عبدالحسين سلمان وفوبيا الطبقة


مؤيد احمد
الحوار المتمدن - العدد: 6081 - 2018 / 12 / 12 - 22:34
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

عبدالحسين سلمان وفوبيا الطبقة

مؤيد احمد

الجزء الاول

نشر موقع الحوار المتمدن يوم 21 كتوبر 2018 مقالا لـ عبدالحسين سلمان (http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=615587) ردا على حوار اجراه معي الرفيق عبداللـه صالح في جريدة الغد الاشتراكي، التي تصدرها منظمة البديل الشيوعي في العراق، المنشور على نفس موقع الحوار المتمدن بتاريخ 19 اكتوبر 2018.
دعونا من العنوان والختام الاستخفافيين غير المتحضرين والمتسمين بعدم مراعاة الاحترام والذوق السليم لمقال السيد عبدالحسين سلمان، إلا أن ما ورد في مقاله ليس سوى مجموعة اسئلة او بالاحرى "اجوبة على شكل اسئلة" يطرحها الكاتب بشكل متعالِ واستعراضي مشوهاً جوهر الموضوع وناسيا بانه بهذا العمل وضع نفسه في موقع لا يحسد عليه.
مقال هذا الكاتب او بالاحرى اسئلته لا تستحق الاهتمام الكافي ، لانها:
اولا، مبنية على تشويه موضوع البحث وخلط الامور بشكل كبير، ثانيا، استهدف الكاتب الاستهزاء وليس البحث والتعمق العلمي. ثالثا: الاجوبة موجودة مسبقا في ذهن الكاتب وهو يريد ان يلقي أمر الاجابة على كاهل الاخرين ويتهرب بهذه الطريقة من صرف الوقت والطاقة لشرح افكاره للقراء. واخيرا، فان تصرفات صاحبنا الكاتب، وطريقته النرجسية المتعالية قد جعلت من مقاله كاريكاتورا مملا غير جذاب لمن يتابع او يقرأ الجدال معه، ولكن وبالرغم من كل ذلك، فان ترويجه لتشويهات وتصورات خاطئة عن الطبقة العاملة وانكار لوجودها ولوجود الطبقة البرجوازية وعدم سيادة "نمط الانتاج الراسمالي" في العراق وغيرها من المفاهيم، و كلها باسم ماركس وانجلز، يحتاج الى الرد، هذا بالاضافة الى ضرورة كشف حقائق ما تعني هذه التشويهات ومغزاها البرجوازي الليبرالي في ميدان السياسة والنضال الطبقي العمالي والشيوعي الدائر في العراق.
مقال الكاتب يتالف من 7 نقاط موزعة بهذا الشكل: 4 منها اسئلة و3 منها استهزاء غير ذات قيمة، لذا فان تركيزنا سينصب على الاسئلة الاربعة. كل سؤال من اسئلته الاربعة توحي بجواب منفي وهو انكار وجود الطبقة البرجوازية، انكار وجود البروليتاريا وانكار وجود نمط الانتاج الراسمالي، في العراق. هذا وبالاضافة الى سؤال له حول مدى تطابق مفهوم ماركس للشيوعية مع واقع العراق. اذن وبشكل اساس تحتوي ردودي لاسئلته، بالرغم من غرابة الاسئلة، على تاكيدي على وجود البرجوازية والبروليتاريا ونمط الانتاج الراسمالي في العراق. اما فيما يخص قضية الشيوعية ومدى تحقيقها في العراق سنعالجها في نهاية المقال.
