عمالة رخيصة وعمال بلا حقوق – قطاع الكهرباء نموذجا!


نادية محمود
2018 / 12 / 30 - 20:39     

مع اشتداد سعي الرأسمالية لزيادة ارباحها تقوم بتشغيل العمال باجور اقل وبدون حقوق. ان تجربة عمال العقود في الكهرباء هي خير دليل على هذا التوجه. تتعرض الايدي العاملة في هذا القطاع وبعد عام 2003 الى تشغيلها بارخص الاجور وبدون اية التزامات من قبل الدولة تجاههم.
ان نسبة عمال العقود والاجور هي ليست نسبة عالية جدا فحسب، بل الحقيقة ان هذا القطاع يديره عمال العقود والاجور، ولا يشكل العاملين على الملاك الدائم الا اقلية ضئيلة جدا. حيث يشغل مايقارب 33.400 عامل في هذا القطاع، من هذا العدد يعمل ما نسبته 75% في العقود والاجور، 90% منهم يعملون في الانتاج والنقل والتوزيع بعقود شهرية او يومية. ويعمل 99.99% منه في مركز السيطرة الوطني.
يواصل العاملون في هذا القطاع وبصبر وعلى امتداد ستة اعوام، انتظار تنفيذ الوعود، ومع كل اقرار لموازنة مالية جديدة، يعتصم او يتظاهر عمال العقود من اجل وضع امر تثبيتهم على الملاك الدائم على الميزانية، وبدون جدوى. ومع اقرار ميزانية عام 2019، لم يوضع امر تعيينهم، مرة اخرى، على الموازنة المالية، بل ترك امر توفير درجات وظيفية لرئاسة الوزراء فيما اذا تريد او لا تريد توفير درجات وظيفية. وانتهى الامر الى ان يتحول مصير ومعيشة مئات الالاف من الاسر الى كرة يتقاذفها وزير المالية ووزير الكهرباء والبرلمان، واللجنة المالية في البرلمان ورئاسة الوزراء، حيث لا يعرف عمال العقود والاجور بخناق من عليهم ان يمسكوا من اجل ان يحصلوا على حقوقهم. ومن هي الجهة الحكومية المسؤولة عن اقرار تثبيتهم وتعيينهم على الملاك الدائم؟ الا ان كل هذه تفاصيل ثانوية.
ان المسالة الاساسية هي ان ما يجري هو امر مخطط ومقصود. انه امر الحصول على عمالة رخيصة وعمال بلا حقوق. انها فلسفة والاساس الذي يقوم عليه الاقتصاد الحر الجديد. الاقتصاد الذي يريد انتزاع اكبر ما يمكن من عوائد، ويسعى لتجريد العامل من كل حقوق، والاستفراد به، والتنصل عن كل مسؤولية اتجاهه. انه نظام رأسمالي عالمي مجرب مقصود ومخطط له. وتجربة السنوات الستة الاخيرة هي افضل برهان على ذلك.
ان ميزانية تشغيل وتعيين هؤلاء ال33 الف عامل على الملاك الدائم لن يكلف الدولة الا 0.4% ، اي 4 بالالف من تكاليف انتاج الكهرباء، ووفقا لاحاديث اعضاء البرلمان في استضافتهم لوزير الكهرباء اوائل شهر كانون الاول الجاري، حيث اكدوا على ان كلفة تعيينات العقود ستبلغ 46 مليار دينار، من ميزانية الكهرباء بكاملها والبالغة 11 ترليون دينار.
