ماذا يقول التاريخ عن الربيع العربي ؟


فؤاد النمري
الحوار المتمدن - العدد: 6011 - 2018 / 10 / 2 - 19:36
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

ماذا يقول التاريخ عن الربيع العربي ؟
تتباين الآراء في عدالة المحاكم في مختلف الدول غير أن المحاكمة العلمية لموضوع عدالة المحاكم تقول أن مختلف المحاكم في مختلف الدول ينحصر عملها في تطبيق قوانين الطبقات الحاكمة في دولها ولذلك هي ليست عادلة بمختلف المقاييس . هناك محكمة عادلة واحدة وبمختلف المقاييس هي محكمة التاريخ حيث أن محكمة التاريخ تصدر أحكامها القاطعة دون أدنى اعتبار لأهواء ورغبات بني البشر .
قال العرب ألف قول وقول عن الربيع العربي وللعرب أن يتقولوا الكثير عنه فهو بحق يؤشر إلى حقبة تاريخية ليس لهم أن يستعفوا منها، إلا أن أحداً من هذه الأقوال لم يكن صحيحا يقارب حكم التاريخ . فماذا يقول التاريخ عن الربيع العربي وهو الحكم المبرم الصادر عن محكمة التاريخ وهو الحقيقة القاطعة التي يلتزم استقبالها بغض النظر عن مختلف الأهواء .

كانت الشعوب قد بدأت مقاومتها للإمبريالية منذ منتصف القرن التاسع عشر فكان هناك حركات ثورية تحررية في الهند والصين ومصر وبلاد الشام غير أن شعوب هذه البلدان لم تنجح ولو بمقدار في التحرر . وفي هذا السياق وجه قائد الثورة البلشفية فلاديمير لينين خطابه إلى زعماء الشعوب الإسلامية في الشرق المجتمعين في باكو/أذربيجان في العام 1921 يؤكد لهم أن تحررهم من الإمبريالية لن يتحقق إلا بتعاونهم مع البلاشفة، وبذلك أرسى لينين مبدأ الوحدة العضوية بين الثورة الإشتراكية وثورة التحرر الوطني – وهو المبدأ الذي انتهكه خروشتشوف بكل وقاحة عندما طالب في المؤتمر الحادي والعشرين للحزب 59 بفصل الثورتين بخط فاصل وتطبيقا لسياسة خروشتشوف وقف الاتحاد السوفياتي يتفرج على مصر تنهزم في حرب 67 وكما لو أنه مشارك في العدوان .
طبعاً أولئك الزعماء الإسلاميون لم يكونوا اشتراكيين بل هم في الحقيقة أعداء الإشتراكية ولعلهم جميعاً لم يأخذوا بنصيحة لينين التي انتصح بها الزعيم الصيني الكبير صن يات سن وانضم عضو شرف إلى الأممية الشيوعية في العام 21 .
حكم التاريخ لصالح المبدأ اللينيني في الوحدة العضوية بين الثورتين الإشتراكية والوطنية فما إن برز الاتحاد السوفياتي القوة الأعظم بعد الحرب العالمية الثانية حتى تفجرت ثورة التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية 1946 – 1972 . وفي العام الأخير 72 أصدرت الأمم المتحدة بيانا تقول فيه .. لم يعد هناك أي أثر للإمبريالية في مختلف أصقاع الأرض ؛ وتبعاً لذلك قامت الأمم المتحدة بحل لجنة تصفية الاستعمار التابعة لها .
لا يمكن إدراك البنية الحقيقية لما سُمّيَّ بالربيع العربي بغير الوقوف على المعنى الحقيقي للمبدأ اللينيني القائل بالوحدة العضوية للثورة الإشتراكية مع الثورة الوطنية .
يناضل العمال في المراكز الرأسمالية (المتروبول) ضد النظام الرأسمالي، وتناضل الشعوب في المستعمرات ضد الإمبريالية، وعليه فالعمال في مراكز الرأسمالية والشعوب في المستعمرات يناضلون ضد نفس العدو ولذلك هناك اعتماد متنبادل ووحدة عضوية بين الثورتين الاشتراكية والوطنية . ما أضافه لينين إلى هذه الوحدة العضوية هو أن الشعوب في المستعمرات لا يمكن أن تحقق أي نجاحات ضد العدو المشترك دون أن يكون هناك ثورة اشتراكية في مركز وازن من مراكز الرأسمالية الإمبريالية وقد شهد التاريخ على صحة هذا المبدأ فلم يتحرر أي شعب من شعوب المستعمرات قبل بروز الإتحاد السوفياتي كأعظم قوة في العالم فكان أن نجحت كافة المستعمرات في العالم على فك روابطها مع مراكز الرأسمالية والحصول على استقلالها السياسي خلال ربع قرن بعد الحرب .
ما أكده لينين في هذا السياق هو أن التطور الطبيعي في المستعمرات يتمثل في أن تقود البورجوازية الدينامية الوطنية الثورة ضد الاستعمار وعليه كان أن اشترط لينين على الأحزاب الشيوعية في المستعمرات وقوفها خلف البورجوازية في ثورتها وإلا فلن تقبل عضواً في الأممية الشيوعية . إلى هذا الحد وصل فهم لينين للوحدة العضوية بين الثورة الإشتراكية والثورة الوطنية .
لكن لماذا تقوم البورجوازية الدينامية بثورتها الوطنية ضد الاستعمار ؟ لماذا تقوم البورجوازية الدينامية بثورة ضد الإمبريالية (Imperialism) وهي أصلاً ما كانت لتكون لولا الإمبريالية !؟
لاتتكامل دورة الانتاج الرأسمالي الحيوية إلا بتصدير فائض الإنتاج إلى المستعمرات ثم تعود عوائد هذ الصادرات إلى المركز على شكل مواد ىخام وغيرها وهو ما يستلزم إقامة صناعات استخراجية ووسائط نقل وطرق مواصلات وما يتبع ذاك من خدمات كالإتصالات والخدمات التعليمية والصحية والبنوك وشركات التأمين في المستعمرة . في مثل هذه الأجواء الملحقة بالنظام الرأسمالي تنمو طبقة البورجوازية الدينامية التي تبدأ بالسعي للحلول محل المركز الرأسمالي (المتروبول) لتقيم نظامها الرأسمالي الوطني الذي يعود عليها بالفائدة وهي الأحق باستغلال العمال مواطنيها من الرأسمالي الأجنبي .