من الضروري الاشارة هنا الى ان صاحب الاسئلة لا يقول بشكل صريح ان "نمط الانتاج الراسمالي" غير سائد في العراق انما يشير الى ذلك ضمنيا من خلال اسئلته وهكذا الحال ايضا فيما يخص انكار وجود البرجوازية والبروليتاريا في العراق . للاطلاع على كونه يفكر بهذا الشكل وينفي وجود "نمط الانتاج الراسمالي"، الطبقة البرجوازية والطبقة العاملة في العراق، ارجو الاطلاع على مقالاته الاخرى المنشورة في صفحة الحوار المتمدن وبالاخص
مقاله الذي يتبنى فيه تصور تشومسكي عن الرأسمالية لا نقد ماركس (http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=562815) ورده الاخير على فلاح علوان
( http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=618577)
يستنجد الكاتب، في معرض صياغة أسئلته، بملاحظة اضافها انجلس في الطبعة الانكليزية سنة 1888 "للبيان الشيوعي" حيث ان الاخير عرف البرجوازية كالتالي "نعني بالبرجوازية طبقة الرأسماليين العصريين، مالكي وسائل الإنتاج المجتمعي، الذين يستخدمون العمل المأجور." وعرف البروليتاريا في نفس الملاحظة، " ونعني بالبروليتاريا طبقة العمال الأجراء العصريين، الذين يُضطرون، لعدم امتلاكهم وسائل إنتاج، إلى بيع قوة عملهم ليتمكنوا من العيش." وعلى ضوء ذلك يوجهنا الكاتب بسؤالين اولهما هل توجد الطبقة البرجوازية في العراق ؟ وثانيهما: هل توجد الطبقة البروليتارية في العراق؟ وكلاهما وفق هذا التعريف الذي صاغه انجلس؟. تجدرالاشارة هنا الى ان تسلسل هذين السؤالين ليس اعتباطي لدى السائل، انما نابع من تفكيره هو بان الطبقة البرجوازية هي التي تخلق البروليتاريا! سنتطرق الى هذا التصور الخاطئ لاحقا في هذا الرد . الجدير بالذكر ان كلمة "المجتمعي" في النص العربي من ترجمة دار التقدم موسكو هي" الاجتماعي"التي ساستخدمها لكونها الاكثر شيوعا ومطابقة مع التعبير الانكليزيSocial Means of Production
فيما يخص التساؤل حول وجود "نمط الانتاج الراسمالي في العراق" يستشهد عبدالحسين بمقطع من رسالة ماركس الى فيرا زاسوليج وينقله بهذا الشكل: "كتب ماركس وبكل تواضع جواباً الى المناضلة الثورية فيرا زاسوليتش, Vera Zasulich بتاريخ 16.08.1881 يقول : حتى الان هذا لم يتحقق إلا في بريطانيا، واوروبا الغربية التي تمر بالمرحلة نفسها.....والحتمية التاريخية لنمط الإنتاج الرأسمالي، تقتصر صراحة على اوروربا الغربية." وعلى ضوء هذا المقتبس يسال الكاتب هل يسود "نمط الانتاج الراسمالي" في العراق وفق التعريف الوارد في هذا النص؟.
أبدأ اولا بالرد على سؤاله الاخير حول "نمط الانتاج الراسمالي" في العراق.

ثلاثة ملاحظات سريعة على مقتبس رسالة ماركس،
وسؤالٌ منا !
ثمة ثلاثة ملاحظات اولية بخصوص هذا المقتبس من ماركس وهي:
اولا، ان تاريخ الرسالة غير صحيح اذ هو 8-3-1881 وليس 16-08-1881
ثانيا، وهذا اهم، هناك جملة تسبق هذا القسم من رسالة ماركس اصبحت مفقودة في المقتبس اذ لم يوردها الكاتب لسبب ما وهذه الجملة المفقودة تجعل النص الموجود ناقص ويفشل في نقل ما يقصده ماركس تماما في هذه الرسالة.
واخيرا، ان ماركس هو نفسه وفي هذه الرسالة ينقل هذا المقطع- من النسخة الفرنسية من تأليفه الكتاب الاول لراس المال.
لنطلع على المقطع بشكله الكامل كما دونه ماركس في رسالته الى ف. زاسيوليج:
" في تحليل منشأ الانتاج الراسمالي أقول :
ان النظام الراسمالي يقوم في جوهره على انفصال المُنتِج انفصالا جذريا عن وسائل الانتاج ....واساس هذا التطور كله انما هو مصادرة ملكية الزرّاعْ ، وذلك الانفصال لم يتم بصورة جذرية الا في انكلترا.ولكن سائر بلدان اوروبا الغربية كافة تمر بالمسيرة نفسها.( راس المال النسخة الفرنسية ص 315 )." Karl Marx &Frederick Engels, selected correspondence , Puplished in Great Britain, Lawerance and Wishart LTD. 1956, Marx to V.I ZASULICH London , March 8, 1881 page 411. " The foundation of the capitalist system is therefore the utmost separation of the producerform the means of production....The basis of this whole development is the expropriation of the agricultural producer. This has been accomplished in radical fashion only in England...But all the countries of Western-- Europe are going through the same movement. (Capital , French ed. p.315).
جوهر تعريف ماركس للنظام الراسمالي واضح جدا هنا في هذا المقطع من راس المال والذي يكرره هو في اماكن عديدة في مؤلفاته بتعابير مختلفة. اذن لنا الحق ان نسأل: لماذا يستقطع السيد عبدالحسين سلمان هذا القسم الاول من النص؟. نحن لا نعرف السبب ولكن الذي نعرفه هو انه بقيامه بهذا العمل جعل من مفهوم ماركس عن النظام الراسمالي غير واضح وكل المقتبس غير مفهوم .

