الرأسمالية لا تملك حلا لمطالب الستر الصفراء لا في فرنسا ولا العراق!


نادية محمود
الحوار المتمدن - العدد: 6079 - 2018 / 12 / 10 - 00:50
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

احد الافكار العبقرية التي تفتقت عنها ذهنية احد ما من "صناع القرار" السياسيين في العراق لحل مشكلة البطالة، هو تخفيف الضغط على وظائف الدولة باعادة التجنيد الالزامي وبشكل مؤقت (من سنة الى ثلاث سنوات) بتعيينهم جنود في الجيش وبرواتب تكون مساوية لرواتب منتسبي وزارتي الداخلية والدفاع. سيناقش البرلمان مشروع القانون للتصويت عليه في جلسته المقبلة. بغض النظر عن امكانية تشريع هكذا قانون في ظل الخريطة السياسية الحالية في العراق، لكن لنفترض جدلا انه سيتم التصويت عليه. فهل فكرة التجنيد الاجباري ستقدم دواء لداء البطالة والفقر ونقص الخدمات التي خرجت ولازالت من اجلها مئات الالاف الجماهير؟.
سنتسخدم نموذج فرنسا، كمرآة لما يجري في العراق، لنعرف اي ضحالة واي بؤس يحمله مشروع التجنيد الاجباري ك "حل" لمشكلة البطالة. ان ما يجري اليوم في فرنسا والعراق هما نسخ متعددة لقضية وجوهر واحد وهو استعار شدة الصراع الطبقي في البلدان التي تتبنى سياسات الاقتصاد الحر الجديد، او النيولبرالي، والتي تؤدي كتحصيل حاصل وبالضرورة الى زيادة الاغنياء غنى، وزيادة الفقراء فقرا.
من المعلوم ان فرنسا خرجت بتظاهرات منذ يوم ال17 من شهر نوفمبر الماضي، فيما اطلق عليه تظاهرات السترات الصفراء. الشرارة التي اضرمت التظاهرات هي زيادة سعر الديزل بنسبة 23 % وزيادة سعر النفط بنسبة 14% ووجود خطة حكومية تنذر -انذاك- بزيادات اخرى في المستقبل. ان تلك الزيادات سترهق اقتصاديا الالاف من العمال المضطرين للتوجه يوميا من اطراف باريس وخارجها الى المركز، والذين لا يستطيعوا تدبير امور معيشتهم لاخر الشهر، كما يرددوا، الا ان زيادة اسعار الديزل والنفط لم يكونا الا الشعرة التي قصمت ظهر البعير. فالسياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي تتبناها فرنسا هي التي هيأت الارضية واسهمت في خلق الغليان الذي تشهده ليس في الاربع اسابيع الاخيرة، بل خلال عقد من الزمن، اي بعد وامتدادا لازمة 2008 بشكل عام، وعلى امتداد حكم ساركوزي وهولاند ومن ثم سياسات ماكرون ليس في فرنسا وحدها بل لتلك البلدان التي كانت تحت سيطرة فرنسا ايضا.
لقد قام ماكرون "رئيس الاغنياء" -كما يطلق عليه- بمجموعة اجراءات ومنذ مجيئه للحكم عام 2017. على سبيل المثال الغى ضريبة الثروة التضامنية مانحا 4 مليار يورو للطبقة الاغنى. ثم قام بتحويل 41 مليار يورو للشركات بما فيها المتعددة الجنسيات، ثم قام بتحويل 10 مليارات يورو اخرى الى نفس الطبقة بحجة الاستثمار، وبهذا تضاعفت ثروات الطبقة المالكة خلال عقدين من الزمن، عشرة اضعاف. في حين انخفضت القدرة الشرائية للعمال والكادحين عن ما كانت عليه في عام 2008، اي قبل عقد من الزمن وبنسبة 440 يورو سنويا. فقد قام ماكرون وخلال عامين فقط من حكمه بزيادة ضريبة دخل المتقاعدين، ثم الغى العقود المدعومة من الدولة والتي كانت تسمح للعمال بالحصول على اجورهم من دعم الدولة، ثم خفض بمقدار 5 يورو شهريا من دعم الدولة لاسكان الفئات الفقيرة. ثم توّج كل ذلك بضريبة الكاربون والتي تسهم بتدهور الاوضاع الاقتصادية للكادحين.
الان وللاسبوع الرابع على التوالي، طلبة الجامعات انضموا الى السترات الصفراء معترضين على "الاصلاح" في التعليم والذي تسبب في تسريح المعلمين من العمل، ان كل هذا وسع من الشرخ والتفاوت الطبقي بين الاغنياء والفقراء. لقد ادى كل هذا الى بزوغ حركة جديدة، فئات رغم انها عاملة وليست عاطلة، الا انها لا تستطيع ان توفر كلفة عيشها حتى استلام اجورها في نهاية الشهر. هذه الحركة انضم اليها اناس لم تطأ اقدامهم ميدان العمل السياسي سابقا، اناس ليس من المراكز الصناعية في المدن الكبرى، بل من الارياف واطراف المدن، مما يعني زج اوساط جديدة في الصراع الطبقي.
هل تبدو هذه الاوضاع غريبة عن العراق؟ باختلاف النطاق والاطار السياسي التي تجري فيهما سياسات الافقار،هنالك طبقتان تتصارعان، طبقة تريد توسيع وزيادة كمية الاموال التي يمكن ان تضع ايديها عليه بالفساد وبالنهب، او بالارباح،على حساب افقار الملايين، وطبقة لا تعرف كيف تؤمن تغطية مصاريف يومها من طعام وعلاج ومواصلات. فرغم التباين في تفاصيل الوضع الاقتصادي وحال الطبقة السياسية الحاكمة، الا ان ما هو مشترك ان كلا البلدين في انهما يتبنيان سياسة الاقتصاد الحر الجديد، والتي تعمل لاجل الطبقات الغنية ضد الطبقات الكادحة، تعني اخلاء مسؤولية الدولة من مسؤوليتها امام المواطن وتحميله تكاليف اغناء الطبقة البرجوازية، وترك الاغنياء يزدادون غنى. في العراق تتنصل الدولة من مسؤولية توفير فرص العمل، ولا تقدم اية مساعدات للعاطلين- كما هو الحال في فرنسا- تتصارع على المقاعد الوزارية، فكأن هنالك بئر نفط يقبع تحت كل مقعد وزاري، تستمد منه امكانيات مالية لا حد لها. يمكنها من توسيع قدراتها المالية تعزيز نفوذها، عبر التجنيد بالميلشيات ووسائل الاعلام وشراء الولاء السياسي.