ان النقص، ليس كما يقول عضو اللجنة المالية في البرلمان عدنان الزرفي، بانهم يريدون الحفاظ على المال العام. فالحقيقة ان قيام العمال باعمال انتاج الكهرباء يوفر للدولة ما لايقل عن 50 مليون دولار ربحا عما لو تعاقدوا مع الشركات في العام الواحد. وان كان هنالك حرص على المال العام، فيجب ان يوقفوا اعمال الفساد التي بدأت توثق عالميا عن العراق. وان يتركوا امر ايجارات ومخصصات نواب البرلمان، وتقاعدهم، الذي يؤمنوه لاعضاء لهم فقط 4 سنوات عضوية في البرلمان، في الوقت الذي يمضي عامل الكهرباء 13 عاما الا انه يخرج بدون اية ضمانات.
ان المسالة تكمن بالضبط في سعي الحكومة لانتزاع اكبر ما يمكن من الاموال عبر تقليل الكلفة عليها ومن ثم اكثر ادرارا للارباح من تعيينهم في وظائف ثابتة، ومن التزامات اخرى لهؤلاء العاملين. انهم يسلبون العمال من اية حقوق ويتنصلوا تنصلا تاما منها. انهم يتعاقدون على اجور واطئة مقارنة بزملائهم الثابتينا. فعقود العمال والاجور تعني عدم وجود حقوق للعمال، لا حقوق في الضمان الاجتماعي والتقاعد، ولا اجازات امومة، لا حق التمتع بالعطل، ولا تحتسب ايام المرض التي تحدث خارج ارادة الانسان، كأيام مدفوعة الاجر، و لا يوجد اي تعويض عند الاصابات، ولا تعويض للاسر في حالة وفاة الشخص العامل بحوادث عمل وما اكثرها في القطاع الكهربائي، حيث يصاب العديد من العمال بصعقات كهربائية تؤدي الى وفاتهم في الحال، دون ان تتحمل الحكومة ادنى مسؤولية عن اعالة اسرتهم. ان العمال كلهم يكررون بان عدد القتلى في هذا القطاع هم ثالث قطاع في العراق من حيث عدد الضحايا التي تسقط فيه كل يوم.
لذلك، ورغم مرور ما يقارب 7 اسابيع، واستمرار اعتصامات وتظاهرات عمال العقود والاجور في قطاع الكهرباء وفي اكثرية مدن العراق، الا انه لا توجد اية نية حقيقية بتعيينهم على الملاك الدائم. قد تسعى الحكومة من اجل انتزاع فتيل الغضب باطلاق 200 او اكثر من الوظائف الحكومية، والتي تذهب في الاعم الاغلب الى اشخاص مقربين الى الاحزاب، وتطلق الوعود، وهي تطلق الوعود من عام 2013 ولحد الان بشأن تعيينهم، الا ان امر تثبيتهم على الملاك الدائم، امر لا يقبله صندوق النقد الدولي ولا الحكومة. وتلك الاعتصامات والمناشدات
لا تزعج الدولة باي شكل من الاشكال، لتجعلها تعيد النظر وتاخذ مطالب عمال العقود على محمل الجد.
ان سياسة العقود والاجور هي سياة الاجور الاقل، والتملص من الاعتراف بحقوق العمال، وتعطي للحكومة والشركات الفرصة لطرد اي عامل من القطاع في اي وقت، حيث لا توجد اية حماية قانونية له. وما قانون 37 الذي سعت النقابات العمالية طويلا الى اقراره من اجل ان يضمن لكل العمال في كل القطاعات الضمان الاجتماعي في حالة العجز او التقاعد، فانه لا يعني وزارة الكهرباء بشيء.
في الوقت الذي يحتاج عمال العقود لادامة مطالباتهم، وقد يصعدوا من اساليب ضغطهم من الاعتصامات الى الاضرابات كما يرددوا في تظاهراتهم المستمر يوميا الان، يجب على مختلف القطاعات والجماهير بعامة التضامن معهم ومع مطالبهم، مع الادراك التام و الوعي الكامل بان سياسة الحكومة هي سياسة مقصودة معادية لحقوق العمال سياسة: عمالة رخيصة وعمال بلا حقوق.
28-12-2018



تعليقات الفيسبوك