جوهر النظام الراسمالي في رسالة ماركس
وتهرب الكاتب منه !
من الواضح ان ماركس يعرف راس المال بوصفه علاقة اجتماعية وليس شيئا،حيث يقول " ولكن راس المال ليس شيئا، بل علاقة انتاج اجتماعية محددة، تنتمي الى تشكيلة اجتماعية تاريخية معينة، تتمثل في شئ معين ، وتسبغ على هذا الشئ طابعا اجتماعيا خاصا." (كارل ماركس، راس المال المجلد الثالث، عملية انتاج راس المال ككل ، ترجمة فالح عبدالجبار دار الفارابي ص 946)
كما ويقول ماركس في فصل "نتائج عملية الانتاج المباشرة" من راس المال " ان كلا من النقود والسلع هي شروط اولية مسبقة لراس المال، ولكنها لا تتطور الى راس المال الا في ظل شروط معينة. فالراسمال لا يمكن ان يظهر الى الوجود الا على اساس تداول السلع ( بما في ذلك النقد)، اي حيثما التجارة قد نمت الى درجة معينة و محددة. غير ان انتاج و تداول السلع ، لا يفترضان البتة وجود النظام الراسمالي للانتاج. .... انهما يشكلان المقدمة التاريخية لنمط الانتاج الراسمالي. من جهة اخرى ما ان تغدو السلعة الشكل العام للمنتوج، حتى يتوجب كل شئ يتم انتاجه ان يرتدي هذا الشكل.... وعليه اذا كانت السلعة تظهر، من جهة بوصفها مقدمة لنشوء راس المال فانها تغدو ايضا ، ومن حيث الجوهر ، نتيجة، منتوج الانتاج الراسمالي، ما ان تصبح (السلعة) الشكل الشامل للمنتوج( الكلمات البارزة من قبلي) . "(كارل ماركس نتائج عملية الانتاج المباشرة ( القسم المجهول من راس المال ) ترجمة فالح عبدالجبار مركز الابحاث و الدراسات الاشتراكية في العالم العربي ص 29)
فما هي تلك الـ"شروط معينة" التي يتحدث عنها ماركس في هذا المقتبس والتي تحول "النقود والسلع" الى راس المال. لقد جاوب ماركس على هذا السؤال في المقطع الاول من رسالته الى ف. زاسيوليج ولكن لم ينقله السيد عبدالحسين سلمان. اذ هو يقول في ذلك المقطع " ان النظام الراسمالي يقوم في جوهره على انفصال المُنتِج انفصالا جذريا عن وسائل الانتاج ....واساس هذا التطور كله انما هو مصادرة ملكية الزرّاعْ......".
هكذا، يتضح بما فيه الكفاية كيف ان ماركس يؤكد على ان "النظام الراسمالي" قائم "في جوهره" على "انفصال المُنتِج... عن وسائل الانتاج" و كيف ان اساس هذا التطور كله "هو مصادرة ملكية الزرّاعْ" اي مصادرة ملكية المنتجين الزراعيين او الفلاحين او بالمعنى الاخر تجريدهم من وسائل الانتاج اي الارض. اذن، الجوهري واساس كل هذه العملية هي تجريد المنتجين من وسائل الانتاج وخلق البرولتياريا المعاصرة التي ليس لديها شئ تبيعها غير قوة عملها لرأس المال كي تعيش . فصاحب راس المال في عهدنا الراهن ،كائن من يكون، لا يخلق فرقا، قد يكون الراسمالي في القطاع الخاص او الدولة او المختلط اذ ان الامر الاساسي هو كون البروليتاريا بوصفها حامل قوة العمل لا تستطيع العيش بدون بيع قوة العمل لراس المال. لذا علينا ان نثبت للكاتب بان قوة العمل متوفرة في السوق اي هناك العمال موجودون مستعدين لبيع قوة عملهم وذلك قبل ان نرد على سؤاليه الاخرين: سيادة "نمط النظام الرأسمالي" والطبقة البرجوازية في العراق.