يعرف المواطن الان ببساطة لاي حزب ولاي ميلشيا تعود ملكية الوزارات، والمطارات والموانيء والنقاط الكمركية، والجامعات، والمستشفيات. انها موزعة على الاحزاب الاسلامية وشخوصها. الكل يتحدث عن الفساد والنهب ولا مسؤولية الدولة تجاه المواطن. بل الكل يتحدث عن عدم وجود دولة بالاساس! الناس تعاني من غرق الشوارع ما ان تهطل قليلا من الامطار، لا يوجد ماء صالح للاستعمال ولا مجاري سالكة، وعلى المواطن ان يشتري الخدمات الصحية والادوية والتعليم، مما يرهق الاسر، ويرمي كل شي على كاهلها.
لهذا تتواصل التظاهرات التي ترتدي الان في البصرة وبغداد، السترات الصفراء، لتبين ان ما يجري في الغرب والشرق، في الشمال والجنوب من الكرة الارضية، انما هو نظام رأسمالي واحد يتبنى النيوليبرالية او الاقتصاد الحر الجديد، يرمي لهدف واحد زيادة غنى الاغنياء على حساب افقار الطبقات الكادحة. وان صبر هذه الطبقة قد بدأ بالنفاذ فعلا. ما ينقص هذه الحركة سواء في فرنسا او في العراق، هو ان تنتخب ممثليها، مرشحيها، مباشرة من كل محلة وحي، صعودا الى اعلى سلطة في البلد. يجب ان تخرج من العفوية واللاتنظيم، اذا ما اريد لها ان تصل الى نتائج افضل لصالح العمال والكادحين. يجب انتزاع السلطة من الطبقة الرأسمالية الحاكمة، لان ليس لدى هذه الطبقة حلا. على الجماهير ان تدير امورها بنفسها، من المحلة ومكان العمل الى اعلى سلطة في الدولة.
اما الحل الذي تفتق عنه ذهن احد ما من صناع السياسات الاجتماعية في العراق بانه "وجدها"!! وحل مطالب الباحثين عن العمل يكمن باعادة التجنيد الاجباري، لا بد ان يجد احدا ما ليقول له: انها ازمة الرأسمالية التي تضرب كل مكان في العالم، ان احتجاجات وسخط السترات الصفراء سيسقط حكومات، وسيسير كالدمينو، وبدأ يسير- ليس الى بقية قارة اوربا بل والى خارجها، حيث يوجد بلاء الرأسمالية على رؤوس الملايين.



تعليقات الفيسبوك