزب الحركة الصهيونية بأنها "حركة تتجسد فيها تطلعات البرجوازية اليهودية... وتقف في جبهة واحدة مع الاستعمار البريطاني، إذ ربطت مصيرها مع مصير المحتلين الامبرياليين..." كما ودعت قرارات المؤتمر إلى مقاومتها "بواسطة العمل الإيضاحي بين العمال اليهود خاصة... توجيه النضال ضد الصهيونية البروليتارية.."و اتخذ المؤتمر قرارات حاسمة وصحيحة بصدد الحركة القومية العربية، إذ اعتبرها "احد العوامل الأساسية التي تقاوم الاستعمار البريطاني"، ورأى من واجبه القيام بعمل كل شيء من اجل مساندتها.
بعد المؤتمر الخامس تقدم الحزب بطلب الانضمام للكمنتيرن ، و اشترطت اللجنه التنفيذيه للكمنتيرن على الحزب "أن يسعى إلى إقامة أوثق الصلات مع أوسع الجماهير العربية بغية تحويله من منظمة للعمال اليهود إلى حزب شيوعي حقيقي".. ودعته إلى دعم حركة التحرر الوطني للسكان العرب في نضالهم ضد الاحتلال البريطاني- الصهيوني."،اي تعريب الحزب .حينها بدأ العمل الشاق بين الجماهير العربيه و ارسال العشرات منهم للدراسه في جامعه شعوب الشرق، و في المؤتمر السابع كان عدد المندوبين العرب مساوي لعدد اليهود منهم مع توسيع نشاطه ليشمل شرق الاردن(احد اعضاء المؤتمر كان ممثلا لشرق الاردن). اعطت هذه العمليه اكلها سريعا و رغم معارضه بعض العناصر تكونت سكرتاريه اللجنه المركزيه من ثلاثه اعضاء احدهم يهودي اما الامين العام فكان عربي ايضا.كذلك كان هناك عربي وحيد عضو اللجنه التنفيذيه للكمنتيرن ممثلا للحزب الشيوعي الفلسطيني، و لتحجيم تأثير فرانكو على المراكشيين تم ارسال قيادي عربي فلسطيني اخر الى الجمهوريه الاسبانيه لاصدار مناشير و تاسيس اذاعه بالعربيه.
خلال هذه الفتره كان لينين على فراش المرض، فعن اي تعاون منه مع الصهاينه يدور الحديث، و هل الحزب الشيوعي هو حزب صهيوني. اما موقف ستالين من الصهيونيه فيمكن ايجازه في الفقره التاليه( ما هي مثلا تلك الأمة اليهودية التي تتألف من يهود جورجيين ودغستانيين وروس وأمريكان وغيرهم والتي لا يفهم بعضهم بعضا ويقطنون مختلف بقاع الكرة الأرضية ولن يرى بعضهم بعضا في حال من الأحوال أسلما كان أم حربا...ليست هذه بأمة والاشتراكية الديمقراطية لا يمكن لها أن تضع برنامجا لمثل هذه الأمم الكرتونية. ).
لهذا يجب دائما العوده الى المصادر و عدم بناء الاستنتاجات على برامج بروبوغاندا تمولها البرجوازيه الوضيعه سواء الروسيه او غيرها.



تعليقات الفيسبوك