نحن محظوظون هنا اذ صادف وان السيد عبدالحسين، وفي رده على فلاح علون، سهل علينا مهمة نقاش هذه الفقرة حيث انه يعترف بان الطبقة العاملة كانت موجودة في الخمسينيات في العراق. حسنا، اين اختفت هذه الطبقة؟ لماذا غابت هذه الظاهرة التاريخية التي اسمها بروليتاريا، الآن! حسب راي الكاتب؟ ولماذا يوجه الينا الكاتب سؤالاً كي نثبت له وجود الطبقة العاملة الآن وبعد سبعة عقود من الزمن؟!. يبدو انه ينظر الى الطبقة العاملة، آنذاك واليوم، كمجموعة من الافراد صادف ان اجتمعوا في مكان ما وفي زمن ما واختفوا منذ ذلك الحين ولم يعد لهم اجيالاً لاحقة في العراق!!.
ان صاحبنا عبدالحسين لا ينظر الى الطبقة العاملة كطبقة اجتماعية منبثقة عن عملية مادية تاريخية أي، نتاج تاريخي اقتصادي اجتماعي، ولا يفكر بانه عندما تأتي هذه الطبقة الى الوجود، يستمرإعادة إنتاجها في شكل العمل المأجور داخل "نمط الانتاج الراسمالي " اي داخل النظام الراسمالي طالما بقى هذا النظام أي نظام العمل المأجور قائما. ان شكل العمل Labour Form عموما في النظام الرسمالي هو شكل العمل الماجور وشكل وسائل الانتاج هو راس المال. لقد حسم تاريخ التطور الاقتصادي والاجتماعي في العراق أمره وانتج الطبقة العاملة بوصفها البروليتاريا المعاصرة منذ عقود حيث أسرعت الاصلاحات الزراعية المتكررة في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي و1970 في انجاز هذا الأمر.
باختصار انتهى الانتاج الاقطاعي بشكل رئيسي في العراق وتمت مصادرة ملكية الاقطاعيين والشيوخ وتوزيع الاراضي على الفلاحين و بذلك خلقت الارضية لتسارع وتيرة عملية فصل المنتجين عن وسائل الانتاج التي هي الارض و تحويل العمال الى سوق العمل بوصفهم حملة قوة العمل. لقد انتهت هذه العملية التاريخية المادية وان نمط الانتاج الرأسمالي في العراق بات سائدا حيث لم يبق لنمط الانتاج ما قبل الرأسمالي وجودا ،بشكل أساس، في أية بقعة من البلاد برمتها . إذن السؤال حول وجود البروليتاريا والطبقة العاملة بالمعنى الذي يتحدث عنه انجلز في الوقت الراهن ليس إلا عدم رؤية هذا التحول التاريخي المنجز في العراق .

نعم، "يسود ويطغى
نمط الإنتاج الرأسمالي في العراق ".
صاحبنا يسأل، وبالاستناد الى رسالة ماركس الى ف. زاسيوليج " هل في العراق الان يسود ويطغى نمط الإنتاج الرأسمالي" وهو طبعا يسأل هذا السؤال بهدف الحصول على الجواب بالنفي. في الرد عليه أقول:
اولا، نعم، "يسود ويطغي نمط الانتاج الراسمالي في العراق"، حيث ووفق رسالة ماركس، قد تحقق "انفصال المُنتج ...عن وسائل الانتاج" في العراق منذ عقود.
ثانيا : الواضح انك لم تفهم مغزى ما قاله ماركس في هذا المقطع وإلا لوجهت السؤال بشكل غير شكله الحالي، أي لسألت عن مدى كون انفصال المُنتج عن وسائل الانتاج قد تحقق في العراق ؟.
ثالثا: ان العراق اجتاز العملية التاريخية التي هي فصل المنتجين عن وسائل الانتاج التي تشكل الشرط الجوهري لتحول النقود المتوفرة بالاساس الى راس المال وبالتالي سيادة "نمط الانتاج الراسمالي" وتحول العراق الى مجتمع راسمالي واعادة إنتاجه بوصفه كذلك.
نحن لازلنا بصدد حل اشكالية المقولات والمفاهيم مع صاحبنا كاتب المقال، حول تعريف الطبقة ونمط الانتاج والبروليتاريا والبرجوازية والتطور التاريخي وغيرها. اذ بدون حسم هذه الامور سوف لن نصل الى اي مكان مع الكاتب حتى لو اتينا بمئة احصائية . هناك مشكلة جدية لرؤية الوقائع الاقتصادية والطبقات الاجتماعية وغيرها حيث إن كل واحد منا يفكر بنمط مختلف ونظام انتقادي مختلف. ان جذر المشكلة هو ان لكاتب المقال نظرة غير ماركسية تجاه الوقائع الاقتصادية والاجتماعية، ولكنه يهاجمنا بمقولات من ماركس وانجلس . إذن علينا أولا حسم هذا الامر ثم ناتي الى اشكال وجود الطبقة العاملة العاملة في العراق ونتطرق الى اشكال وجود البرجوازية و فئاتها المختلفة.