نهاية الحرب العالمية الثانية أشّرت لنهاية النظام الرأسمالي في العالم فكان أن تفجرت ثورة التحرر الوطني في كافة المستعمرات والبلدان التابعة بقيادة البورجوازية الدينامية . لكن هذه البورجوازيات المختلفة لم يكن في حسابها كيف ومن سيزودها بأدوات الإنتاج لبناء نظامها الإقتصادي . مراكز الرأسمالية بالطبع لن تبني اقتصاد شريك لها في الأسواق العالمية أو حتى في سوقه الوطني على الأقل . حاول جمال عبد الناصر جاهدا أن تساهم الولايات المتحدة في بناء الصناعات الوطنية في مصر وعبثا جهد .
كان الاتحاد السوفياتي قد انقلب على النظام الإشتراكي في العام 53 ليغرق كليا في التسلح عندما لم يكن بحاجة لأية أسلحة . كان الدور الطبيعي أن يقوم الاتحاد السوفياتي وهو مركز الثورة الإشتراكية العالمية بمساعدة الدول المستقلة في بناء اقتصادها وتعظيم دور الطبقة العاملة فيها إلا أنه كان قد أخذ يتراجع اقتصاديا . فبعد أن ساعد الصين والهند ومصر بدرجة محدودة أخذ في الستينيات لا يجد ما يعرضه كمساعدة سوى الأسلحة . لئن كان السوفييت ينتجون الأسلحة لتهديم النظام الاشتراكي في بلادهم فالأسلحة لا تبني أي اقتصاد في الدول المستقلة حديثاً بقيادة البورجوازية الدينامية التي كانت تتوجه إلى موسكو طلباً لمساعدتها في بناء إقتصادها الوطني فلا تجد فيها سوى الأسلحة التي هي ليس من الإقتصاد بشيء .
يرى بعض أدعياء الماركسية من مثل سمير أمين من مصر أن البورجوازية العربية لم ترغب في قطع علاقاتها مع الإمبريالية، وحسن حمدان من لبنان الذي يرى أن أزمة التطور هي أزمة البورجوازيات العربية، وهما بادعاءاتهما السخيفة يبرّيان القيادة السوفياتية من خيانتها للثورة الإشتراكية عن طريق وقف التنمية الإشتراكية والإنخراط الكلي في إنتاج الأسلحة كما أشار بيان الحزب الشيوعي في سبتمبر ايلول 53 .
البلدان الإشتراكية الأخرى وعلى رأسها الصين لم تعد تلقى المساعدة المستوجبة من الاتحاد السوفياتي فما بالك بالبورجوازيات العربية التي انهارت بعد أن فشلت في تحقيق مشروعها الاقتصادي الذي ثارت من أجله . في تلك الأثناء ولما لم يكن في المجتمع طبقة متطورة أخرى بعد انهيار البورجوازيات الوطنية قفز إلى رأس السلطة جنود وضيعون لا همّ لهم سوى التمتع بامتيازات السلطة خاصة وأن أفق التطور كان مسدوداً تماماً . عشرات الإنقلابات العسكرية قامت في دول العالم الثالث في عقد الستينيات بسبب انهيار الثورة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي في الخمسينيات وما ترتب عليه من انهيار البورجوازية الوطنية الدينامية . في العالم العربي كان هناك انقلاب في العراق والجزائر وليبيا واليمن وسوريا والسودان وتونس وفي مصر قام السادات بانقلاب عسكري على فريق عبد الناصر وعاد يلبس لباس العسكر ويرتمي في أحضان أميركا .
ثمانية انقلابات عسكرية في العالم العربي . فلأي سبب كانت تلك الإنقلابات العسكرية ؟ الإجابة الصحيحة على هذا السؤال الحدي الكاشف هي فشل البورجوازية الوطنية الدينامية في تحقيق مشروعها التنموي والغياب التام لأي طبقة أخرى متطورة شريكة في الإنتاج . وفي تلك الشروط القائمة تحددت وظيفة العسكر الصغار الذين خطفوا السلطة وهي إخماد قوى الحراك الإجتماعي ولو أدى ذلك إلى تخصيص كل عوائد الإقتصاد إلى زيادة قوى القمع مثلما كان الحال في سوريا والعراق وفي ليبيا والجزائر .