تطرق فلاح علوان في رده على عبدالحسين سلمان الى كثير من هذه الجوانب والاحصائيات وتجسمات علاقة راس المال بشكله الحالي في العراق، ولا ارى ضرورة من ان ادخل بتفاصيل هذا الموضوع في هذا القسم من الجواب، وهذا منطقي اذ ان الموضوع المطروح هو نقاش فكري حول المقولات وفي ميدان التصور النظري. فكما يُقال، لا يمكننا الوصول الى حسم الجدال الفلسفي حول اثبات "الحركة" كمفهوم بمثال "السيرعلى الاقدام". فلا يمكن الاكتفاء بالاحصائيات او حتى استعاضتها بالنقاش النظري الاقتصادي والاجتماعي. لذا سنستمر على هذا المنوال في هذا الجزء .
لنقرأ ما يقوله ماركس بصدد عملية الإنتاج الراسمالية التي هي نفسها عملية انتاج علاقة رأس المال أي رأس المال والعمل الماجور وحاملي هذه العملية أي الراسمالي والعامل وكيف ان كلية هذه العلاقات هي المجتمع من الوجهة الاقتصادية . بالرغم من طول المقتبس ارى من الضروري إدراجه وآمل ان يعذرنا القارىء على ذلك.
"... ان عملية الانتاج الراسمالية هي شكل معين تاريخيا لعملية الانتاج الاجتماعية عموما. وان هذه الاخيرة هي عملية انتاج الشروط المادية لوجود الحياة البشرية مثلما هي عملية تجري في نطاق علاقات انتاج اقتصادية - تاريخية خاصة ، تنتج وتجدد انتاج علاقات الانتاج هذه نفسها، وبالتالي تنتج وتجدد انتاج حاملي هذه العملية، وشروط وجودهم المادية وعلاقاتهم المتبادلة، اي الشكل الاجتماعي الاقتصادي المعين لهؤلاء الاخيرين. لان كلية هذه العلاقات التي يجد حاملو الانتاج انفسهم فيها مع الطبيعة وفيما بينهم، والتي ينتجون في اطارها، ان هذه الكلية هي المجتمع تحديدا ، منظور اليه من وجهة بنيته الاقتصادية."(كارل ماركس راس المال المجلد الثالث عملية انتاج راس المال ككل ترجمة فالح عبدالجبار دار الفارابي الصفحة 948)
ان رأس المال بوصفه علاقة تضاد بين العمل وراس المال، بمثابة وحدة متناقضة هي في حركة دائمة ويعاد انتاجها على الدوام على شكل تراكم رأس المال. انها تتحرك حسب قوانينها الخاصة ،وعلى اساس مستوى معين من تطور القوى المنتجة المادية تاريخيا، بحيث تتراكم الثروة في قطب والبؤس في قطب آخر من المجتمع. ان الاساس المادي ونقطة الانطلاق التاريخية لهذه العلاقة هي وجود السلع والنقود وسلب وسائل الانتاج من المنتجين الزراعيين كما يشرحه ماركس في رسالة ف زاسيوليفج المختصرة .

منهج السيد عبدالحسين وبعض من مفاهيمه الخاطئة
لدى السيد عبدالحسين سلمان مفاهيم خاطئة ومشوهة للغاية عن الراسمالية والطبقات وينقل هذه التشويهات حتى الى مقتبساته من ماركس عن طريق تفسيراته الخاطئة لها. فكل ما ينقله عن ماركس بصدد "نمط الانتاج الراسمالي" و"الطبقات" ومراحل "التطور التاريخي" يتم تفسيره بشكل خاطئ من قبله ويستخدمه في مكان خاطئ وذلك كي يتناسب مع منطقه وهاجسه هو، او بالاحرى فوبياه (ذعره) من ذكر الطبقتين البروليتاريا والبرجوازية و" نمط الانتاج الراسمالي" بحيث يدهش القارئ من شدة إصرار هذا السيد على تكرار اخطاءه. لنرى بعض هذه التشويهات.
1. في رده على فلاح علوان يؤكد على ان "وجود الطبقات مرهون بنمط الانتاج الراسمالي فقط". لاحظ "فقط "!! . من اين اتى صحابنا بهذا التفسير؟. انه يستشهد برسالة ماركس الى جوزيف فيديماير بتاريخ 05-03-1852 وماذا تقول هذه الرسالة؟ قال ماركس من خلالها "ان وجود الطبقات يرتبط فقط باطوار تاريخية معينة من تطور الانتاج". ولكن معنى هذه الجملة يفهمها كاتب المقال بشكل خاطئ اذ ان هذه الجملة تعني، وببساطة شديدة، ان وجود الطبقات يرتبط بدرجة معينة من تطور القوى المنتجة. يقول ماركس في مقدمة نقد الاقتصاد السياسي، حسبما اتذكر، ان "الطاحونة المائية" تعطيك المجتمع الاقطاعي و"الطاحونة البخارية" تعطيك المجتمع البرجوازي، قصد ماركس هو ان مختلف مراحل تطور القوى المنتجة تعطي علاقات انتاج معينة ونمط انتاج معين وبالتالي طبقات معينة. فمن اين استنتج كاتب المقال بان وجود الطبقات مقتصر بنمط الانتاج الرأسمالي، وهل نسى السيد عبدالحسين بان البيان الشيوعي يقول: "ان تاريخ جميع المجتمعات الى يومنا هذا لم يكن سوى تاريخ النضال بين الطبقات"؟. اي يتحدث عن جميع المجتمعات،(مع الاخذ بعين الاعتبار ملاحظة انجلز حول كون الاصح هو التاريخ المكتوب)، الى يومنا هذا، لذا فان وجود الطبقات ليس مقتصراً على نمط الانتاج الراسمالي فقط كما يدعي هو.
2. لنرى ماذا بعد، انه يتصور بان الطبقة الراسمالية تتشكل وتتواجد قبل الطبقة العاملة او البروليتاريا بالمعنى الذي يطرحه انجلز في تعريفه اعلاه. غير ان هذا خطأ وتشويه آخر لدى الكاتب اذ ان العملية المادية وحركتها ليست بهذا الشكل ولا تظهر الى الوجود بهذه الصورة . لنوضح، لقد أكد ماركس في المقتبسات اعلاه بانه، كي تتحول النقود والسلع الى رأس المال يجب ان تكون " التجارة قد نمت الى درجة معينة ومحددة". ان رأس المال بوصفه علاقة العمل والرأس مال، لا ياتي الى الوجود ولا يحقق نفسه بدون تحقيق "انفصال المنتجين عن وسائل الانتاج" اي بدون ظهور السكان المجردين من وسائل الإنتاج، اي بدون البروليتاريا، وبالتالي بدون تواجد بضاعة نوعية أخرى اسمها قوة العمل متجسدة في شخص العامل متوفرة في السوق كي يتم تبادلها الشكلي Formal بمبلغ من النقد المعادل لكلفة معيشته بهدف انتاج فائض القيمة في عملية الانتاج.
وبهذا المعنى المنطقي والتاريخي، وكما أكد ماركس، يكمن الجوهري في اقامة النظام الراسمالي في انفصال المنتجين عن وسائل الانتاج. ان النقد ووسائل الانتاج بوصفهما سلع( حيث ان النقد هو سلعة ايضا) وكذلك اصحاب هذه السلع بوصفهم افراد لا يمكنهم ان يتجسدوا في طبقة راسمالية الا بكون نقيضهم اي البروليتاريا قد ظهرت على مسرح التاريخ الاقتصادي والاجتماعي كذلك، وفي الوقت نفسه. فمن اين اتى كاتب المقال بهذا الحكم الذي يقول في رده على فلاح علوان "لاوجود لطبقة عاملة دون وجود طبقة رأسمالية متميزة". فاذا كانت الطبقة الراسمالية المتميزة موجودة، اذن يجب، وبحكم معرفتنا برأس المال وانتقاد ماركس له، ان تكون افراد هذه الطبقة شخصنةPersonification لشئ ما اسمه راس المال، ولكن راس المال علاقة اجتماعية متناقضة وليس شئيا، وهي في حركة دائمة، انها العمل وراس المال وحامليهما هما العامل والراسمالي فكيف يستطيع السيد عبدالحسين ان يُرَبِّعْ هذه الدائرة، حسب المقولة الانكليزية Square this circle))، انه يستحيل عليه حل هذه المعضلة لانه يحمل منهج إلتقاطي في رؤيته للعالم الخارجي.
ان الشرط المسبق لظهور طبقة راسمالية ليس هو فقط تراكم النقد والسلع لدى قسم من السكان بل ظهور البروليتاريا بوصفها السكان المجردين من ملكية وسائل الانتاج المستعدين لبيع قوة عملهم لقاء كمية من النقود التي يُديمون بها حياتهم، وبهدا المعنى فان طبقة راسمالية متميزة غير ممكنة بدون وجود نقيضها أي البروليتاريا في الوقت نفسه على مسرح التاريخ الاجتماعي.