أحوال الشعوب العربية في هذه "الجملكيات" العربية العسكرية كانت قبل نصف قرن في العام 1960 أفضل كثيرا منها في العام 2010 عندما لم يعد لدى شعوب تلك الدول أي قدرة أكثر على تحمل عسف تلك القيادات العسكرية وسياساتها الإفقارية فكانت حادثة شهيد محاربة الإفقار محمد البوعزيزي في مطلع 2011 الشرارة التي اطلقت انتفاضة الربيع العربي .
ثمة بعض من هواة السياسة يتقولون فيما سموه " ثورة " الربيع العربي ويتساءلون عن دور اليسار في هذ الثورة وبعض المفلسين من هؤلاء الهواة يقولون الخريف العربي وليس الربيع العربي . جميع هؤلاء إن هم إلا هواة في السياسة وليس لهم في علم السياسة نصيب . الشعوب العربية بمختلف الطبقات فيها البورجوازية قبل العمال والفلاحين هبوا جميعاً لإسقاط حكم العسكر الفردي الدكتاتوري الذي لم ينل الشعب منه سوى القمع والفقر والإرهاب . هو انتفاضة من أجل تأمين الحرية والكرامة لمختلف طبقات المجتمع وليس ثورة تقوم بها طبقة اجتماعية ضد طبقة اجتماعية أخرى بقصد تغيير علاقات الإنتاج . في الربيع العربي نهضت كل طبقات الشعب لتطيح بعصابة ليست من الشعب بل معادية لكل الشعب .

الضلالة الأخيرة لهواة السياسة هي توقعهم لأزاهير الربيع وثماره . الهدف الأخير للربيع العربي هو استعادة الشعب بمختلف طبقاته وشرائحها لحريتها وكرامتها . استعادة الشعوب العربية لحريتها تتجسد أولا وأخيراً في صراع مختلف الطبقات لامتلاك السلطة وإقامة دولتها الطبقية . لئن كانت الإمبريالية قد استولدت في الدول العربية طبقة بورجوازية دينامية خلال بضعة عقود فإن الكولونيالية غير العربية المتأسلمة لم تترك في العالم العربي بعد عشرة قرون أكثر من شرائح ضيقة من البورجوازية الوضيعة . اليوم تشكل البورجوازية الوضيعة بعد انهيار طبقة البورجوازية الدينامية أكثر من 80% من مجموع الشعوب العربية . وعلية لا يُتوقع أن يتجاوز الصراع لامتلاك السلطة الشرائح المختلفة للبورجوازية الوضيعة وهو الصراع الذي لن ينتهي أبداً حيث البورجوازية الوضيعة هي أصلاً ليست شريكة في الإنتاج . يشْهر بعض هؤلاء إفلاسهم إلى حد زعمهم أن حال الشعوب العربية زمن العسكر في السلطة قبل الربيع كان أفضل من اليوم !! تحت سلطان العسكر المجتمعات تموت موتاً بطيئا أما اليوم فهي تتحرك في معركة حيوية .

كل حديث عن الربيع العربي خارج هذا الإطار إن هو إلا حديث جهالة .


/



تعليقات الفيسبوك