3. ان اخطاء صاحبنا لا تنتهي هنا فقط ، بل تصل الى مديات تُدهش أي شخص له المام متوسط بماركس وكتاباته، لنستمع ماذا يقول في مقال سابق له والمنشور في الحوار المتمدن " لم يعّرف ماركس، الطبقة و لا الطبقات بشكل نسق متكامل، لكن وردت متناثرة في كتبه و رسائله، وجميعها تتحدث عن طبقات، وطبقات العصر الفيكتوري تحديداً، The Victorian era، لذلك يقول، المفكر نعوم تشكومسكي، أن تحليل ماركس، للطبقات، هو تحليل نظري، تجريدي، خاص باوروربا الغربية في القرن التاسع عشر......... أن وجود الطبقات، هو من خصائص المجتمع البرجوازي،ürgerlichen Gesellschaft .. (civil society ) ، ومصطلح المجتمع البرجوازي، يقصد به ماركس: أن نمط الإنتاج المهيمن والمسيطر والسائد به، هو نمط الإنتاج الرأسمالي..."
ان البيان الشيوعي لماركس وانجلس والصراع الطبقي في فرنسا والثامن عشر من برومير لماركس وغيرها من الكتب والمؤلفات حول الصراع الطبقي مبني على تطبيق المنهج المادي التاريخي، وحسب تعبير انجلز على تطبيق "القانون العظيم لحركة التاريخ" الذي اكتشفه ماركس"(مقدمة فريدرك انجلس للطبعة الالمانية الثالثة عام 1885 لكتاب الثامن عشر من برومير لويس بونابارت ماركس انجلس منتخبات في ثلاثة مجلدات المجلد 1 الجزء 2 ص 125 دار التقدم موسكو). انجلس يصف هذا "القانون العظيم" بهذا الشكل انه "القانون الذي يقول ان كل نضال تاريخي ليس في الواقع سوى تعبير متفاوت الوضوح عن النضال بين الطبقات الاجتماعية سواء قام هذا النضال في ميادين السياسة او الدين او الفلسفة ام في ميدان آيديولوجي آخر، وان وجود هذه الطبقات، وبالتالي الاصطدامات التي تقع بينها، انما تحددها بدورها درجة تطور وضعها الاقتصادي وطابع الانتاج واسلوب الانتاج وطريقة التبادل التي يعينها اسلوب الانتاج. ان هذا القانون الذي يعني بالنسبة للتاريخ نفس ما يعنيه قانون حفظ الطاقة بالنسبة للعلوم الطبيعية - ان هذا القانون كان بالنسبة لماركس في هذا الحال ايضا بمثابة المفتاح لفهم تاريخ الجمهورية الفرنسية الثانية"(نفس المصدر اعلاه ص125).
هنا صاحبنا كاتب المقال ينسف بتفسيراته الاعتباطية والالتقاطية كل اركان ما قاله ماركس وانجلس حول الطبقات والصراع الطبقي و يبدلها بمقولات من نعوم جومسكي او افكاره هو . ان الملفت للنظر هنا، والذي يتبين من النص الذي اوردناه اعلاه من الكاتب، انه يؤكد على وجود "الطبقة" هو من "خصائص المجتمع البرجوازي فقط"، وبذلك ينسف كلاً من المادية التاريخية وقانون الصراع الطبقي، فهولا يرى ان المجتمع البرجوازي نفسه ليس إلا طورا من اطوار التطور التاريخي الاقتصادي والاجتماعي، إلا مرحلة من مراحل تطور القوى المنتجة وشكل خاص لعلاقات الانتاج على هذا الاساس المادي الاقتصادي والاجتماعي .
إذن من اين اتى السيد عبدالحسين بفكرة كون وجود الطبقات هو من "خصائص المجتمع البرجوازي" فقط؟. يبدو، انه ناجم عن تصوره، مثل التصور السائد لدى الكثيرين من "المثقفين" البرجوازيين الليبراليين، بان ماركس لم يتحدث عن الطبقات ولم يكمل بحثه بشانها في الكتاب الثالث. هذا هراء، صحيح ان ماركس لم ينهي بحثه حول الطبقات في راس المال الكتاب الثالث، غير انه تحدث عن 3 طبقات اجتماعية في المجتمع البرجوازي في هذا المقطع القصير وهم العمال الاجراء والراسماليين واصحاب الملكية العقارية. ان بحث ماركس في هذا المقطع تاكيد آخر على وجود الطبقات في المجتمع البرجوازي ولا يخص هذا المقطع بحث الطبقات في التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية الاخرى مثل الاقطاعية والعبودية وغيرها . ان المقطع القصير لماركس ادامة بحثه في تطبيق منهج النقد البروليتاري تجاه المجتمع البرجوزاي فيما يخص توزيع الدخل بين الطبقات الثلاث. غير ان عدم تكملة هذا المشروع من قبل ماركس لا يعطي الجواز لصاحبنا الكاتب كي ياتي ويبدله بنظرياته هو اي ينفي وجود الطبقات في المراحل الاخرى من التطور التاريخي ما قبل الراسمالية.
يقول ماركس في مكان ما ان شرط فهم قوانين حركة التشكيلات الاقتصادية والاجتماعية في اطوراها السابقة هي فهم تطور هذه التشكيلات في المرحلة الاعلى التي وصلتها وهو يعني بذلك ضرورة دراسة التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية التي اسمها الراسمالية وكشف قوانين حركتها بمثابة المفتاح لمعرفة التطور التاريخي والمراحل السابقة وهذا ما طبقه ماركس في راس المال. ان هذا الاسلوب في البحث والدراسة يعني بان الظاهرة في طورها الاعلى تتبع قوانين خاصة بها مختلفة عن اطوراها السابقة ولكنها متصلة تاريخيا بتلك المراحل. ان استمرارية التاريخ والتواصل التاريخي بالرغم من التطورات النوعية والتحول من مرحلة الى مرحلة اخرى هو الاساس المادي الموضوعي لحركة المجتمع البشري وان المنهج الذي يرى هذا التواصل التاريخي هو المنهج المادي التاريخي وهو منهج ماركس. ان نفي الطبقات بمثابة ظاهرة تاريخية والصراع الطبقي كقانون حركة التاريخ هو نفي منهج ماركس. وهذا ما يفعله عبدالحسين باسم ماركس.
رب سائل يسال، حسنا، بمعزل عن هذا الجدل الفكري، ما هي الدوافع وراء هذا النسف لفكرماركس باسم ماركس من قبل الكاتب؟ الجواب واضح، ان الكاتب يبحث عن "المجتمع المدني" وان الطبقات هي خصيصة هذا المجتمع المدني الذي اسمه المجتمع البرجوازي والذي هو نتيجة سيادة نمط الانتاج الراسمالي. وهكذا وعلى هذا المنوال يريد ان يصل بنا الى نتجية بان نمط الانتاج الراسمالي موجود في اوروبا الغربية فقط، وحتى هنا بشكل نظري تجريدي، كما ويريد ان يشوه الواقع ويقول ان نمط الانتاج الراسمالي غير سائد في العراق. والنتيجة واضحة من هذه السلسلة، ألا وهي تطبيق نظرياته البرجوازية الليبرالية والصناعية لا نظرية ماركس الثورية البروليتارية التي تنتقد النظام الراسمالي لا من زاوية الفئات البرجوازية الصناعية او الليبرالية او غيرها انما من موقع البروليتاريا الاشتراكية ومن موقع الطبقة العاملة التي ينكر وجودها الكاتب.
ان ظهور الطبقات ضمن سير هذه العملية التاريخية حدث في مرحلة معينة من نمراحل تطور القوى المنتجة ولكن هذه المرحلة كانت قد ظهرت في تاريخ البشرية مع نشوء الملكية الخاصة لوسائل الانتاج والمنتوجات اي مع انحلال المشاعة البدائية ولم تبدأ مع الرأسمالية. ان الراسمالية هي مجتمع طبقي ظهر في هذا التاريخ على اساس درجة معينة من تطور القوى المنتجة. ان الاقتصاديين البرجوازيين يقدسون النظام الراسمالي كنظام وحيد ونهائي، ربما صاحبنا تأثر بهذه الرؤية البرجوازية ونظرات الاقتصاد البرجوازي حيث يحاول ان يقطع الترابط التاريخي وسير النضال الطبقي وبالتالي ان يغض الطرف عن الحقيقة الصارخة في المجتمع البرجوازي، اي كون العمل الميت المتراكم هو الذي يحكم العمل الحي في هذا المجتمع وهذا هو سر تناقضاته المميتة وسر حركته السائرة نحو الزوال.

للبحث بقية
28 -11-2018



تعليقات الفيسبوك